الخميس 25 يوليو 2024

فشل الهجوم المضاد الأوكراني مسئولية من؟

مقالات9-12-2023 | 14:42

على خلفية الحرب فى غزة واتجاه الولايات المتحدة وحلفاءها بكامل طاقتهم لدعم إسرائيل، ورفض مجلس النواب الأمريكي الأغلبية الجمهورية الموافقة على المعونة العسكرية لأوكرانيا وربط الأمر بأمور داخلية تتعلق بالهجرة للولايات المتحدة والحدود الجنوبية مع المكسيك، ووقوع القوات الأوكرانية فى مأزق وتحول القوات الروسية، التى كان من المفترض أن تكون معرضة للهجوم المضاد الأوكراني، إلى الهجوم فى أفدييفكا ومارينكا وباخموت من جديد لإتمام السيطرة عليهما، بل وشددت من هجومها فى مناطق كان قد انسحبت منها فى خاركوف.

ماذا حدث هل يدفع الأمريكيون الرئيس الأوكراني إلى التفاوض بأي ثمن، أم أنها مناورات سياسية وأن الدعم الأمريكي لأوكرانيا سيستمر، خاصة وأن الجمهوريين فى مجلس النواب يربطون بين مسألة دعم أوكرانيا وقضايا الهجرة على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة والهجرة بصفة عامة، رغم عدم علاقة القضيتين ببعضهما، الأمر الذى دفع الرئيس بايدن للتصريح بأن مسألة الهجرة وإغلاق الحدود الجنوبية يمكن التفاهم عليها، وأشار إلى أن هزيمة أوكرانيا سوف تخل بالنظام العالمي، وان المسألة تتعلق بالنظام الدولي والأمن في أوروبا، إضافة إلى أن الولايات المتحدة والناتو خرجوا من أفغانستان بهزيمة مخزية، وها هم فى أوكرانيا واستجدت حماس، ويتوقع بعض المراقبين أزمات أخرى فى كوريا الجنوبية أو الفلبين، بل حدثت أزمة جديدة فى الحديقة الخلفية للولايات المتحدة عندما أعلن الرئيس الفنزويلي عن ضمه لأراض من جويانا المستعمرة البريطانية السابقة، مما يهدد بفتح بؤرة صراع جديدة هذه المرة ليست ببعيدة عن الولايات المتحدة نفسها.

وعندما تشتد الأزمات أو تحدث الهزائم عادة ما تكشف الأسرار وكل طرف من أطراف الحلفاء يلقى باللوم على الطرف الآخر ويحمله المسئولية عن الفشل وبعد حديث القائد العام للجيش الأوكرانى فاليرى زالوجنى عن فشل الهجوم الأوكرانى المضاد وتحول الحرب إلى حرب مواقع وجبهات وهذا فى صالح روسيا وكما قال زالوجنى، هاهى صحيفة "الواشنطن بوست" الأمريكية تنشر مقالاً هاماً عن الهجوم المضاد الأوكرانى وأشارت إلى أن الهجوم الذى تم التخطيط له "لم ينفذ وفق التخطيط على الإطلاق". حاولت الصحيفة شرح أسباب عدم تحقيق القوات الأوكرانية للأهداف التى وضعتها وقالت إن السبب الرئيس لذلك هو الخلاف بين أوكرانيا والولايات المتحدة حول قدرة أوكرانيا على استعادة الأراضى التى سيطرت عليها روسيا حتى الآن.

فى الجزء الأول من التحقيق الصحفى اعتمد صحفيو الواشنطن بوست على شهادات العشرات من المسئولين الأوكران والأمريكيين والأوروبيين، بالإضافة إلى أكثر من 20 ضابط من المقاتلين فى الصفوف الأمامية فى أوكرانيا، فى البداية تحدث الصحفيون الذين أعدوا التحقيق عن حجم مشاركة الولايات المتحدة فى التخطيط للهجوم المضاد وعن العناصر التى كان لها تأثير فى المحصلة النهائية لهذا الهجوم، الذى كانت تعلق أوكرانيا عليه آمالاً عريضة. وفى الجزء الثانى من التحقيق الصحفى تم تكريسه لوصف العمليات العسكرية التى دارت فى الصيف والخريف الماضيين، واتساع هوة الخلاف بين واشنطن وكييف حول إدارة العمليات العسكرية.

