الإثنين 17 يونيو 2024

كيف عبر الطهطاوى عن متغيرات أمة؟

مقالات10-8-2023 | 19:08

● لم يكتف الطهطاوى بالمهمة الرسمية المكلف بها فى فرنسا، بل تعلم الفرنسية، ونهل من كتب الأدب بها، وحاول ممارسة فن الترجمة عن الفرنسية ﺇلى العربية
● اتسمت أشعار الطهطاوى بروح الوطنية والانتماء وهو ما عبر عنه بكلمات وروح لم تكن شائعة فى عصره من الرقة والوطنية حتى كان يقال إنه صاحب العبارة (حب الوطن من الإيمان)

هناك من الشخصيات ما يمكن أن نعتبرهم أوجزوا حالة أمة بأكملها من الناحية الثقافية والتاريخية، من هؤلاء الأعلام عبد الرحمن الكواكبى والشيخ محمد عبده وعبد الرحمن الجبرتي وأيضا رفاعة رافع الطهطاوى وغيرهم.. ليبقى السؤال: كيف يجىء الفرد الناضج هذا بشخصه وعلمه وشخصيته كي يفرض على الواقع المعاش جديدا يحتذى به ويعتبر.
ولد رفاعة بمدينة طهطا محافظة سوهاج عام 1801م.. وهو التاريخ الذى توافق مع العديد من الظواهر والصراعات في البلاد، منها: غروب قبضة المماليك على البلاد.. غزوة نابليون والحملة الفرنسية.. ثم اعتلاء محمد على مقعد الحكم واعتلاء القلعة.
رفاعة والتعلم ..
وبعيدا عن تلك الأحوال العامة كان هناك الطفل النابغة "رفاعة" بالأزهر سنة ١٨١٧، فيلفت الانتباه ويعرفه شيوخه بالشاب المجتهد الذكي، حتى تولى مسئولية تلقين الدروس للطلبه بعد سنتين فقط من التحاقه بالأزهر ليصبح أصغر الشيوخ المعلمين.
ولما كان محمد على فى القلعة يسعى ببناء مصر جديدة حتى تتشكل دولة بالمعنى الحديث فى زمنه، تولى وجهة النظر التي تتبنى التوجه ﺇلى بلدان أوروبا والأخذ بأسباب التقدم الذي هم عليه، وبالتالي الاستفادة من العلوم التى يدرسونها لطلابهم.  
ففى عام 1862م كانت أول البعثات إلى فرتسا، وعلى رأسها الشيخ الشاب "رفاعه" بهدف تقديم النصح واﻹرشاد الدينى وإمامة الصلوات لجماعة الطلبة الشباب وقد افتحت أمامهم أبواب عالم مختلف في أعرافه ورؤاه ومجمل أفكاره.. حتى لا تأخذهم تلك الحياة الجديدة بعيدا عن الهدف الذى سافروا من أجله وهو تحصيل  العلم الحديث في الطب والهندسة والطب البيطرى وفنون الزراعة وغيرها.
.. كانت الفترة التى عاشها الشيخ رفاعة في فرنسا فترة ثرية وإيجابية تماما، فلم يكتف بالمهمة الرسمية المكلف بها، بل تعلم الفرنسية، ونهل من كتب الأدب بها، وحاول ممارسة فن الترجمة عن الفرنسية ﺇلى العربية.
لعل أكثر ما توقف أمامه كل من قرأ عن الشيخ العلامة "رفاعة الطهطاوى" تلك القدرة على التكيف وعدم الانبهار الكاذب بكل ما هو غربى (خصوصا خلال تلك الفترة المبكرة التى كان فيها الغرب هو عالم من الأحلام كما عبرت عن ذلك كتابات أدبية لبعض من مارس تجربة السفر والتعلم في أوروبا.
