الأربعاء 5 اكتوبر 2022

الأراجوز من السينما إلى «عالم ميتافيرس»

مقالات22-9-2022 | 14:27

"أراجوز وشجيع والدنيا ميدان .. فارس حارس واقف ددبان" تلك الكلمات رسمت من خلالها السينما صورة ذهنيه لشخصية الأراجوز، وكأنه شخصية حقيقية تعيش معنا، تحظي بأخلاق الفرسان.

أعشق السينما منذ المرحلة الثانوية، فقد كانت هي العالم الافتراضي لأبناء جيلي، يمكنك القول هي المقابل لـ"عالم ميتا فيرس"، وشاشتها الكبيرة هي ما يعكس حالة المجتمع بمختلف تنوعاته، خلال العام 1989 خرجت علينا السينما بفيلم الأراجوز، للفنان العالمي عمر الشريف والفنانة الجميلة ميرفت أمين، والنجم الراحل هشام سليم، والرائع أحمد خليل، وإخراج المبدع هاني لاشين، شاهدت العمل الفني أكثر من مرة على شاشة السينما ثم التليفزيون لمرات عديدة. 
تلك كانت مرحلة تشكيل الوعي بالنسبة لي، وقصة الفيلم لفتت انتباهي لتراثنا العظيم في فن الأراجوز الذي أدرج فيما بعد خلال العام 2018 على قائمة التراث غير المادي لمنظمة اليونسكو، وبقدر ما تحمل شخصية الأراجوز من سمات تثير الفكاهة بقدر ما كانت تحمل رسائل سياسية واجتماعية، وتقدم نقد لاذع للمجتمع والعقل الجمعي له، وآنذاك كانت كلمات أغاني الفيلم تتردد على ألسنة الجمهور وكأنها الضمير الغائب الذي يستدعيه العامة ليعبر عن آمالهم وأحلامهم.
"ده أراجوز المدارس
دا نوارة المجالس
فارس ولا زيي فارس
أواجه لا أوالس
داري بحالنا ودارس
وعلى جروح روحنا دايس
وهيحكي لنا حكاية
عن واد لايص وحايس
واحكي يا بن المدارس" 
بكلمات الشاعر الكبير سيد حجاب وألحان عمار الشريعي، رسم هاني لاشين صورة عبقرية لذلك الأراجوز الذي لا يملك سوي سلاح السخرية في مواجهة الانحراف، بل يمكنه الانتصار في معركته، حصل الفيلم آنذاك على الجائزة الأولى في مهرجان فالينسيا السينمائي الدولي عام 1989، كذلك جائزة أحسن فيلم من المركز الكاثوليكي المصري عام 1990. 
أكثر من ثلاثة عقود مرت على أول صورة ذهنية ذات تفاصيل واضحة عن شخصية الأراجوز، بينما اليوم أكتب عنها في سياق مختلف هو ذلك العالم الافتراضي والميتافيرس. 
لست مغرما بذلك العالم الافتراضي، لكن من المتابعين له كونه ينقل لنا تطورات متسارعة من مختلف أنحاء البسيطة وفي عدة مستويات سياسية واقتصادية واجتماعية، ومنذ فترة ليست ببعيدة بدأت ألحظ ظهور شخصية "الأراجوز"، لكن بصورة مختلفة عن تلك التي تناولتها السينما وشهدها الشارع خلال عروض الأراجوز. 
هناك من يخرج من خلف شاشات الهواتف الذكية ليقدم وجهة نظر في قضايا الجريمة التي تحمل صبغة قضايا الرأي العام بحجة كشف الحقيقة وكأنه تحول لمحقق يلعب دور أجهزة التحقيق، وتتكون على إثر ذلك مجموعات وصفحات على منصات التواصل الاجتماعي، ينتج عنها صراعات، وتراشقًا لفظيًا، وأحيانا أصوات يعف القلم عن وصفها، ثم اتهامات بالنصب والبحث عن الشهرة، بل الأهم هو الحصول على أرباح من تلك المنصات، وهنا تختفي كل القيم والمعايير الأخلاقية، وتظهر صورة آخرى من "الأراجوز" الباحث عن الثراء. 
لا تتوقف صورة "الأراجوز" الجديدة عند ذلك الحد، بل تجد البعض، يظهر لك من خلف تلك الشاشات مقدما مشاهد تمثليه ومحتوي يحمل قصص مثيرة عن علاقات عاطفية تصل إلى غرف النوم مستخدما ألفاظ تخدش حياء المتلقي، وتكتشف أن مقدمي ذلك المحتوى هم أسرة قبل فيها الأب والأخ بظهور الأم والأخت بمظهر مثير من أجل حفنة من الدولارات. 
حالة "الأراجوز" الجديدة تحظى بحجم مشاهدات مرتفعة للغاية، وهو ما يؤشر على ضعف صناع المحتوي الخبري والإعلامي الجاد في عالمنا الافتراضي الجديد، علينا أن ندرك أن "الأراجوز" الجديد لا يعبر عن العقل الجمعي للمجتمع لكنه يعيد تشكيل عقل أجيال جديدة، تتراجع قيمة العلم والعمل لدي شريحة ليست بصغيرة منها، بل يتغير محيطاها الثقافي ونسق القيم في وجدنها.
إن غياب المعرفة والثقافة الجادة أخطر ما يواجه المجتمعات ويمكن أن يهدمها من الداخل، ففي "عصر الميتافيرس" لا يمكن منع تداول المحتوى، لكن صناعة المحتوى الجاد الصادق هو السبيل الوحيد لمواجهة الخطر، ما نشهده اليوم هو الوجه الآخر للمخدرات التي تغيب العقل فيصبح الإنسان بلا إرادة يمكنه ارتكاب كافة الأفعال الإجرامية دون وازع أو رادع من ضمير. 
نحن في حاجة إلى إعادة النظر فيما نقدم من المحتوى الصحفي، معايير بناء ذلك المحتوى وإعادة جسور الثقة من جديد مع المتلقي، وفي الشكل الذي يقدم به ذلك المحتوى، فطبيعة المتلقي تغيرت لم يعد في انتظار قراءة خبر مجرد حدث في اليوم السابق على نشره، فقد اتصل علمه بالحدث فور وقعه عبر شاشة الهاتف الذكي، وتفاعل مثل غيره مع الخبر بالتعليق والتحليل، لكن الفارق الذي يجعله يبحث عن منصات الأخبار هو جسر الثقة والقدرة على التعبير عنه. 
                                      

مطار القاهرة2