الخميس 23 مارس 2023

التحديات التى تواجه انتشار المحطات النووية

مقالات27-12-2021 | 12:28

آفة المشاريع العملاقة "التأخير". دائما المشاريع العملاقة "الميجا بروجيكت" تواجه العديد من التحديات نظرا لضخامة المشروع وتعقيده وطول مدة تنفيذه واستثماراته الضخمة.

فمشروعات المحطات النووية على مستوى العالم تواجه تحديات كثيرة، من بينها:

  • انهيار الثقة فى أمان المحطات النووية بسبب الحوادث النووية.
  • التأخير فى التنفيذ، خاصة فى تنفيذ المحطات النووية المتطورة، وهو ما حدث فى أمريكا وأوروبا، وقد أدى ذلك إلى زيادة التكاليف.
  • ارتفاع تكاليف إنشاء المحطات النووية الكبيرة.
  • المنافسة من محطات الغاز الطبيعى والطاقة المتجددة، كل هذا تسبب فى إضعاف إمكانية بناء محطات نووية كبيرة جديدة، خاصة فى أمريكا والدول الأوروبية.

انهارت الثقة فى أمان المفاعلات النووية، بعد كارثة محطة "تشرنوبل" فى أوكرانيا عام 1986، والتى كبحت جماح الاستثمار فى بناء مفاعلات نووية جديدة فى الدول الغربية. ثم وجهت كارثة فوكوشيما فى اليابان عام 2011 ضربة أخرى للثقة فى أمان المحطات النووية، وكانت السبب الرئيسى فى أن حكومة ألمانيا اتخذت قراراً سياسيا بالتخلص التدريجى من المفاعلات النووية الشغالة، وأوصدت أبواب الخيار النووى كطاقة نظيفة ورخيصة.

 

على مستوى مشاريع المحطات النووية وهى مشاريع ضخمة وذات استثمارات كبيرة، نجدها فى بعض الدول مثل روسيا والصين مشاريع قومية تابعة للمؤسسات والهيئات الحكومية، فالحكومة هى المسئولة عن المشاريع النووية فى جميع مراحلها. لكن فى بعض الدول الأخرى مثل الولايات المتحدة، نجد أن مشاريع المحطات النووية تتبع القطاع الخاص، لكنها فى ذات الوقت مرتبطة بالتدخل والدعم الحكومى فى وضع خطط وسياسات الأبحاث والتطوير والابتكارات، وكذلك سن القوانين والتشريعات التنظيمية، لكى تعمل المنظومة النووية فى جميع مراحلها على أكمل وجه.

الآن تواجه محطات الطاقة النووية الأمريكية الرياح المعاكسة الشديدة. إذ أن سوق الطاقة فى أمريكا هو سوق حر، وبسبب المنافسة مع الغاز الطبيعى الرخيص، أصبحت المحطات النووية تحقق خسائر وفى احتياج لدعم حكومى لتعويض هذه الخسائر. والآن، ونتيجة للأوضاع المتردية اتخذت بعض الشركات المالكة لمحطات نووية قرارات بغلق هذه المحطات. ونتيجة لذلك، فإن الاستثمار فى محطات نووية جديدة أصبح أمرا صعبا للغاية بالنسبة للقطاع الخاص. فمن بين 51 محطة قيد الإنشاء فى جميع أنحاء العالم اليوم، هناك 45 محطة قيد الإنشاء من قبل الشركات المملوكة للدولة.

 

سوف نلقى الضوء على بعض النقاط لكى تتضح الصورة أمام القارئ.

أولاً: انهيار الثقة فى أمان المحطات النووية بسبب الحوادث النووية. كان لحادث محطة فوكوشيما النووية اليابانية فى عام 2011، تأثير سلبى مباشر على مشاريع محطات الطاقة النووية فى العالم، فهو قد أبطأ حركة نهضة مشروعات المحطات النووية، وعلى الأقل فى المدى القريب. لذلك فقد تم تحديث معايير الأمان النووى، وهناك تدابير هامة قد تم اتخاذها لتحقيق أعلى معايير الأمان النووى، ومنها، وضع ضوابط صارمة لمنع تعرض الإنسان والبيئة الخارجية للإشعاع، مع التحكم فى إطلاق المواد المشعة فى البيئة، وذلك من خلال الالتزام بوجود وعاء احتواء للدائرة الابتدائية للمفاعل النووى، مصمم لاحتواء ومجابهة الحوادث الداخلية ومجابهة المخاطر الخارجية.

كذلك فقد تم تطوير منظومة الأمان، للحد من احتمالية وقوع أحداث قد تؤدى إلى فقدان السيطرة على التفاعل النووى المتسلسل داخل قلب المفاعل النووى، وفى حالة "لاقدر الله" وحدثت حادثة فهناك آليات تتخذ للتخفيف من تبعات وأضرار الإشعاع المؤين والسيطرة الكاملة على الحادثة ومنع تفاقمها.

