الثلاثاء 25 يونيو 2024

البرلمان المصري.. سنوات ما بعد ثورة يوليو

مقالات16-1-2024 | 14:47

  • الديمقراطية  كتوجه سياسي لا غبار عليها، ولكن ينبغي أن تُقام على أُسس سليمة، وتنطلق من قواعد راسخة وقوية، فلا يمكن أن تُمَارس في ظل غياب وعي شعبي أو أمية منتشرة
  •  كان العروبيون يرون أن الوحدة بين مصر وسوريا ليست سوى نواةٍ أولى لوحدة عربية شاملة، تنهي الوجود الإسرائيلي اللقيط في المنطقة، وتحيل العرب إلى قوة عظمى

 

في عام 1957 تأسس البرلمان المصري الأول (مجلس الأمة) بعد ثورة يوليو 1952، برئاسة أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة (عبداللطيف البغدادي)، الذي يُعَد أشهر من تولى رئاسة المجلس بجانب زميله محمد أنور السادات الذي تصدر المنصب خلال فترتين منفصلتين في الستينيات.
والبرلمان – بصفة عامةً – يمثل السلطة التشريعية  للدولة، ومنوط به إقرار السياسة العامة للدولة، ومنوطٌ به وضع خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والموازنة العامة، ومن اختصاصاته – أيضًا – ممارسة الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية.
وقد تمتع البرلمان بحق ممارسة الحرية تحت قبته، وعرْض قضايا الناس ومشاكلهم بهدف السعي – من قِبَل الحكومة - إلى إيجاد حلول تناسب كل مكونات الشعب المصرى دون تمييز، إلا أن المرحلة التي تلت ثورة يوليو بدت مفصلية في تاريخنا الحديث، حيث أعداء الداخل من الإقطاعيين الذين رأوا في الثورة هدمًا لمستقبلهم وكيانهم فعملوا – طيلة الوقت - على مجابهتها، بالإضافة إلى أصحاب التوجه الأيديولوجي من إخوان وشيوعيين، وغيرهم.
وهم في ذلك استثمروا المناخ الديمقراطي آنذاك والمتمثل في أحد مبادئ الثورة (إقامة حياة ديمقراطية سليمة).
وإذا جاز لنا أن نتوقف أمام هذه المسألة فينبغي أن نقول: إن الديمقراطية – كتوجه سياسي – لا غبار عليها، ولكن – في ذات الوقت – ينبغي أن تُقام على أُسس سليمة، وتنطلق من قواعد راسخة وقوية، فلا يمكن أن تُمَارس في ظل غياب وعي شعبي أو أمية منتشرة، كذلك من الصعب أن تسود في ظل أعداءٍ - في الداخل - يتربصون بالوطن، ويعملون على تقويض إنجازاته خدمةً لمصالحهم الضيقة على حساب المصالح العليا للبلاد.
لقد رأينا التيارات التي أضيرت بفعل الثورة تحاول إجهاضها، وتناصب قياداتِها العداء وتتمرد على أي قرارٍ يصدُر، لذلك لم يرحبوا بمجلس الأمة حين أُنشِئ، ووجدنا الإخوان المسلمين يتحايلون بُغية الإطاحة بالنظام الوليد، وكذلك الشيوعيون الذين عارضوا ناصر الزعيم بدايةَ الأمرِ، وكل هذه القوى (الإقطاعيين، الإخوان، الشيوعيين) أحجموا عن خوض الانتخابات البرلمانية، ومن تقدم منهم لم يكن هدفه سليمًا ولا نواياه طيبة.
ولا يغيب عنا التحدي الكبير والمتمثل في وجود احتلالٍ بريطاني لمصر، وتحَكُّمه في سيادة البلاد ومقدراتها، الأمر الذي يتطلب ضرورة العمل على إنهاء هذا الاحتلال بشكلٍ كامل.
الوضع – إذن – لم يكن سهلًا أو يسيرًا، فقد صار لمصر عدو جديد؛ ألا وهو الكيان الصهيوني الذي تواجد بالجوار قبل سنواتٍ قليلة من يوليو، ليصبح تواجده فوق الأرض العربية يمثل خطرًا لا يمكن التقليل منه أو التهاون بشأنه؛ وهو الخطر الذي أصبح يهدد كل بقاعنا العربية، فالأهداف لهذا العدو الجديد مُعلَنة؛ ومتمثلة في الحلم الواهم (إسرائيل من النيل إلى الفرات)، بالإضافة إلى نواياها الخبيثة نحو التوسع والاستيلاء على مساحاتٍ أخرى من الأراضي الفلسطينية، وهؤلاء الصهاينة يعلمون علم اليقين أن أكثر ما يهدد وجودهم هي جارتهم في الجنوب (مصر)، من أجل ذلك تربصوا بها؛ وشاركوا في الاعتداء عليها عام 1956 بجانب فرنسا وإنجلترا، وانتهزوا فرصة مساندة ناصر العكسرية لحركات التحرر في دولنا العربية وفي بعض الدول الإفريقية، وإرساله لقواتٍ كبيرة إلى اليمن لينقضُّوا على مصر فجر الخامس من حزيران الحزين 1967 ليلحقوا بنا هزيمةً لم تكن في الحُسبان.
