الخميس 25 يوليو 2024

الاقتصاد الروسي فى العام الجديد 2024

مقالات21-1-2024 | 19:24

المجمع العسكرى الصناعى هو قاطرة الاقتصاد الروسى فى الأزمة الحالية

رغم العقوبات الرئيس بوتين يعلن أن الاقتصاد الروسى يحتل المركز الخامس عالميا والأول أوروبياً

نظرة الغرب لمستقبل الاقتصاد الروسى متشائمة ... لكن الخبراء الروس يرون غير ذلك

إعداد للحزمة 13 من العقوبات يدل على أن الاقتصاد الروسى لم يتأثر كثيراً

مما لا شك فيه أن الاقتصاد الروسى صمد صمود لم يكن حتى أكثر الخبراء تفاؤلاً يتوقع أن يصمده، خاصة مع العقوبات الغربية الغير مسبوقة التى فرضت على روسيا ليس الآن فقط ومع العملية العسكرية فى أوكرانيا ولكن منذ عام 2014، عندما استعادت روسيا شبه جزيرة القرم.

ففى منتصف ديسمبر من العام الماضى، قامت إدارة مراقبة الأصول لدى وزارة المالية الأمريكية من جديد بتوسيع قائمة العقوبات على روسيا، هذه المرة طالت العقوبات 200 شركة ومواطن روسى، ضمت القائمة عدد من رجال الأعمال الروس المعروفين وبعض المصانع العسكرية الضخمة، والطريف أنه ضمن قائمة المصانع التى فرضت عليها عقوبات مصنع "تامبوف" لإنتاج الخبز قد يعتقد البعض أن المصنع أصابته العقوبات بدعوى أنه يقوم بتوريد خبز للعسكريين الروس، لكن، لا، فقد تبين أن مصنع الخبز يقوم بتجميع طائرات مسيرة إلى جانب مهمته الرئيسية فى إنتاج الخبز. وكما تقول إدارة الرقابة التابعة لوزارة المالية الأمريكية إن خمسة من العاملين الذين يقومون بإصلاح معدات وآلات المصنع بالإضافة لعملهم يقومون بتجميع طائرات مسيرة فى غرفة صغيرة من المصنع، كما قال ذلك نائب المدير العام لمصنع "تومبوف" لإنتاج الخبز الكسندر روديك لبعض الصحفيين من قناة "روسيا ـ 1"، وكما قال إن ثمن الطائرة المسيرة الواحدة حوالى 50 ألف روبل مشيراً إلى أن دخل المصنع من إنتاج المسيرات فى الشهر حوالى 12 مليون روبل، وهذا يعادل تقريباً ربع إنتاج المصنع من الخبز والمخبوزات الأخرى شهرياً.

 وكما ذكر السيد روديك إن المسيرات يشتريها بعض "المتطوعين" ويرسلونها إلى العسكريين فى الجيش الروسى، عند هذا وتتوقف المعلومات فلا أحد يعرف ما إذا كان إنتاج المسيرات مربح أم لا ولا بأى رأس مال ومن أين بدأ الإنتاج، ولا يعرف أحد من أين يأتى المصنع بأجزاء الطائرات، فيما يقول بعض العارفين ببواطن الأمور أنهم يشترونها من جنوب ـ شرق آسيا. وكما تقول قيادة المصنع أنه إذا تعاقد المصنع مع وزارة الدفاع فإنه سيكون لديه القدرة على إنتاج كميات كبيرة من المسيرات التى تخدم القوات المسلحة؟ المسيرات التى ينتجها المصنع ليست عالية التقنية، لكن لديها قدرة على المراقبة والتصوير ويمكن أن تحمل قنبلة لإلقاءها على أى هدف.

