الإثنين 17 يونيو 2024

مدخلان جديدان لاستشراف صحافة المستقبل

مقالات12-12-2022 | 15:52

ساعدت تقنيات الذكاء الاصطناعي فى تقديم مفهومٍ متطور في مجال الإعلام يُعرف اليوم بـ "صحافة الذكاء الاصطناعي" Artificial Intelligence  Journalism أو "صحافة الروبوت"  Robot Journalismوالتي من المحتمل أن تقود إلى تحولاتٍ كبيرة في بنية المؤسسات الإعلامية وطرق عملها، كما يُتوقع أن تُمثل الصحافة المستعينة بأنظمة الذكاء الاصطناعي حالةً فريدة في جمع الأخبار وكتابتها بعيدًا عن الجهد البشرى، خاصة أن الذكاء الاصطناعي يعمد إلى محاكاة السلوك الإنساني من خلال فهمه وتحويله إلى برامج حاسوبية لديها القدرة على اتخاذ قرارات والبحث عن حلول لمشاكل معينة عن طريق توصيفها والاستدلال عليها من خلال المعلومات التي غُذي الحاسوب بها.

 

ويمكن تعريف صحافة الذكاء الاصطناعي بأنها: "حقبة جديدة من الإعلام تتضافر مع تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، وتخلق أدواتٍ إعلامية جديدة، وتصيغ محتوى إعلامي أكثر تأثيرًا، وتحافظ على تنوع الجمهور وتلبي طموحاته، وتصنع قنوات لتبادل الآراء وردود الأفعال بصورة تفاعلية مستمرة على مدار 24 ساعة".

ولا شك أن تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته والتطورات التي يشهدها العالم في هذا القطاع ستقود إلى ثورة تقنية في قدرة وسائل الإعلام على التأثير ومخاطبة الجمهور وتشكيل الرأي العام، مما يتطلب من مختلف وسائل الإعلام العربية، الاستعداد مبكرا لهذا الأمر، الذي سيضاعف من التنافسية والسباق المحموم للريادة إعلاميًا على مستوى الشرق الأوسط والعالم. لأن تطبيقات الذكاء الاصطناعي ستوفر لوسائل الإعلام أدواتٍ أكثر ذكاءً وتقدمًا وسرعة في نقل الخبر إلى المتلقي وتفاعل الأشخاص مع ذلك.

وقد بدا واضحًا فى السنوات الأخيرة أن الأتمتة اخترقت بقوة المؤسسات الإخبارية العالمية ونجحت في إنتاج آلاف القصص الإخبارية دون تدخل بشري بدءًا من جمع المعلومات وتصنيفها ومن ثم تحريرها ونشرها، خاصة في المجالات الرياضية والمالية بالإضافة إلى أحوال الطقس، ومن المتوقع أن تتوسع لتشمل مجالات التغطية الإخبارية كافة.

وحتى الآن، يبدو أن استخدامات الذكاء الاصطناعي في الصحافة، حسب التجارب العالمية القائمة، يشمل خمس مهمات أساسية:

إنتاج الأخبار القصيرة بشكل آلي في الموضوعات المعتمدة على البيانات الإحصائية.

تتبع الأخبار العاجلة وتنبيه الصحفيين بالمعلومات الجديدة ذات الصلة بموضوع ما.

إجراء بحث بشكل أسرع وأدق، وربط المعلومات بسرعة وكفاءة، وتحويلها إلى أشكال بيانية.

التصحيح الإملائي والنحوي والأسلوبي للغة بشكل تلقائي.

فحص الحقائق بشكل سريع وموثوق، واكتشاف الأخبار الزائفة، مثل الخوارزميات التي بدأ فيسبوك باستعمالها من أجل التخلص من الأخبار الزائفة.

وبرغم مخاوف البعض من قيام المؤسسات الصحفية بالتخلي عن العنصر البشري لصالح الروبوت، إلا أن عديدًا من الدراسات أكدت أن التوجه نحو استخدام البرمجيات في العمل الصحفي، لا يستهدف الاستغناء عن الصحفيين، ولكنه فرصة لتحريرهم من عمليات إنتاج التقارير الروتينية، مما يوفر لهم مزيدًا من الوقت للقيام بالمهام المعقدة والتصدي للقضايا المهمة، والتى تحتاج إلى  مزيد من التركيز  والاستقصاء والتحليل.

