الثلاثاء 25 يونيو 2024

تَدَبُّر في بسطة النعم وبساطة الحياة

مقالات17-1-2024 | 11:42

تراقصنا الدنيا في ساحات المواقف والأزمنة وتختبر ضمائرنا وسرائرنا، وتلاعب أعصابنا صعوداً وهبوطاً، وتداعب مشاعرنا أقصى اليمين وأقصى اليسار، ونتظاهر وكأننا لا نعلم أنه طبع الحياة، وكأنه لم تسبقنا حياوات أخرى على نفس النهج والمنوال، بفارق الأزمنة والظروف التي قد تبدو في ظاهرها متناقضة، لكن في باطنها الكل يسير في خطوط متوازية ومتساوية تماماً كما الأرزاق.

والكل على هذا النهج يمضي في طريقه لا يدرك البدايات ولا يعلم النهايات، لكنه يسير في اتجاهات متشابكة ودروب معقدة، يأمل الخلاص في نهاية المطاف دون تدبر حذر للخطوات، فلا يسعد بفرص الطريق ذاته ومتعة السعي الذي يعقبه الفرج، تماماً كما خطى السيدة هاجر المصرية التي يسير على نهجها ملايين المسلمين في الأراضي المقدسة.

الشاهد في هذا الأمر هو ذواتنا (ذواتا الأفنان)، التي قيل في معناها أنها ظل الأغصان على الحيطان، وقيل أنها ذواتا ألوان، وهي ذاتها نفوسنا صاحبة الِأشكال والتفاصيل المختلفة والمتغيرة غير الثابتة على حال أو وضعية، تأتينا من دبر فتنقذنا من تحت أكتافنا من التمادي في الغرق، وتحتضننا من دبر فتمسح عنا كل مسحة حزن وكسرة للخواطر.

بساطة العيش والتباسط مع البشر تمنحنا البسطة في الشعور بالنعم "فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" مقبلون مدبرون غير آبهون بالمحيطات المؤلمة، آخذون بالأسباب وفرص السعي المستمر، مهما كانت تلك الأنفاق المظلمة نخوضها منفردون.

   فهكذا هي كل الاختبارات، بدءً من اختبارات كل مراحل التعليم، وانتهاء بما سنرحل عليه، ففي نهاية الأمر ستخوض اختبارك التعليمي منفرداً، وستتألم وحدك، وتدخل أنبوب الآشعة وحدك، وتخوض جراحاتك وحدك، وتدخل إلى اختبار القدرات بشخصك، وستتقدم لاختبار العمل بمفردك، وتقود سيارتك بنفسك، وتسير في كل دروب الحياة متخذاً قراراتك ومعطياً إجاباتك وحدك، حتى ما إذا حان اللقاء، حضرت للقاء الخالق وحدك.

   مجمل أعمالك هو ما سيحدد مصيرك الأبدي بميزان عدل رحيم، لا معايير فيه للمحسوبيات ولا الأسبقيات ولا المناصب ولا خزائن الأرض ولو ملئت بمثلها ذهباً، فلا يبقى غير خزينة الأعمال التي سبقت كل امرىء في دنياه إلى رحلته الأخيرة.

    "وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ" أي عَلِمَ الله ما تؤول إليه أحوالهم، فقدّر لهم ما هو أصلح لهم، وأقرب إلى جمع شملهم، فيفقر ويغني، ويمنع ويعطي، ويقبض ويبسط، كما توجبه الحكمة الربانية، ولو أغناهم جميعًا لبغوا، ولو أفقرهم لهلكوا.

   سيروا في الأرض تدبراً لا تبترا