كما يقول بعض الخبراء إن حالة الاقتصاد الروسى خلال العام المنصرم 2023 تشبه إلى حد كبير مصنع الخبر فى "تامبوف"، فالقطاع العسكرى ليس ضخماً مقارنة بنظيره المدنى، ومن ثم فهو يحاول اجتذات الأموال والأشخاص إليه ويحاول كذلك لفت انتباه السلطات، نتيجة ذلك تحاول المصانع العسكرية إنتاج معدات بمعدلات غير مسبوقة، وكما يقول بعض الخبراء من هذا المنطلق تحول المجمع العسكرى الصناعى مقارنة بالصناعات المدنية، التى تقاعست بعض الشئ إلى قاطرة للاقتصاد الروسى ككل، لكن تمويل ومصروفات المجمع العسكرى الصناعى غير شفافة والإنتاج يعتمد على الاستيراد، ولزيادة الإنتاج أو حتى الحفاظ عليه بالمعدلات السابقة فإن الأمر يحتاج إلى زيادة فى ميزانية المجمع العسكرى الصناعى.

ويتوقع بعض الخبراء أنه لأول مرة فى العام الحالى 2024 فى تاريخ روسيا الحديث، سيزيد الإنفاق العسكرى عن الإنفاق على المجالات الاجتماعية الأخرى التقليدية والمعروفة، حيث ستقوم الحكومة بتمويل العملية العسكرية بأى شكل وعلى حساب أى بنود إنفاق أخرى فى الموازنة، ليس هناك أى اندهاش لأن روسيا كما قلت وأكثر من مرة أنها تخوض حرب مصيرية ضد الهيمنة الغربية وهى حريصة على ألا تخسر هذه المعركة بصرف النظر أين تدور رحى هذه الحرب.

على أى حال ليس كل الإنفاق على العملية العسكرية ضار بالاقتصاد، فخلال العام الماضى حققت روسيا حوالى 3,5% معدل نمو فى الناتج الإجمالى المحلى الداخلى رغم تعرضها لعقوبات غربية وحصار لم تتعرض لهما دولة من قبل. وفى شهر سبتمبر من العام الماضى توقعت وزارة التنمية الإقتصادية الروسية معدل نمو يقدر بحوالى 1,2%، ثم رفعت توقعاتها إلى 2,8%، ومع شهر ديسمبر من العام الماضى رفعت التوقع إلى 3,5%، على أى حال زيادة معدل النمو لأكثر من 3% يعنى أن الاقتصاد الروسى بدأ الهبوط على غرار الذى حدث فى عام 2022، حينها انخفض الناتج الإجمالى المحلى إلى 2,1%، ورغم أن خبراء كثيرون يتحدثون عن أن النمو الذى حققه الاقتصاد الروسى جاء بفضل الإنفاق على "الأمن القومى" الذى زاد عن 30% عما كان مخطط له أى حوالى 6,4 تريليون روبل. ويعتقد بعض الاقتصاديين الروس أن العام الجارى 2024 سيشهد طفرة كبيرة فى الإنفاق العسكرى الروسى حيث خصصت روسيا حوالى 10,8 تريليون روبل ميزانية عسكرية، بالإضافة إلى 3,4 تريليون روبل للأمن القومى وقوات الأمن وهو ما يمثل حوالى 40% من إنفاق الموازنة العامة للدولة.

لكن هذا لا يعنى أن الإنفاق العسكرى هو كل الاقتصاد الروسى، ففى عام 2023 ساهم المجمع العسكرى بحوالى 6% من الناتج الإجمالى المحلى، ومن المتوقع هذا العام أن يساهم بحوالى 8% من الناتج الإجمالى المحلى. ينظر بعض الاقتصاديين بشك فيما يتعلق بمساهمة المجمع العسكرى الصناعى بنسبة كبيرة فى الناتج الإجمالى المحلى على سبيل المثل البروفيسور سيرجى جوريف الذى قال إن النمو فى القطاع العسكرى سيأتى على حساب القطاع المدنى.

الجميع يعرف أن ظروف المجمع العسكرى الصناعى أسهل كثيراً فيما يتعلق بتمويل الإنتاج لأنه يحصل على الأموال من الميزانية مباشرة، بينما القطاع المدنى يحصل على بعض التمويلات من خلال القروض وبفائدة وفق سعرها فى السوق. وارتفاع الإنفاق فى المجمع العسكرى الصناعى ناتج عن ارتفاع الرواتب ودفع مستحقات للعسكريين وأسرهم وهو ما ساهم فى زيادة الإنفاق العسكرى فى الاقتصاد وأصبح أكثر بكثير من الإنتاج فى القطاع المدنى. نتيجة لهذا ارتفعت نسبة التضخم حيث بلغ عام 2023 حوالى 7,5%، بينما قدرها المواطنون بحوالى 17% فى ديسمبر الماضى.