يقول التحقيق إن الخبراء الأمريكيين والبريطانيين والأوكران قاموا بعمل 8 "ألعاب عسكرية" محاكاة لاحتمالات تطور الأحداث على أرض المعركة أثناء الهجوم المضاد، عن طريق الحاسوب أو أحياناً الخرائط العادية كما قالت الصحيفة، وأشارت إلى أن المسئولين الأوكران كانوا يأملون تكرار النجاح الذى حققوه فى خريف 2022، عندما حرروا جزء من خاركوف وخيرسون وكانت لديهم رغبة فى الهجوم فى عدة اتجاهات، لكن المسئولين الغربيين (ما أكدته المحاكاة الاليكترونية) أنه من الأفضل لأوكرانيا أن تركز على قوتها فى هدف استراتيجى واحد ـ هجوم مكثف فى المناطق التى تسيطر عليها القوات الروسية وعلى وجه التحديد فى المنطقة المؤدية لبحر الآزوف لقطع الطريق البرى بين روسيا والقرم. وكان السيناريو المتفائل جداً أن تتمكن أوكرانيا من تحقيق ذلك خلال فترة تتراوح ما بين 60 إلى 90 يوم، كما أن المحاكاة كانت تفترض خسائر جسيمة للقوات الأوكرانية من 30 ـ 40% من المعدات والجنود.

الجانب الأوكرانى اعترض على تصور الأمريكيين فيما يتعلق بالوصول لبحر الآزوف، وقال أحد القادة الأوكران المشاركين فى التخطيد للهجوم المضاد "أنا أدرك أنكم تريدون بشدة فعل ذلك (قطع الطريق بين روسيا والقرم) لكن هذا لن ينجح"، فى نفس الوقت اعترف الجانب الأمريكى الرسمى بصعوبة تقبل الجانب الأوكرانى لاستراتيجية تتوقع حدوث خسائر جسيمة، فى نفس الوقت كان المسئولون الأوكران يرون الوضع على الأرض مختلف تماماً.

كان البنتاجون يرغب فى أن يبدأ الهجوم الأوكرانى المضاد فى منتصف أبريل، لكى لا تعطى أوكرانيا القوات الروسية فرصة لبناء تحصينات فى الأراضى التى تسيطر عليها ـ وفق التحقيق الصحفى للواشنطن بوست ـ لكن الأوكران تباطأوا بدعوى احتياجهم لمزيد من السلاح والاستعداد، وأحد الأسباب التى أكدوا عليها أنهم سيتركون يحاربون وحدهم، فى حين أنه ولا دولة من دول الناتو تستطيع الحرب هكذا دون غطاء جوى، وطالبوا بتقديم طائرات حديثة لهم.

وتقول الواشنطن بوست، حددوا لنا تواريخ، تواريخ كثيرة (لبدء الهجوم المضاد) كما يقول مسئول كبير فى الحكومة الأمريكية، فى المحصلة كان الهجوم المضاد يتأجل.  لكن وفق رواية الجانب الأوكرانى أن سبب التأجيل كان له عدة أسباب منها تأخر وصول المعدات العسكرية، أو وصولها غير صالحة للعمليات العسكرية، لكن فى واشنطن ينفون ذلك ويقولون أنهم (الأوكران) حصلوا على كل ما وعدناهم به فى الميعاد المحدد، كما قال مسئول أمريكى كبير، لدرجة أنه فى بعض الأحيان لم تستطع أوكرانيا فك أغلفة المعدات الضرورية التى حصلت عليها للهجوم المضاد، وأبقتها كاحتياطى أو سلمتها لقوات لا تشارك فى الهجوم المضاد.

أصيب الأمريكيون وحلفاؤهم الأوروبيون بخيبة أمل وشعروا أنهم لا يحصلون على كل المعلومات، من الممكن أن يكون الأوكران قد فزعوا من كثرة جنودهم القتلى؟ يتساءل المشاركون فى التحقيق الصحفى، أو ربما أعاق الأمور الخلافات داخل القيادة الأوكرانية نفسها أو مشاكل عند القيادة العسكرية؟ فى المحصلة بدأ الهجوم الأوكرانى المضاد فى النصف الأول من يونيو، ومن البداية لم يسر حسب الخطة الموضوعة، ووفق الواشنطن بوست فى اليوم الرابع لبدء الهجوم كان من الواضح أن الأوكران رفضوا الخطة التى وضعت على مدى شهور عديدة، والتى تم إعدادها بالاشتراك مع الولايات المتحدة، وتوقف الهجوم الأوكرانى عملياً.