مهمة منظومة الأمان النووى الأساسية هى منع خروج المواد المشعة من المحطة النووية، وانتشارها فى البيئة المحيطة، كى لا تسبب ضررا للبيئة وللإنسان والحيوان والنباتات وخلافه، سواء أثناء التشغيل العادى أو أثناء الحوادث.

فى عام 1979، حدث انصهار قلب مفاعل محطة "ثرى مايل آيلاند" بأمريكا، لكن نظرا لوجود وعاء احتواء، فلم تخرج المواد المشعة من وعاء الاحتواء للبيئة المحيطة، وظلت فقاعة الهيدروجين داخل وعاء الاحتواء ولم تنفجر بتلامسها مع الأكسجين، ولذلك فقد قام الرئيس الأمريكى "كارتر" بزيارة المحطة بعد أربعة أيام من وقوع الحادثة، وتجول داخل المحطة وداخل غرفة التحكم. أما ما حدث فى محطة تشرنوبل وفوكوشيما من انفجارات وحرائق نتيجة اشتعال الهيدروجين، فسببه أن المفاعلات فى هذه المحطات لم تكن داخل وعاء احتواء مصمم لاحتواء ومجابهة الحوادث، ولكنه كان مبنى خرسانيا عاديا، يتكون هيكله من أعمدة خرسانية وكمرات خرسانية وحوائط، ولذلك لم تتحمل الحوائط انفجار الهيدروجين وتهدمت وخرجت المواد المشعة للبيئة المحيطة.

 

ثانياً: التأخير فى التنفيذ؛ من ضمن الضربات الموجعة للاستثمار فى محطات الطاقة النووية المتطورة فى أمريكا وأوروبا، كانت: التأخير فى تنفيذ المفاعل الأمريكى المتطور AP1000، مما أدى إلى زيادة التكاليف لأكثر من الضعف. كما أدت الزيادة الكبيرة فى التكاليف والتأخير فى البناء إلى إلغاء تنفيذ مفاعلين جديدين AP1000 فى ساوث كارولينا. وكذا فقد أدى التأخير فى تنفيذ المفاعل الأوروبى المتطور EPR-1600 فى كل من فرنسا وفنلندا إلى زيادة التكاليف لأكثر من الضعف.

التأخير فى تنفيذ المحطات النووية وزيادة التكاليف لم يقتصر على أمريكا وأوروبا فقط، لكنه أصبح فيروساً منتشراً فى مشاريع المحطات النووية على مستوى العالم. ووفقا لقاعدة بيانات الطاقة النووية العالمية، فإن ما يقرب من ثلثى المحطات النووية (أى أكثر من 65% من المحطات) والتى هى قيد الإنشاء حالياً متأخرة فى التنفيذ. ويؤدى التأخير فى تنفيذ المحطة النووية إلى زيادة التكاليف وجعل الطاقة النووية أقل تنافسية مع مصادر توليد الكهرباء الأخرى مثل الغاز الطبيعى والفحم والطاقة المتجددة.

 

ثالثاً: المنافسة مع الغاز الطبيعى والطاقة المتجددة؛ مجال المنافسة يشتمل على العديد من النقاط، منها على سبيل المثال، استخدام الأرض، التأثير على البيئة، تكاليف الإنشاء، معامل السعة، العمر التشغيلى، تكاليف الوقود والصيانة، ثم نصل إلى سعر الكيلوات ساعة المنتج.

حتى الآن لا يمكن المقارنة بين المحطات النووية وبين محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لأن البديل الوحيد لمحطات الوقود الأحفورى والمتمثلة فى الفحم والبترول والغاز الطبيعى لتوليد الكهرباء هى محطات الطاقة النووية، لأن الطاقة الجديدة والمتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح هى طاقة متقطعة، فمحطة الطاقة الشمسية تعمل فقط فترة تواجد الشمس، ومحطات الرياح تعمل فقط فى فترة تواجد الرياح. وبناء على ذلك فالطاقة النووية كمصدر لإنتاج الكهرباء تستطيع تغذية الحمل الأساسى للشبكة، وهذا لا ينطبق على الطاقة المتجددة (شمس ورياح) فهى تعتبر طاقة مكملة وليست بديلة، لأنها طاقة متقطعة، فالطاقة الشمسية وطاقة الرياح لا تصلحان لتغذية الحمل الأساسى للشبكة.