كان الرفاعى على العكس، زاد تمسكا بما هو معضد لهويته ووطنيته وتهذيب ما يمكن تهذيبه، فقد عاد إلى وطنه صحيح العقيدة، سليم الوجدان، عاد وقد وقر في وجدانه العمل على خدمة البلاد، وذلك عن طريق لا يخيب بل تأثيره يتراكم ويزداد قيمة بمرور السنين.. هو طريق العلم، وهو الطريق الذى أخلص له لأكثر من أربعين سنة (حتى وفاته فى عهد الخديو ﺇسماعيل عام 1801م)
 لقد أنشأ عام 1836م ذلك المعهد المؤسسة التعليمية الراسخة "مدرسة الألسن"، التى أصبحت وﺇلى اليوم هى النافذة العلمية على الغرب الأوروبي بالتعرف على مجمل آدابه وتاريخه وأفكاره، وهي نفسها المدرسة التى كانت بذرة رواج فن الترجمة من اللغات الأخرى ﺇلى العربية وبالعكس، وتخرج فيها حتى اليوم الآلاف من الدارسين والمترجمين والمثقفين أولا وأخيرا.
رفاعة الشاعر والأديب..
يعد رفاعة رافع الطهطاور رائدا فى عصره للعلوم والآداب.. كما اتسمت أشعاره بروح الوطنية والانتماء وهو ما عبر عنه بكلمات وروح لم تكن شائعة فى عصره من الرقة والوطنية حتى كان يقال أنه صاحب العبارة (حب الوطن من الإيمان).. ويذكر عنه أنه كتب قصيدة شهيرة له فى حب الوطن أثناء وجوده بفرنسا يقول فيها:
 (ناح الحمامُ على غصون البانِ.. فأباح شيمةَ مُغرَمٍ وَلهانِ)
(هذا لعمرى إن فيها سادةً.. قد زُيِّنوا بالحسن والإحسانِ/
يا أيها الخافى عليك فخارها.. فإليك أن الشاهد الحسنانِ/
ولئن حلفتُ بأن مصر لَجَنةٌ.. وقطوفها للفائزين دوانِ/
والنيل كوثرها الشهى شرابه.. َأبرُّ كلَّ البر فى أيمانى)
.. إنك لتلمح أيضًا عظمة الجيش المصرى من قول رفاعة فى قصيدة أخرى يُخاطِب فيها الجنود:
(يا أيها الجنودُ.. والقادة الأُسودُ
إنْ أمَّكم حسودُ.. يعود هامى المَدمعِ
فكم لكُم حروبُ.. بنصركم تئوبُ
لم تَثنِكم خُطوبُ.. ولا اقتحامُ مَعمعِ)
تعد تلك القصائد التعبير الشعرى المتسق مع جملة أفكار ورؤى الشيخ، تلك التي تعبر ايضا عن متغيرات العصر، حيث كانت نزعة محمد على نحو الانفصال ولو جزئيا من الممالك العثمانية والتطلع ﺇلى حضارة الغرب.. كما عبر جهد رفاعة الأدبى والثقافي لترسيخ جملة مفاهيم الدولة الحديثة التى سعى إليها محمد على أيضا، وهو ما تمثل في ﺇدارته للمواقع الثقافية التى ترأسها باﻹضافة ﺇلى رعايته لمدرسة الألسن وتزكية دورها.
أهم كتاب لرفاعة الطهطاوى
(تخليص الإبريز في تلخيص باريز)
انتهى من هذا الكتاب قبل عودته ﺇلى مصر، لعله رؤية رفاعة للمجتمع الجديد عليه وعلى مجموعة الطلبة المصريين.. ولم يكن منبهرا بتلك الحضارة الغربية قدر تطلعه ﺇلى أن نأخذ بما أخذوا به من علم حتى ننهض مثلهم.. ولم يكن الكاتب خشن الكلمات والعبارة بل كان أحيانا يمزح ويتوقف أمام العجيب والغريب هناك.. وتنتهى ﺇلى منهج متعقل يتلخص فى الأخذ بما هو صالح وعدم النظر فيما هو طالح عندهم.
خاتمة
يذكر لرفاعة رافع الطهطاوى اعتزازه بفكرة الحرية والديمقراطية ويرجو أن تتحقق فى بلاده، باﻹضافة إلى كونه ومع كل ما نشر مترجما، كتب تحت اسمه (ترجمه عن الفرنسية) ولم يدع التأليف ولذلك فهو بحق رائد الترجمة فى مصر والعالم العربى.