كانت القوات الأوكرانية تتوقع أن تتمكن من تخطى حقول الألغام التى زرعتها القوات الروسية على مدار أكثر من عام، لكنهم كانوا مندهشين للغاية من كثافة هذه الألغام، الأرض كانت مزروعة بالألغام كما يقول تحقيق الصحيفة الأمريكية، فقد تدرب العسكريون الأوكران على قيادة الدبابات فى ألمانيا على طرق معبدة نسبياً، لكن فى زابوروجيا كانت الأمور مختلفة حيث الأرض رخوة، كانوا يسيرون عبر ممر ضيق تم تطهيره من الألغام من قوات متقدمة. لكن الأهم من ذلك وفق التحقيق الصحفى الأمريكى أن 70% من جنود إحدى المجموعات الأوكرانية التى تقوم بالهجوم المضاد كانوا مزودين بأحدث أسلحة غربية، لكنهم لم يكن لديهم الخبرة القتالية.

فى المحصلة النهائية بدلاً من أن تنطلق القوات الأوكرانية لمسافة 14 كم فى أول يوم من الهجوم المضاد، كما كانت مخططاً، تقدم الأوكران لمسافة 32 كم خلال 6 أشهر، وقاموا بتحرير عدة قرى كما تشير الواشنطن بوست. فى الوقت الذى استخدمت فيه روسيا جيش من المسيرات التى لا يزيد ثمن الواحدة منها عن 1000 دولار، لكنها كانت تستطيع إخراج دبابة قيمتها عدة ملايين من الدولارات من الخدمة، على خلاف ذخيرة المدفعية، التى سواء للجيش الروسى أو الأوكرانى كان يمكن أن تحل محلها المسيرات الانتحارية التى تستخدم لمرة واحدة لإصابة عدد غير كبير من المشاة، سواء فى الخنادق أو أثناء التحرك.

كان الأمريكيون الذين وضعوا خطة الهجوم المضاد يخشون ألا يوجه الأوكران عدد كبير من القوات فى اتجاه الجنوب لتحقيق الإنطلاق والإختراق المأمول. وكان الأمريكيون أثناء التشاور فى فترة العمليات مصممين على أنه لقيام الجيش الأوكرانى بالحركة للأمام عليه أن يركز أكبر عدد من القوات فى نقطة واحدة. فى رده على هذا عدد قائد الجيش الأوكرانى فاليرى زالوجنى المشاكل التى يعانى منها أولا: عدم وجود غطاء جوى ثانياً: كثافة حقول الألغام والقوات الروسية التى تحصنت، وناورت باحتياطياتها لغلق الثغرات.

وتنقل الصحيفة عن لقاء بين سكرتير عام الناتو والرئيس الأوكرانى زيلينسكى عندما سأل الأول لماذ ترسل أوكرانيا جل قواتها فى اتجاه الشرق وليس الجنوب، كان رد الرئيس الأوكرانى لأن روسيا إذا فقدت الشرق فقد خسرت الحرب. باختصار تبادل الطرفان الأمريكى والأوكرانى الاتهامات وحمل كل منهم الآخر المسئولية عن فشل الهجوم المضاد، الجانب الأمريكى اتهم نظرائه الأوكران بأنهم لم يستطيعوا لم يتمكنوا من فهم قواعد التكتيك العسكرى، بما فى ذلك عدم استخدام الاستطلاع الأرضى لتحديد مدى كثافة حقول الألغام. بينما يرى الأوكران أن الجانب الأمريكى على ما يبدو لا يدركون كم غيرت المسيرات الضاربة غيرت الوضع على أرض المعركة.

ترى الصحيفة فى نهاية التحقيق الصحفي أن الهجوم المضاد دخل فى حالة جمود وأن الحرب تحولت إلى حرب تحرك تدريجي بطئ. أوكرانيا استعادت حوالى 520 كم مربع، بتكلفة باهظة للغاية عبارة عن آلاف القتلى والجرحى، ومليارات الدولارات من المساعدات العسكرية الغربية فى عام 2023.