في هذا الإطار تتحدد مشكلة الدراسة التي أقوم بالإشراف عليها لتلميذتي دينا طارق محمود المدرس المساعد بقسم الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة فى دراسة كيفية توظيف الصحافة المستعينة بأنظمة الذكاء الاصطناعى فى مصر والاستفادة منها فى تطوير بيئة العمل الصحفي، وما يترتب على ذلك من تغييرات جوهرية في مستقبل العملية الصحفية سواء من حيث بنائها، والمسئوليات المنوطة بعناصرها، والأدوار التي من الممكن القيام بها، إلى جانب تأثيراتها على اللغة الصحفية والإعلامية، وكذلك رصد أهم مميزات وعيوب تطبيق صحافة الذكاء الاصطناعى بالإضافة إلى الفرص التى تخلقها والتحديات التى ستواجها فى المؤسسات الصحفية المصرية.

وعلى جانب آخر تهتم الدراسة برصد  تأثير استخدام الروبوت على وظائف الصحفيين الحاليين، والتعرف على الأدوار المنوط بالصحفيين القيام بها، وأهم المهارات التى يجب إتقانها للتكيف مع بيئة العمل الجديدة، وتحقيق التكامل بين الصحفي والبرمجيات من أجل تحسين جودة العمل.

 

كما تهتم الدراسة بالاستفادة من رؤية مجموعة من الخبراء (الأكاديميين والممارسين) فى وضع مجموعة من السيناريوهات المستقبلية للصحافة المصرية فى ظل التطورات التى تفرضها الصحافة المستعينة بأنظمة الذكاء الاصطناعي، وهو ما يتيح فرصة لرسم ملامح مستقبل الصحافة المصرية مع بدء استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى فى العمل الصحفى والتى ستساعد فى تغيير بيئة العمل ومواكبة التطورات فى غرف الأخبار العالمية والتأثير بشكل كبير على الصحفيين والمضمون المقدم.

وقد شق الذكاء الاصطناعي طريقه إلى صالات التحرير الصحفي قبل عدة أعوام عندما أعلنت وكالة "أسوشيتدبرس", بالتعاون مع صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، ابتكار أول محرر روبوت مختص بتحرير أخبار الطقس، ونشرة المرور على الطرق السريعة٬ وتطبيق“Quil”  الذي يكتب التقارير السنوية لكل من مجلة "فوربس"، و"إيريكا" مذيعة الأخبار اليابانية، والمذيع الروبوت الملقب بـ "المذيع التراكبي" في الصين الذي يحاكي "جان جاو" المذيع الحقيقي في وكالة أنباء "شينخوا"، و"روزي" الأداة البرمجية التي تحلل طلبات الإنفاق لكل عضو من أعضاء الكونجرس الأمريكي، الأمر الذي شكَّل نقطة تحول كبيرة في عالم الإعلام, ومن المرجح أن يقدم لنا تحديات أخلاقية غير مسبوقة تاريخيًا.

وفي أبريل ٢٠١٧, نشرت وكالة أسوشيتدبرس تقريرًا بعنوان "تأثير الذكاء الاصطناعي في الصحافة" تحدثت فيه عن ترسخ ما أطلقت عليه "الصحافة المعززة" Augmented Journalism، وفي التقرير يذكر فرانسيسكو ماركوني، مدير التطوير والاستراتيجية بالوكالة، "إن مستقبل الأخبار سوف يعتمد على عمل الصحفيين جنبًا إلى جنب مع الآلات الذكية", ربما يتطلب هذا من المؤسسات الصحفية الاستعانة بعلماء اللسانيات والبرمجيات ومطوري البرمجيات والتطبيقات الذكية؛ لكي تصمد أمام طوفان الذكاء الاصطناعي. ويشير مصطلح "الصحافة المعززة" إلى أنه بات من الصعب الفصل بين الواقع والشبكات الاجتماعية وتطبيقات الهواتف الذكية, حيث أصبح كل ذلك يندرج تحت مسمى حقيقة مدمجة Compact Reality؛ لذا بات على القائم بالاتصال أن يطور من مهاراته في الاستعانة بوسائل التكنولوجيا الحديثة؛ فهناك تقنية توليد النصوص Text Generation، التي تستهدف صنع نصوص مكتوبة من معلومات أولية, كالبيانات الجرافيكية والصور البيانية وغيرها، ويعطي موقع "ستاسشيت" الأميركي للإعلام الرياضي نموذجًا للصحافة التي تعتمد على الأساليب المؤتمتة الذكية لصنع مواد صحفية بصورة آلية كليًا.

وقد شاع استخدام الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية إلى الحد الذي دفع الباحثين, في معهد مستقبل الإنسانية في جامعتي أوكسفورد البريطانية وييل الأمريكية, إلى إجراء استبيان شمل ٣٥٢ عالمًا من علماء الكمبيوتر, دار حول تنبؤاتهم حول التقدم الذي يمكن أن يصل إليه الذكاء الاصطناعي خلال النصف قرن المقبل, وكانت النتيجة صادمة؛ إذ اتفقت الأغلبية على أن الذكاء الاصطناعي سيتفوق على البشر، وسيتمكن من أداء المهام البشرية.