في ظل هذه المشاهد الضبابية؛ كان من المنطقي تأجيل تفعيل أحد مبادئ يوليو المهمة (إقامة حياة ديمقراطية سليمة)، فهناك ماهو الأهم، كالبناء والتنمية ودعم الطبقات الفقيرة والمعدومة ومحدودة الدخل، وجَعْل التعليم لهؤلاء مجانًا ودون أدنى مقابل، مع الحفاظ على التوازن بين الأجور والأسعار؛ كي لا يُثقَل كاهل البسطاء من الناس.
ورغم كل ما حققته الثورة من إنجازات إلا أن المتربصين بها لم يخمدوا، فراح الإقطاعيون يشوهون تلك الإنجازات، ويصمون ناصر بأسوأ الصفات، ويهونون من حجم النجاحات، ويتهكمون عليه متهمين إياه بضعف قدرته على إدارة شؤون البلاد.
أما تنظيم الإخوان، فقد تآمر على النظام القائم ليُكوِّن سيد قطب تنظيمًا مسلحًا من الشباب الذين غرر بهم، متخذًا من الدين متكأً له؛ في محاولةٍ منه لإسقاط عبدالناصر والثورة وما تحقق من آمالٍ غير مشرقة عريضة.
في خضم كل ذلك كان البرلمان المصري يمارس مهمامه من أجل الشعب، وكانت الوحدة مع سوريا حلمًا بعيد المنال، إلا أنه تحقق لتكتمل فرحةٌ لم تصمد طويلًا في مواجهة التآمر على هذه الوحدة، ليتم إجهاضها وتنتهي قبل من عامين.
وخلال فترة الوحدة بين مصر وسوريا، كان لابد من برلمان جديد يضم نوابًا عن البلدين، فكان إلغاء دستور 1956 ، ليصدر دستور مؤقت للجمهورية العربية المتحدة فى مارس سنة 1958 ، ويتشكل على أساسه مجلس أمة مشترك من المعينين (400 عضو من مصر و 200 عضو من سوريا) وعُقِدَ أول اجتماع فى 21 من يوليو 1960 ليستمر حتى 22 يونيه عام 1961.
والحق يُقال أن هذا المجلس يكان يسوده روح التعاون والود، ورأى كلُ أعضائه - المصريون والسوريون - ضرورة العمل على تطويره لصالح الوحدة الوليدة، لكن في خضم هذه الأجواء المبهجة كان هناك – في الخفاء – من يعمل على إزالتها ومحوها وقد نجح.
لقد كان العروبيون يرون أن هذه الوحدة ليست سوى نواةٍ أولى لوحدة عربية شاملة، تنهي الوجود الإسرائيلي اللقيط في المنطقة، وتحيل العرب إلى قوة عظمى تجابه كل من يريد النيل منها ومن سيادتها ومقدراتها.
ثمَّة مرارة سكنت في الحلوق على خلفية الانفصال المُدوِّي عن سوريا الحبيبة، لكن الأمور – في مصر - لم تتوقف والمسيرة لم تتضعف، ففى مارس 1964 صدر دستورٌ مؤقت آخر، تم على أساسه إنشاء مجلس الأمة من 350 عضوا منتخباً، نصفهم على الأقل من العمال والفلاحين، وهو يُعَد انعكاسًا لقوانين يوليو 1961 الاشتراكية، إضافة إلى عشرة نواب يعينهم رئيس الجمهورية.
ويبدو من النص الدستوري الخاص بمجلس الأمة انحيازه لعامة الشعب الكادح (نصفهم على الأقل من العُمَّال والفلاحين)، حرصًا على المكاسب التي تحققت على يد الثورة وقادتها.
إننا حين نتحدث عن برلماننا في سنوات ما بعد الثورة، لابد للحديث أن يأتي في سياق كل التحديات – الداخلية والخارجية – التي ذكرناها من قبل، ومن الضرورة أن نعرف أن أولى مبادئ السياسة أنها (فن الممكن)، وليست فن المستحيل، لذا فإن قرارات القادة السياسيين، هذا فقد حرص الكثير من الساسة على النأي بأنفسهم عن الوقوع في فخاخ التعسف والعاطفة التي قد تؤدي إلى ارتكاب أخطاء يصعب معالجتها، خاصةً في ما يتعلق بالشأن الخارجي.
إن العقلانية والخُطى المحسوبة والمدروسة، ووضع القرارات في سياقها المحلي والدولي من شأنه تعبيد الأفكار والرؤى لصالح كل الوطن، وهو ما يجب على نواب الشعب - في كل وقت وحين - مراعاته ودعمه، والالتفاف حول المصالح العليا للوطن.

 

الاكثر قراءة