الأربعاء 30 سبتمبر 2026

ثقافة

«بورتريه لأبي العِلا البِشْري».. حين تصبح المصحة مرآة للعالم

  • 30-9-2026 | 00:30

غلاف الرواية

طباعة
  • بيمن خليل

في «بورتريه لأبي العِلا البِشْري»، لا يكتفي باهر بدوي باستدعاء شخصية يعرفها القارئ من الذاكرة التلفزيونية، وإنما يستخدم هذا الاستدعاء بوصفه مدخلًا إلى عالم أكثر التباسًا؛ عالم تتداخل فيه أسئلة العقل والجنون، والحقيقة والوهم، والذاكرة والواقع، حتى يصبح من الصعب أحيانًا تحديد الحد الفاصل بين المريض والطبيب، وبين من يعيش الوهم ومن يصنعه للآخرين.

منذ العنوان، تبدو الرواية مشغولة بفكرة «البورتريه»: صورة لشخصية، لكنها في الوقت نفسه صورة لعصر كامل. فـ«أبو العِلا البشري» هنا ليس مجرد إحالة إلى الشخصية الدرامية الشهيرة، بل نقطة انطلاق للتأمل في الإنسان الذي يحاول أن يفهم العالم، ثم يكتشف أن العالم نفسه قد يكون أكثر اضطرابًا من كل ما يوصف بالجنون.

وتأتي المصحة النفسية في قلب هذا البناء الروائي بوصفها أكثر من مجرد مكان تجري داخله الأحداث. إنها مجتمع مصغر، له قوانينه وعلاقاته وسلطاته، وفيها يمكن اختبار السؤال الأكثر إلحاحًا في الرواية: من يملك حق تعريف العقل؟ ومن يقرر أن هذا الشخص عاقل، وأن ذاك مريض؟ وبقدر ما تبدو المصحة مكانًا لعلاج المرضى، فإنها تتحول تدريجيًا إلى مرآة للمجتمع خارجها، بحيث لا يعود الجنون حالة فردية خالصة، وإنما يصبح انعكاسًا لتشظي واقع مضطرب.

ومن هنا تكتسب الحرب دلالة تتجاوز كونها خلفية زمنية للأحداث. فالحرب، وفق الرؤية التي ينطلق منها الكاتب، تبدو كـ«عرض» لمرض أعمق؛ مرض يتعلق بطريقة الإنسان في صناعة العنف وتبريره، وبالقدرة على صياغة الرواية التي يريد الآخرون تصديقها. ولذلك لا تنفصل السياسة في الرواية عن الأسئلة النفسية والفلسفية، بل تدخل معها في نسيج واحد.

كذلك تشتغل الرواية على منطقة ملتبسة بين الواقع والوهم والذاكرة. فما نتذكره ليس بالضرورة ما حدث، وما نعتقد أنه حقيقة قد يكون مجرد رواية استقرت في وعينا من كثرة تكرارها. وهنا يصبح اختفاء بعض المرضى، وما يحيط به من غموض، جزءًا من لعبة أكبر تتعلق بالحقيقة نفسها: هل اختفاء الإنسان هو المشكلة، أم أن المشكلة في الطريقة التي يُعاد بها تفسير وجوده وغيابه؟

ولعل أبرز ما يمنح الرواية خصوصيتها أن باهر بدوي لا يقدم الجنون باعتباره نقيضًا بسيطًا للعقل، بل يضع الاثنين في منطقة مشتركة. فالعاقل قد يحمل داخله ما يكفي من التناقض والاضطراب، والمجنون قد يرى من الحقيقة ما يعجز الآخرون عن رؤيته. وبين الطرفين تتحرك شخصيات الرواية، حاملةً ذاكرتها وخوفها وأوهامها وأسئلتها.

بهذا المعنى، يمكن قراءة «بورتريه لأبي العِلا البِشْري» باعتبارها رواية عن المصحة بقدر ما هي رواية عن العالم خارجها. فالمكان المغلق لا يعزل الشخصيات عن الواقع، وإنما يكشفه بصورة أكثر حدة. وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم: من المجنون؟ وإنما: ماذا لو كان العالم الذي نعيش فيه هو نفسه بحاجة إلى أن يُفحص؟

أخبار الساعة

الاكثر قراءة