وتتمثَّل التجربة البارزة لاستخدام الخوارزميات, في العمل الإعلامي في مصر, في تجربة مجموعة مواقع "سرمدي"، وهي بوابة فنية ترفيهية٬ يقول عنها جورج صبري رئيس تحرير المجموعة: "إن بوابة أخبار الترفيه العربية قدمت لمستخدميها أداةً جديدةً تتيح للمستخدم معرفة مواعيد أكثر من مائة برنامج من ثلاثين قناة في المنطقة العربية؛ وذلك بهدف تقديم متابعة تلفزيونية أسهل، لذا أطلقت أول "بوت"(bot)  لدليل التلفزيون في رمضان، عبر "تويتر", وهو عبارة عن تطبيق ذكي يتيح خاصية الرد التلقائي على أوامر معينة عبر الإنترنت؛ فعند استعلام المستخدم عن مسلسل معين, يزوده "البوت" بمواعيد عرضه، ومعلومات عن طاقم العمل، وعند اختيار المستخدم لطاقم العمل على سبيل المثال، يحصل على قائمة بأسماء الممثلين في المسلسل، بالإضافة إلى روابط إلى حساباتهم الخاصة على "تويتر"، ويتم ذلك من دون جهد وفي أقل من الثانية؛ مما أسهم في زيادة عدد المشتركين على صفحة الموقع على "تويتر" بنسبة 50%، وزيادة نسب تصفح الموقع بنحو ١٣٠٪.

في هذا الإطار جاءت الدراسة المهمة للدكتورة بسنت عطية المدرس بكلية الإعلام واللغة بالأكاديمية العربية للنقل البحري بالإسكندرية، والتي استهدفت التعرف على مدى تقبل القائمين بالاتصال في مصر لاستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الإعلام.

وتحدثت د. بسنت عن استخدامات تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الإعلام؛ حيث ذكرت  ليزا جبس, مسئولة إستراتيجية الذكاء الاصطناعي في وكالة أسوشيتدبرس, في منتدى الإعلام العربي بدبي ٢٠١٨: "إن الذكاء الاصطناعي يحمل كثيرًا من التطوير لعالم الصحافة والإعلام على صعيد الكم والكيف، حيث يمكن استخدامه لإنتاج كم هائل من القصص الإخبارية، مقارنةً بما تنتجه وكالات الأنباء، من خلال تحويل البيانات والأرقام إلى نصوص، وكذلك تحويل النصوص إلى فيديوهات تلخص الحدث، كما يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لعمل قوالب متعددة تعالج نفس الخبر من جوانب متعددة، كعمل تغريدات وعناوين، وتلخيص مختصر للقصة الخبرية، وكتابة نُبذة عن أبطال الحدث، مشيرة إلى دخول الذكاء الاصطناعي بقوة في عالم الترجمة من خلال ترجمة الفيديوهات والنصوص إلى أكثر من لغة، وإنتاجها بوسائط متعددة لتناسب كافة المنصات والأجهزة الذكية، ومساعدة الصحفيين في التعرف على أسماء المسئولين من خلال تقنيات التعرف عبر الصور".

وهناك منصات إخبارية عريقة أخرى تعمل على مشروعات تقنية متقدمة لتطوير عملية استخراج المحتوى الإخباري وكتابة القصص والأخبار الصحفية، مثل "واشنطن بوست" التي طورت مفهوم الصحافة الآلية، ومنصة "سي إن إن" التي تستخدم نظام "شات بوت" أو "الدردشة الآلية" لإرسال تقرير يومي للحسابات في "فيسبوك ماسنجر" عن أهم الأخبار المهمة بناء على اهتمام الجمهور، كذلك تقوم صحيفة "الجارديان" بالشيء نفسه، أما صحيفة "نيويورك تايمز" فهى تعمل أيضًا على تقليص عمليات بناء القصص الصحفية والأخبار عبر مشروع محررEditor)) الذي يقوم على تحليل المحتوى وفهمه عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وبشكلٍ عام, يمكن تقسيم وظائف الذكاء الاصطناعي في الإعلام إلى خمس وظائف أساسية, هى استخراج البيانات وتحسين البحث، واختيار الموضوعات وشخصنة تجربة المستخدم، وفهم ردود الفعل البشرية وتعليقات الجمهور، وكتابة النصوص الإخبارية، ومكافحة الأخبار الزائفة.