الثلاثاء 16 ابريل 2024

المسافةُ.. صفْر!!

مقالات10-11-2023 | 01:15

لم يكن الصفْرُ يعني شيئاً قبل"الخوارزمي" لكن عبقريته الفذة  تفنَّنتْ في إعطائه قيمةً ، حيث صار عدداً مُضاعِفاً للعشرة، فحقَّق بذلك منازل العشرات والمئات والألوف..إلخ، أو بمعنى أكثر بساطةً وشيوعاً استجدَّتْ على الأعداد العربية خاناتُ الآحاد والعشرات والمئات والألوف ... إلخ، ولقد شقَّ الصفر طريقه إلى أوروبا بعد الفتح الإسلامي للأندلس، إذ تمّ تطويره على يد العالِم الإيطالي"فيبوناتشي"الذي استنار بمؤلفات"الخوارزمي"في ذلك، واكتسب الصفر شهرةً واسعةً بين التجار الإيطاليين والمصرفيين الألمان، وبعد الكثير من الإقرار بأهميته أو التشكيك في جدواه، لايجد التجار والعلماء الأوروبيون مناصاً من استخدامه بشكل واسع، حيث أدخله العالِمان"إسحاق نيوتن" و"غوتفريد لايبنتز"إلى علم التفاضل والتكامل الذي بُنيتْ عليه العديد من العلوم الأُخرى كالفيزياء والهندسة، وغيرها ؛ ليصبح الصفر اليوم مفهوماً مألوفاً متداولاً وواحداً من أعظم الإنجازات ممّا ساهم في تقدُّم الحضارة البشرية، وتتحوَّل ترجمته اللاتينية (زيفروس) إلى (زيفرو) بالإيطالية ؛ لتضع مدينة البندقيّة بَصْمَتَها الخاصةَ عليه لتُصبح كلمة (زيرو) بالإنجليزية المُستخدمة حالياً .

ولم يَدُرْ ببال "الخوارزمي"أن مصطلح الصفر سيحلِّق بعيداً عن عالم الرياضيات، ويدخل في تركيبات لغوية توحي بالفشل والخيبة؛فقد استخدم العرب تركيب (صِفْر اليدين) كنايةً عن خلوّ اليدين تماما، فلو قلنا :جاء فلان صِفْر اليدين لأدرك المستمع أنه لا يحمل شيئا،أجلْ. لقد صار تعبيراً بلاغيّاً يجرى مَجْرَى الأمثال والحِكَم، وفي ذلك يقول الشاعر"أحمد محرم"أحد أعلام الكلاسيكية (صفرتْ يدي مما ملكْتَ وملؤها/مجدٌ تصاب به الملوك وتنكب) أي أن يدي خاليةٌ مما تملك أنت من عَرَضٍ زائل لكنها مملوءةٌ بمجْدٍ تهفو إليه الملوك، وأيضا يقول"جبران خليل جبران":(فتبيت صفرَ يدٍ وكنت مليها/وتذوق كل مرارة الإقتار) للدلالة على تمام تحوُّل الحال من الغنى إلى شدة الإقتار.

وقد طبَّق العرب معنى"المسافة صفر"ليعطوا الصفر مفهوماً مغايراً للخيبة والفشل فنراهم يفخرون ببراعتهم في نزال السيوف يقول"عمرو بن كلثوم": (نُطاعنُ ما تَراخَى الناسُ عنا/ونضربُ بالسيوف إذا غُشِينا) وفى غزوة اليرموك أوشك الروم أن يفتكوا بالمسلمين فقد تجاوزوا مائتين وعشرين ألف مقاتلٍ وجيش المسلمين حوالي أربعين ألف مقاتلٍ فقام عكرمة بتناول سيفه وكَسْرِ غمده وصاح فى المسلمين : "أيها المسلمون من يبايع على الموت؟".فتقدم إليه أربعمائة فدائى من المسلمين ليكوِّنوا كتيبة الموت،اتجه خالد بن الوليد رضى الله عنه إلى عكرمة محاولاً منعه فرد عليه عكرمة "إليك عنى يا خالد فلقد كانت لك مع رسول الله سابقةٌ أما أنا وأبى فكنا أشدَّ الناس على رسول الله فدعنى أكفِّر عن ماسلف منى، ويُستشهَد عكرمة ورفاقه بعدما تعرض لبِضْعٍٍ وسبعين طعنةً ورميةً وضربة..!!                                                 

 وتتلقَّف العلوم العسكرية الحديثة هذا التركيب البديع عندما طبَّقتْه قوات المشاة الميكانيكية المصرية في نصْر أكتوبر في مواجهة مدرعات إسرائيل ويُشْتهَر لدينا صائدو الدبابات أمثال"محمد عبد العاطي و محمد المصري وإبراهيم عبد العال" لقد اشتبكوا مع المدرعات الإسرائيلية من المسافة صفر لتؤسس مفهوماً جديداً لم يكن مُتَخيَّلاً يقوم على مواجهة جندي المشاة المسلَّح بقذائف الآر.بي.جي للمدرعة وتفجيرها دون خوفٍ مؤمناً بعدالة قضيته وشرعية قتاله ، ولم تَعِ إسرائيلُ الدرس إلى اليوم  حينما تتوهم أنها بأقوى مدرعة في العالم تستطيع مواجهة المقاومة الفلسطينية التي تقاتل وخيارها الوحيد الشهادة،وإلا فما معنى أن يكون الجندي الإسرائيلي مُدجَّجاً بالعتاد دونما يتمكَّن من إطلاق رصاصةٍ واحدةٍ ؟!!أو يتمكَّن من الهروب أو الدفاع عن نفسه بما أوتي من عتاد ؟!! بل يُجَرَّد .. ويتم قتْلُه من مسافة صفر بل أقل ، لانه بكل بساطةٍ لا يملك الارض أو المبادئ التي أوهموه بها . إن"طوفان الأقصى"معركةٌ مفصليةٌ أظهرتْ بوضوحٍ أن تحصينات العدو أشبه ببيت العنكبوت ، ورغم فداحة الخسائر إلا أن للاستقلال ضريبتَه من الدماء الذكيَّة التي لن تضيع هدرا ، لقد سقطت الأقنعة عن الجميع...!! فلا يمكن التعويل على ضمير العالم أو المؤسسات الدولية التي تتغنَّى بحقوق الإنسان ... ليأتي الختام هادراً درويشياً من قصيدة محمود درويش "مديح الظل العالي ...!!":                     سقط القناع عن القناع عن القناع
لا إخوة لك يا أخي ... لا أصدقاء يا صديقي ... لا قلاع 
لا الماء عندك لا الدواء ولا السماء 
ولا الدماء..ولا الشراع..ولا الأمام..ولا الوراء
حاصرْ حصارَك لا مفر
سقطتْ ذراعَك...فالتقطْها
واضربْ عدوَّك لا مفر
وسقطتُ قربَك فالتقطْني
واضرب عدوَّك بي فأنت الآن حر
قتلاك أو جرحاك فيك ذخيرةٌ..فاضرب بها..اضرب عدوك لا مفر
حاصر حصارك بالجنون، وبالجنون
ذهب الذين تحبهم..ذهبوا فإما أن تكون..أو لا تكون
سقط القناع عن القناع ..!!