الأحد 16 يونيو 2024

الرضا عبادة الصامتين

مقالات28-1-2024 | 21:26

لا نلتفت لأوجاعنا إلا حينما تأتي جمعاء أو يأتيناً وجعاً يذكرنا بسابق، تماماً كالطفل الذي لا يبدأ بالبكاء إلا حين رؤية الدماء لا حين الارتطام، هي عملية نفسية بحتة، فالألم النفسي لا يمكن مقارنته بآخر عضوي على أي مقياس، وشرحه في الحالات النفسية الإيجابية كالفرح والحماسة والانسجام.

علم النفس هو علم شديد التعقيد والتشابك والاتساع، ولن أبالغ إذا قلت أن الطبيب النفسي شنق نفسه لا قاضي الأطفال كما يقول المثل الشعبي، فهو متغير ومتداخل ولا يعطينا انطباعات صادقة أو حقيقة مئة بالمئة وبالتالي استنتاجات يمكن البناء عليها.

كل هذا قد ينطبق على علم نفس أمم الكوكب، أما علم نفس المصريين، فهو أشد تعقيداً وفلسفة بقدر تعقيد ممرات الأهرامات الثلاثة، وارتفاع مسلات معبدي الكرنك والأقصر، وتداخل رموز الكتابات الهيروغليفية والدموطيقية، فهم أمة اللاتفسير واللاتحليل وبجدارة وعن استحقاق "شعب ليس له كتالوج".

 بالأمس القريب والبعيد اشتكى كل مواطن مصري ضيق الحال، منذ عهد سينما نجيب الريحاني المدرس، وحتى سينما نجيب ساويرس رجل الأعمال، الكل في حضرة الشكوى حاضر، والكل في نفسه قادر، لكن بقدر .. بقدر ما منحه الله من نعم ومقدرة، فالنعم وحدها وبدون سعي تتآكل بتعجيز أنفسنا لأنفسنا، وبدون تقدير لها تفنى، وبدون اعتراف بها تزول.

 فالسليم المعافى القادر على الكسب يميل إلى اختلاق الأعذار الصحية، وكثير الإنجاب شكّاء بكّاء من فرط احتياجاتهم، والمتزوج ناقم وكاره لحياته الزوجية، الجميع في مشاهد مختلفة قد يحسدهم عليها الكثيرين، فما الحال إذا ما انقلبت المشاهد.

أتحدى أن تجد مريضاً ناقماً، أو محروماً من الإنجاب حاسداً، أو أعذباً كارهاً لكل من حوله، فكل محرومٍ مُبتلىَ هو مُقدِر للنعم، فلا متبتر كنود إلا كل من استطيب مذاق الشبع من مختلف النعم، في العيشة والإنجاب والفرح بالأحباء.

السعادة في الرضا، ترياق لكل من تسربت لنفسه مشاعر اليأس أو الإحباط أو الحزن، كلمة لن تجد لها مرادفاً حقيقياً في لغات أخرى يعكس عمق المعنى في اللغة والثقافة العربية، كالرضا بالمكتوب، والرضا بالحياة وتفاصيلها، والرضا ما بعد القضاء، والرضا بالابتلاء، والرضا بالقدر والمقسوم والمحتوم.

هذا أمراً بالطبع لا يتنافى أو يتعارض مع الأمر الرباني بالسعي والعمل لتغيير الأوضاع، أخذاً بالأسباب وعملاً بفضيلة السعي والسلوك الإيجابي، كمحاولة العمل لتغيير أمر الفقر، أو استشارة الأطباء، أو تعديل محل السكن .... كلها أمور تصب في خانات السعي المشروع للأفضل.

إلا حينما تعكس تبتراً أو نكراناً للنعم أصبحت عنواناً لنوعية البشر الذي قيل فيه "إن الإنسان لربه لكنود"، عافانا وعافاكم الله شر نكران النعم والتأله على الإله حاشاه، وجعلنا الله من الشاكرين الحامدين للنعم حافظين ومقدرين.