الثلاثاء 25 يونيو 2024

المثقف.. والنصف الأسفل للمرأة

مقالات29-12-2021 | 11:52

   في حوارٍ لي مع الروائية سلوى بكر قالت: إن المثقف المصري لم تتجاوز رؤيته للمرأة سوى الجزء الأسفل من جسدها.
 وفور نشر اللقاء الصحفي بمجلتنا العريقة "أدب ونقد" انهالت عليَّ الاتصالات والرسائل، بعضها يشجب كلام الأستاذة، والبعض الآخر يؤكده، بل ويدعمه ويشجعه.
 فقد اتصل بي أحد الأصدقاء مؤكدًا على أن هذا التصريح لا يَمُتُّ للحقيقة بصلة، وأن الهدف منه تحريض النساء على بني جنسنا من الرجال، وقال بلهجة معاتبة: ماكان لك أن تسمح لها بهذا التجني.
  ولم أجد ردًا مناسبًا فآثرتُ الصمت، ثم هدَّأتُ من روعه قائلًا: هذا رأيها، ولك أن تتفق أو تختلف معها ككاتب ومثقف، وفي كل الأحوال سعيدٌ أنا بمكالمتك فهي على العين والرأس.
  وإذا بصديقتي العزيزة جدًا تدخل إليَّ ـــ عبر الماسنجر ـــ وتقول: لقد قرأتُ الحوار كاملًا والأستاذة معها كل الحق، وكلامها صحيح مئة بالمئة.
   قلتُ لها: لا دليل على ما تقولين، ثم...
قاطعتني بحدة: هناك أكثر من دليل، فكثير من الندوات التي أحضرها مع زميلاتي أجد أعين مثقفي الندوة تتفحصنا من أعلى إلى أسفل، و...
وبدوري قاطعتها: ها أنتِ تقولين من أعلى وهو مايعني أنهم يتأملون رأس المرأة بما فيه من لآلئ ودُرر في الفكر والفن والثقافة.
قالت: أنتَ لم تفهم، ومع ذلك لن أجادلك، لقد صرنا في الأمسيات الأدبية نتعرض للتحرش الغزلي ومحاولات الاصطياد من قِبَل هؤلاء المثقفين.
   وسكتت لحظات حتى أني ظننتُ أن "النت" قد فصل، وعادت لتطلق قذيفة من العيار الثقيل لم أتوقعها، فقالت: وعليك ألا تنس، أن مجتمعنا صار الأكثر استهلاكًا للفياجرا وفق تقارير إعلامية.
  وهنا رأيـتُ أن أوقفها عند حدها، فسارعتُ أقول: كلها تقارير كاذبة صيغت لأغراض مجحفة، هدفها النَّيْل منَّا نحن الرجال.
قالت بتحدٍ: بل تقارير صحيحة وصادقة.
   فقلت لها: لقد كنتُ بالأمس في زيارة لصديق صيدلاني، وتطرقنا ـــ مصادفةً ـــ إلى الأمر، فأقرَّ لي بأن ما يشاع عن ارتفاع نسبة استهلاك الفياجرا ليس سوى تزييف للحقائق، وقال: إن لدينا الكثير من هذا العقار بمشتقاته ولا نجد مَنْ يشتري، ومعظم الصيدليات اتصلت بشركات التوزيع بهدف إرجاعه، ثم أشار صديقي ـــ مدللًا على صحة كلامه ــــ وقال: أنظر، هذا إعلان وضعناه في الواجهة، فهل رأيتَ عقارًا رائجًا يتم الإعلان عنه؟
   ونظرتُ إلى "البانر" فإذا بصورةٍ لشابٍ في مقتبل العمر يكشف عن عضلاته في فرحة غامرة، وخلفه فتاة جميلة تبتسم مبتهجة لبواعث لا أعرفها.
  بدت صديقتي العزيزة جدًا تقرأ كلماتي ـــ عبر الماسنجر ــــ بسخرية، ثم أرسلتْ إليَّ وجهًا عابسًا.
  وقبل أن أختم معها جاءني إشعارٌ لرسالة على الواتس مِن أستاذٍ لي يقول فيها: محمود.. ليتك تتوقف عن هذه الحوارات المستفزة.
  ورسالة من هنا، وآخرى من هناك؛ تارة من إمرأة (واللهِ العظيم ياأستاذ الرجَّالة دي عايزة الحرق.. يغوروا في ستين داهية)، وتارة من رجل (تصدق بالله .. مفيش سِت تستاهل حُب الراجل وتضحياته).
  ورأيتُني مُحاصَرًا، وواقعًا في حيرة شديدة، وأتساءل بيني وبين نفسي: ما الذي جعل أصدقائي يلتفتون إلى هذه النقطة بالذات، ويتغاضون عن مواضيع أخرى شديدة الأهمية طرحتَها الأستاذة  خلال الحوار، ولم أجد إجابة شافية.
وحقيقة الأمر أن سلوى بكر كانت تحدثني عن المثقف/ الكاتب الذي يتناول المرأة في كتاباته كجسد، متجاهلًا لذكائها وشخصها وعِلْمها.
 فكَّرتُ كثيرًا في الأسباب وراء هذا الهجوم الذي أصابني وأصاب الكاتبة، وحتى الآن لم أستطع معرفة السبب.