الجمعة 14 يونيو 2024

مدخلان جديدان لاستشراف صحافة المستقبل (2)

مقالات19-12-2022 | 22:59

تناولنا في المقال السابق تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تطوير العمل الصحفي، وفي هذا المقال نتناول تبني الصحافة لمفهوم "الإعلام العابر للوسائط والوسائل.

يعدّ مفهوم "الإعلام المتقاطع" Cross-Media أحد المفاهيم حديثة الظهور داخل غُرف الأخبار في كثيرٍ من المؤسسات الصحفية على مستوى العالم، والتي كان ظهورها كإحدى تبعات التطورات التكنولوجية المتلاحقة والمتسارعة في الوقت ذاته، وهم ما أدى إلى طرح التساؤلات المهمة حول طريقة إنتاج المحتوى الصحفي ونشره عبر المنصّات الإعلامية المختلفة، والتفكير في أساليب جديدة لإعداد المحتوى وتقديمه للمستخدمين، وخصوصًا بعدما تحول هؤلاء المستخدمون بفعل التحولات الرقمية من مجرد متلقين للمحتوى الإعلامي إلى محور أساسي وفاعل في العملية الإعلامية برمّتها، ومن ثمّ لم يعد التنافس الآن بين المؤسسات الصحفية على السبق الصحفي، بل أصبح الأمر يتعلق أكثر بطرق جذب الشريحة الأكبر من المستخدمين وزيادة نسبة تفاعلهم مع المحتوى الصحفي المعروض على المنصات الإلكترونية لهذه المؤسسات.

فقد حمل الاندماج الإعلامي تأثيرًا على استخدام الأفراد لوسائل الإعلام واستهلاكهم للأخبار، وهى التطورات التي دفعت لمراجعة الكثير من الأُطر النظرية المفسرة لعلاقة المتلقي بالوسيلة الإعلامية، ومن ثم اتجهت المؤسسات الإعلامية للاعتماد على الإنتاج والتوزيع والعرض العابر للوسائل Cross media Production، ما يدفع المستخدمين للتكيف مع ذلك وتكوين خليط من المحتوى من وسائل مختلفة يبنون من خلالها بيئاتهم الإعلامية الخاصة العابرة للوسائل أيضًا.

وبناءً على ذلك، فإن استخدام تقنية "الإعلام المتقاطع" فى عرض المحتوى الصحفي لم يعد من باب الترف أو الرفاهية بالنسبة للمؤسسات الصحفية، بل إنه أصبح أداةً مهمة تستعين بها هذه المؤسسات لمواكبة التحولات المطردة في أساليب إنتاج المحتوى الصحفي في غُرف الأخبار العالمية.

في هذا الإطار، جاءت الدراسة المهمة للباحث حسين محمد ربيع مدرس الصحافة بالمعهد الدولي العالي للإعلام بأكاديمية الشروق المعنونة: "التوجهات الحديثة في تقديم المضمون الصحفي بالمواقع الإلكترونية المصرية: دراسة حالة لاستخدام تقنية الإعلام المتقاطع Cross-media في إنتاج القصص الصحفية المدفوعة بالبيانات".

يُطلق مفهوم الإعلام المتقاطع Cross Media على ِنِتَاجٍ معين أو على خدمة تمزج معطيات النص والصوت والصورة الفوتوغرافية والفيديو والإنفوجراف والرسوم والصور المتحركة، ويتجاوز هذا التعبير مجرد التعدد في استخدام الوسائط إلى فكرة الدمج بين هذه الوسائط وتكاملها بشكل يحقق جذب المتلقين ويدفعهم للتعرض للمحتوى الإعلامي المقدم في هذه الرسائل الاتصالية، بالإضافة إلى إسهامها في بناء المعنى المراد توصيله إلى هؤلاء المتلقين.

ويُنظر إلى مصطلح "الإعلام المتقاطع" عادةً على أنه استخدام الوسائط التقليدية على نحو متبادل بطريقة مبتكرة، وهو عبارة عن أداة اتصال بما في ذلك قصة تشجعك على التبديل من وسيط إلى آخر والعودة، والنتيجة هي قيمة مضافة للمفهوم؛ حيث يمكن زيادة عمق القصة الخبرية وجعلها مثيرة للاهتمام.

والإعلام المتقاطع هو ببساطة عملية تواصل وتعاون لإنتاج الخبر وغيره من الفنون الصحفية، ثم المشاركة في نشر المحتوى على عدة منصات إخبارية بطريقة متكاملة كي تصل لمختلف القراء والمشاهدين.

ومن المفاهيم المتعددة للإعلام المتقاطع يتضح أنه يتضمن جانبين على قدر من الأهمية، الجانب الأول هو عملية إنتاج المحتوى الصحفي والتي تبدأ من الفكرة التي يقدمها المحرر الصحفي مرورًا بجمع المعلومات من مختلف المصادر وتنظيمها، وإجراء المقابلات، وتصوير الفيديو، والتقاط الصور الفوتوغرافية، وتحرير الصوت والفيديو، وانتهاءً بكتابة القصة الصحفية تمهيًدًا للنشر، أما الجانب الآخر فيتعلق بطريقة عرض المحتوى عبر المنصات الإعلامية المتنوعة بشكل يحقق التكامل بحيث يصبح من الصعب الاستغناء عن إحداها، وعملية عرض المحتوى تحتاج إلى عناية كبيرة من قبل غرفة الأخبار لأن الإخفاق في اختيار الطريقة الأنسب لعرض المحتوى قد تدمر المحتوى ذاته.