تكنولوجيا المحطات النووية أثبتت جدواها، فهى تستطيع أن توفر طاقة كهربائية مستدامة، فمعامل السعة لها مرتفع، فهى تعمل 92% من عدد ساعات السنة، وهى محطات طاقة خالية من الانبعاثات الضارة للبيئة والإنسان، وكذلك للوفاء بمتطلبات الحمل الأساسى وبأسعار معقولة. بينما محطات الوقود الاحفورى تعمل 65% من عدد ساعات السنة، وينتج عنها انبعاثات ضارة بالبيئة. ومحطات الطاقة المتجددة (شمس ورياح)، تعمل 27% من عدد ساعات السنة، لكنها صديقة للبيئة.

 

حقيقة نجد أن تكاليف إنشاء محطة نووية مرتفعة، لكن فى ظل افتراضات تشغيلية مختلفة ولاعتبارات كثيرة، ومنها على سبيل المثال العمر التشغيلى للمحطة، وتكاليف التشغيل والوقود والصيانة، ومعامل السعة، ومعدل سعر الفائدة، نجد أن سعر الميجاوات ساعة المنتج من محطات توليد الكهرباء، يختلف من دولة لدولة، ومن محطة لمحطة من نفس النوع ونفس القدرة، ويختلف باختلاف نوع المحطة وقدرة المحطة، ويختلف من موقع لموقع، ولذلك نجد أن القيمة المسواة لسعر الميجاوات ساعة المنتج من المحطات سواء التقليدية أو المحطات النووية أو محطات الطاقة المتجددة، ليس ثابتا على مستوى دول العالم.

 

سوف أستعرض قيما لسعر الميجاوات ساعة بالدولار، وهذه القيم من جهات عالمية متخصصة فى اقتصاديات الطاقة، وأنا أستعرضها للاسترشاد فقط، لأن كل محطة توليد ولها ظروفها:

محطات طاقة شمسية كهروضوئية بدون وحدات تخزين كهرباء، سعر الميجاوات ساعة من 29 إلى 42 دولارا، محطات طاقة شمسية حرارية مع وحدات تخزين كهرباء، سعر الميجاوات ساعة من 98 إلى 181 دولارا، محطات طاقة رياح على الشاطئ بدون وحدات تخزين كهرباء، سعر الميجاوات ساعة من 26 إلى 54 دولارا، محطات دورة مركبة غازية، سعر الميجاوات ساعة من 44 إلى 73 دولارا، محطات غازية تعمل ساعة ذروة الأحمال، سعر الميجاوات ساعة من 151 إلى 198 دولارا، محطات فحم، سعر الميجاوات ساعة من 65 إلى 159 دولارا، محطات نووية، سعر الميجاوات ساعة من 112 إلى 189 دولارا.

مع ملاحظة أن أسعار الميجاوات ساعة لمحطات الدورة المركبة الغازية، ومحطات الفحم، والمحطات الغازية التى تعمل ساعة ذروة الأحمال، لا تشمل أسعار عملية تنقية وفصل ثانى أكسيد الكربون من عادم المحطة بواسطة الفلاتر.

 

أما فى حالة حساب متوسط أسعار الميجاوات ساعة، مع الأخذ فى الاعتبار تكاليف تكهين وإزالة المحطة النووية، بعد انتهاء عمرها التشغيلى، وتكاليف التقاط وحجز الكربون الخارج من محطات التوليد التى تعمل بالفحم، نجد الآتى:

متوسط سعر الميجاوات ساعة هو كالآتى: من الطاقة الشمسية 27 دولارا، من طاقة الرياح 25 دولارا، من الفحم 42 دولارا، من الطاقة النووية 29 دولارا، من محطة توليد دورة مركبة تعمل بالغاز الطبيعى 24 دولارا (على أساس سعر الغاز الطبيعى هو 3.45 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، أى لكل 28 متر مكعب من الغاز).

نجد أن المنافسة تنحصر ما بين محطات الطاقة النووية ومحطات الوقود الاحفورى، وخاصة محطات الدورة المركبة التى تعمل بالغاز الطبيعى (الغازية):

  1. المحطات النووية صديقة للبيئة، الغازية ليست صديقة للبيئة.
  2. الوقود النووى متوفر لآلاف السنين، الغاز الطبيعى ليس متجددا وفى سبيله إلى الانتهاء.
  3. تقريبا التغيير السنوى فى سعر الوقود النووى طبيعى، التغير السنوى فى سعر الغاز الطبيعى عشوائى وحاد؛ سعر الميجاوات ساعة من الطاقة النووية 29 دولارا، بينما سعر الميجاوات ساعة من الغازية 24 دولارا، وذلك طبقا لسعر اليوم الذى تم فيه حساب التكاليف، على أساس سعر الغاز الطبيعى كان 3.45 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، واليوم نجد أن السعر هو 3.976 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.

رأيى الشخصى هو، أن التحدى الوحيد الذى يواجه المحطات النووية لتوليد الكهرباء، هو التخزين الدائم للنفايات النووية شديدة الإشعاعية، وذلك بعد مائة عام من التخزين المؤقت داخل الموقع.