الثلاثاء 16 ابريل 2024

الإرهاب المتأسلم وفكاكه (2-6)

مقالات18-8-2022 | 23:11

لطالما كان يرى البعض أن حل معضلة الإرهاب المتأسلم يكمن فى المزيد من علمنة المجتمعات الإسلامية، فالغرب لم يتقدم إلا عندما تخلص من كهنوت الكنيسة الذى كان ممسكاً بخناق حياته بالعصور الوسطى، فلما لا نسير سيره لنرتقى ونتخلص من مشاكلنا وعلى رأسها ذاك العنف المستند على الدين.

والعلمانية بحسب الدكتور عبدالوهاب المسيرى نوعان، علمانية جزئية يعرفها بأنها رؤية جزئية للواقع تنطبق على عالم السياسة وربما الاقتصاد، وهى التى يعبر عنها كثيراً بفصل الكنيسة )أى المؤسسة الكهنوتية عموماً) عن الدولة بما تشمل من مؤسسات أو طبقاً لتعبير أوسع فصل الدين "وحده" عن الدولة )وتعنى هنا الحياة العامة ببعض نواحيها(.

وعلمانية شاملة يعرّفها بأنها رؤية شاملة للكون بكل مستوياته ومجالاته؛ بمعنى أنها رؤية لا تفصل فقط الدين عن الدولة أوعن بعض جوانب الحياة العامة، إنما تفصل كل القيم الرئيسية الأخلاقية والدينية عن كل جوانب الحياة العامة فى بادئ الأمر ثم عن كل جوانب الحياة الخاصة بمرحلة لاحقة تنتهى لنزع القداسة تماماً عن العالم.

والمعنيان كان لهما حضورهما الدائم بفضائنا المجتمعى منذ زمن ليس بالقصير بإعتبارهما يمثلان رؤية لطبيعة علاقة الإنسان بالكون وخالقه، فكان ومازال من ينادى ويعمل على فصل الإسلام عن السياسة أو من يدعو لإبعاده نهائياً عن مجالنا العام وقصر نشاطه على ما هو شخصى وخاص بل ولتهميشه بشكل نهائى عن دنيانا إن لم يكن تحريرها بالكلية منه.

لكن مع تفاقم الإرهاب المتأسلم لم يعد حضور المعنيين قاصراً على مجرد أنهما رؤية لطريقة تعامل الإنسان مع الكون فقط، وإنما صارا يطرحان كوسيلة ناجزة لمكافحته باعتبارهما يساهمان فى تجفيف منابعه الفكرية أيما كانت صحتها أو خطئها، فمادام الإرهاب هنا يرتكز على الدين فلما لا يكون الحل فى نفيه أو على الأقل إبعاده عن مركز الحياة وربما هوامشها أيضاً.

فبعد تفجيرات سبتمبر 2001 مارست الولايات المتحدة ضغوطاً شديدة بهذا الاتجاه عبرعنها تقرير نشرته مجلة "يو أس نيوز أند وورد ريبوت" بعنوان "قلوب وعقول" جاء فيه "إن حرب الأفكار والعقول هى الأهم على جبهة المواجهة بين العالم الإسلامى وأمريكا ومن ورائها العالم الغربى.. وإن امريكا لها مصالح متصلة بأمنها القومى ليس فيما يحدث داخل العالم الإسلامى وإنما داخل الإسلام ذاته كدين".

وكان تعبير "حرب الأفكار والعقول" قد صكه "بوول وولفويتز" أحد مهندسى الحرب على العراق ونائب وزير الدفاع الأمريكى الأسبق فى عام 2002 حينما قال: "إن معركتنا هى معركة الأفكار ومعركة العقول ولكى نكسب الحرب على الإرهاب لابد من الإنتصار فى ساحة الحرب على الأفكار"، وقد تبنت التعبير من بعده "كواندليزا رايس" ثم أصبح تعبيراً شائعاً بإدرة بوش الابن.

وقد طالت تلك الحرب مناهج الإسلام الثقافية والتعليمية، فأمريكا لم تطالب فقط بتحديثها وإنما دعت أيضاً لمنع تدريس بعض سور وآيات القرآن الكريم تحت زعم أنها تغذى العنف، فاستجاب البعض وقام بحذف آيات الجهاد وإلغاء تدريس سيرة قادة إسلاميين، بينما قام آخرون بتبديل تدريس بعض السور بأخرى كما جرى بإحدى الدول، حيث تم استبدال سورة الحشر بدلاً من الفتح لنفس السبب المزعوم.

وترافق مع تلك الضغوط أو كان من نتيجها أو أحد أدواتها دعوات علمانية محلية تدفع بقوة نحو أقلمة الإسلام والحد من حضوره وتهميش علومه وإلغاء معاهده ومحاصرة أنشطة وميزانيات مؤسساتة وإرباك العاملين بها، وهو ما كان له آثاره الواضحة بواقعنا لاسيما الإعلامى منه سواء المرئى والمكتوب.

وهكذا وتحت شعار محاربة التطرف والإرهاب جرى ويجرى منازعة الإسلام سواء بالعمل على تهميشه أو أقلمته أو التشكيك بثوابته وفروعه، أو بالحث بالكلية على نفى فكرة الدين من الحياة، فالخارجية الأمريكية خصصت قبل أيام نصف مليون دولار لنشر الإلحاد بالبلاد ذات الأغلبية المسلمة، فى واقعة لم تنل ماتستحقه من الدرس والعناية.

وبعيداً عن الشكوك والاتهامات التى يمكن إلصاقها بتلك الضغوط والدعاوى يبقى من الواجب علينا النظر بموضوعية لما حوته من مفردات، بمعنى آخر علينا أن نبحث عن إجابة على مجموعة من التساؤلات من نوعية..هل بالفعل يمكن تهميش الدين من حياتنا أونفيه؟ وايهما أجدى، الولوج لمفاهيمه النقية أم التشكيك فيه وتفكيكه؟ وايهما أنفع، الغاء التعليم الدينى أم تطويره؟ وهذا ماسنحاول توضيحه فيما هو قادم.