الثلاثاء 27 فبراير 2024

آخر كوبين من شاي المساء!

مقالات1-2-2023 | 10:28

ألا يمكن ونحن على مشارف النهايات أن تكون تلك اللحظات أكثر رضاً؛ فنغادر تعلونا البسمة، ولا حرج في أن تختلط بسمات من حولنا ببعض الدموع ...! كثيراً ما يتردد ذلك في صدري...!! ولكن هيهات لهذي الشعوب الشرقية المتخمة بالعواطف ألا تستثمر لوحة التراجيديا التي ترافق تلك اللحظات، وتحيلها موسماً بكائياً، وكلما تمر على الخاطر أبيات العراقي الرائد "بدر شاكر السياب" من قصيدة ( ليلة وداع ) إلا وتتزاحم الدموع، دونما قدرةٍ على التماسك، فلأدعها تخرج تريح الصدر، وتمتزج حال تمتمة الشفتين بهذي الأحرف الناضحةِ حسرةً وعجزاً ...!!، وقد كتبها في لياليه الأخيرة حيث تكاثرت عليه الأمراض واعتصرته قبضة الغربة مخاطباً فيها زوجته الوفية : "أوصدي الباب.... فدنيا لسْتِ فيها ليس تستأهل من عينيَ نظرةْ..!

 سوف تمضين وأبقى ... أيَّ حسرةْ ....!! أتمنى لك ألا تعرفيها ..!!!  هل هناك كلماتٌ تستطيع أن تستوعب هذا الحزن الدافق والشجن الحارق... "السياب" يطلب منها عند انتهاء الزيارة في مشفاه أن تغلق باب الغرفة.. فما قيمة أن تنفتح أمامك كل نوافذ الكون ولا تكتحل عيناك بمرأى حبيبتك؟!!! فكيف إذا اجتمعت معاناة الفراق ومعاناة النزف المستمر من داء السل وهشاشة الساقين إنه الاستسلام ولا شيء سواه !! وهو في كل ذلك لا يريد لها المرور بهذا معرفةً أو معاناةً !!!                         

ولأن المبدع الكبير "أمل دنقل" عايش تجربةً أليمة ً مثل تجربة "السياب"؛ فقد عانى من إصابته بالسرطان الذي هاجمه بكل ضراوة، وأثمرت هذه التجربة المرّةُ ديوانا متفردا "أوراق الغرفة 8"، وتأتي قصيدة "الورقة الأخيرة - الجنوبي" التي كتبها أثناء احتجازه للعلاج ورأت النور في فبراير عام 1983؛ لتشكل رؤيا الختام والمعزوفة الأخيرة للرائع "أمل دنقل" في عالم الشعر والإبداع، ليقدم لنا فيها رؤيا مغايرة للموت وتختلف عن كل تجارب معاصريه من الشعراء، ولعل تفرُّد رؤيا شاعرنا يكمن في أنه لا تَرِدُ مفردة "الموت" صريحة في القصيدة؛ بل إنها مشاهد مسترجعة من أيام الصبا والطفولة...!! مشاهد  تعلوها أردية الحزن والحنين لزمنٍ لن يعود، وذكرياتٍ لن ترجع، لذا فهو حريصٌ في آخر ما كتب من قصائد أن يَشْبع وهو النهم إلى استعادة كل ذكريات الطفل ، لم يكن الموت عند أمل دنقل ذلك الشبح المرعب ، ولا العالَم الذي يملأ النفس هلعأً ، بل هو زائرٌ مُرَحبٌ بقدومه ، وضيفٌ منتظرٌ، به ستنتهي رحلةُ عذابٍ طويلةٌ ، أوصلتْ الشاعر حدَّ التهيؤ لاستقبال الختام ، يقول في أحد مقاطعها: 

أو كان الصبي أنا ...؟! أم تُرى كان غيري ...؟!
أحدِّق.... لكنَّ تلك الملامح ذات العذوبة لا تنتمي الآن لي ..!
العيون التي تترقرق بالطيبة ...الآن لا تنتمي لي ...! صرْتُ غريباً

إن الشاعر يبدو عليه الارتباك كلما رأي حجم التحولات الجسدية التي أصابته من هزالٍ أو ضعفٍ ، رغم أنه لم يزل في سن الشباب؛ فالملامح لم تعد عذبة، والعيون لم تعد تترقرق بالطيبة، ليأتي الهتاف الأخير "صرت غريباً" معبراً عن المرارة ، ولا يري حرجاً في تلهفه للرحيل ؛ فالموتُ المخلِّصُ من مأساته ...!                           

والمدهش أن ما طرحته من تساؤلٍ في بدء المقال أسلمني إلى نصٍ جميلٍ للشاعر التنزاني "أيو فراز كيزيلاهابي" بعنوان (شاي المساء) يتماس مع طرْح الوقوف على مشارف السفر بابتسامة والمغادرة، تقوم القصيدة على ثلاثة مشاهد: أولها رجل وزوجته يحتسيان شاي المساء في الشرفة والأطفال تتأرجح كما فعل الزوجان كثيرا يتناوبان ذلك بسعادة بالغة لكن الشعور بدنو الرحيل يراه الشاعر في هذا الحبل الرفيع ويالجمال التهيؤ (وما هي إلا بضعة خيوطٍ .. ونسقط !!) وثانيها استعراض سريع لدورة حياة توشك أن تكتمل بكل الرضا باحتساء كوب الشاي حتى "الثفل" مع ذكريات الحبيبين في انتقاء أمتن غصنٍ ليكون حجر الزواية لاستكمال الحياة معا وبذكاء بديع استصحاب صفة الوفاء بمصاحبة الكلب "سيمبا " ، وثالثها المغادرة بهدوء بعد التأكد من نظافة كوبينا ..بساطة وجمال لكن قد يختلف ذلك عن الخروج المأساوي للسياب وأمل دنقل ... و قد يكون استصحاب الحبيبين لبعضيهما في رحلة الأبدية يمنح الثقة والأُنْس ... ولنضع في الاعتبار تعدُّد الرؤى يمنح الشعر ثراءه ... فهيا بنا إلي قصيدة ( شاي المساء ) والتنزاني "إيوفراز كيزيلاهابي":                                                                                                                               

* * * 

حين نحتسي الشاي في الشرفة ونحن نرقب أطفالنا مبتهجين يتأرجحون ...!  ندرك أن حبلنا صار رفيعا وما هي إلا بضعةُ خيوطٍ ونسقط  تارةً كنت تدفعينني إلى الأعلى قاطعا أكثر من نصف دائرة .. وتارةً كنت أُمسك بك كلما أوشكت على السقوط ...! 

 وتارةً كننا نتناوب الأمر ... ضحكنا كثيراً من آمالنا الشاهقة ... ومن ثَمَّ دلفنا إلى الداخل لنعدَّ طعام الغداء ... هيا بنا نرتشف شاي المساء حتى "الثفل" ولا نلفظه بل نبتسم  ولنلعق الحلاوة من شفاهنا ونحن نتذكر أول يومٍ حين التقينا تحت شجرة مانجو باحثين عن فرع متين نعلق فيه أرجوحتنا بينما الكلب "سيمبا" في انتظارنا ..     ولكن قبل أن نغادر بكل هدوء..لاستكمال النصف المتبقي من الدائرة .. دعينا نتأكد من نظافة كوبينا !