أما فيما يتعلق بالتوقعات للعام الجارى، من المتوقع ألا يحقق الإنفاق العسكرى معدلات النمو التى حققها فى العامين الماضيين، حيث رفع الإنفاق العسكرى بدرجة كبيرة عما كان عليه فى العامين الماضيين، ومع ذلك معدل النمو سيكون كما هو متوقع أكثر تواضعاً، وفق البنك المركزى الروسى 0,5% ـ 1,5% بينما تتوقع وزارة التنمية الاقتصادية نسبة نمو 2,3%، بينما معدل النمو فى الوقت الحالى يقدر بحوالى 1,5%.

لكن ورغم النظرة المتفائلة للرئيس بوتين الذى أعلن أن الاقتصاد الروسى يحتل حالياً المرتبة الأولى على مستوى أوروبا والخامسة على مستوى العالم، فإن بعض الاقتصاديين مثل السيد يفجينى نادورشكين قد نصح الشعب الروسى فى العام الجارى ألا يحاولوا الحصول على قروض، وأن يركزوا على الإدخار. نادورشكين يتوقع استمرار نمو النشاط الاقتصادى وكذلك زيادة الطلب والاستثمار، إلا أن هذا سيؤدى إلى صعوبة الحالة فى سوق العمل ومن ثم زيادة التضخم، ويقول بعض المحللين إن العام الماضى انتهى بتحقيق نمو أعلى من  3% مما سيؤدى إلى انخفاض فى العام الحالى 2024، بل يتوقع البعض ركود فى النصف الأول من العام الجارى تحت تأثير ما يطلق عليه "سخونة" الاقتصاد فى العام الماضى.

وسائل الإعلام الغربية أعربت عن دهشتها من النمو الذى حققه الاقتصاد الروسى فى العام الفائت أكثر من 3% وقالت إن هذا تخطى لكل الحواجز رغم العقوبات المفروضة على روسيا. وكالة بلومبيرج قدرت نمو الاقتصاد الروسى فى الربع الأخير من العام المنصرم 2023 وقالت إن الجزء الغير مالى فى الناتج الإجمالى المحلى الروسى إنه يتراوح من 5 ـ 5,5%، وهذا يعنى نمو الاقتصاد فى حدود 3 ـ 3,5% كمحصلة للعام 2023، وهو ما أعلن عنه الرئيس بوتين. المساهمة الأساسية فى النمو ستكون نتيجة تجارة الجملة والصناعات العسكرية وستمثل من الناتج الإجمالى حوالى 9,5% (صناعات كيميائية وماكينات ومعادن). يتوقع اقتصاديون استمرار ما يسمى "سخونة" الاقتصاد، والذى سيؤدى بالإضافة لتحقيق نمو فى الناتج الإجمالى المحلى، سيكون له كثير من التأثير السلبى على الصناعة، سيظهر تأثير هذه السلبية فى الفترة 2024 ـ 2025.

التوقعات تظل توقعات لكن الواقع فى نهاية الأمر هو الحكم، فى تقدير الكثير من الخبراء أن تحضير الغرب لحزمة عقوبات جديدة هى الثالثة عشرة منذ النزاع الروسى ـ الأوكرانى هو بلا شك يعطى انطباع بأن الاقتصادر الروسى تغلب بالفعل على العقوبات السابقة وإن كان يعانى بعض الصعوبات، كما أن الأزمات التى مر بها جعلت دول حليفة تهرع لمساعدة روسيا مثل أزمة البيض الأخيرة ولحوم الدجاج ما جعل دول مثل تركيا وأذربيجان وكازاخسان تسد النقص على الفور الأمر الذى فسره الرئيس بوتين بأن القدرة الشرائية للمواطنين زادات مع زيادة الرواتب وهو شكل ضغط على سلع بعينها خاصة مع فصل الشتاء.