الجمعة 1 مارس 2024

وَغَزَّةُ.. للمَرَّةِ الألْفِ!!

مقالات7-2-2024 | 19:16

ألم يعدْ لنا نحن- بني العروبة- سوى الطنطنة على منابر الكبرياء اتكاءً على تاريخنا السالف..؟!!أم أن شعلةَ الأنفةِ العربيةِ ما زالت تتأجَّج في أركان نفوسنا وإن بدت خابيةً بعضَ الشيء لأصحاب العيون العَجْلَى..؟!!هذه التساؤلاتُ تطرح نفسَها وبقوةٍ في مواجهة التحديات التي تواجهها أمتُنا العربية خاصةً في صراعاتها المتكررة والصهاينة في كافة الميادين-سلماً وحرباً-إن تاريخ العرب وأيامهم يحفظ في الذاكرة الشعبية العربية الكثيرَ من القصائد التي أشعلت نيرانُها حروباً ضروساً سواء فيما بين القبائل العربية قبل الإسلام أو في صراع الأمة العربية والقوتين العظميين-الفرس والروم-آنذاك..!!إن الأُذُن العربية وقَبْل الذاكرةِ العربية لتطرب كلما عاودتُ استعادة" سيفيَّات المتنبي"المؤرِّخة صراع" سيف الدولة الحمداني والروم،أو الروائع التي جادت بها قرائحُ الشعراء تأريخاً لجهاد"صلاح الدين الأيوبي"لتحرير الشام من احتلال صليبي أوروبا..!! إبداعاتٌ سارت بها الركبان،وتناولتها أفئدة العرب بالتبجيل والامتنان.. لكن ما الذي طرأ على المشهد الشعري العربي فجعل المتلقين يعافون حضور فعاليات الشعراء المقامة في كثير من معارض الكتب في عواصمنا العربية؟!! إن المتمعِّن في ذلك ليشعر بالدهشة الممزوجة بالحسرة حيناً وبالسخط أحياناً حينما نرمُق بأطراف عيوننا فعاليات الشعراء ذات المقاعد الخالية إذا قورنتْ مثلاً بفعاليات يكون ضيوفها لاعبي الكرة أو بعض الفنانين والفنانات..!! ليُسْلمُنا ذلك المشهد إلى تساؤلٍ جوهريٍّ... لماذا فقد الشعراء العرب في السنوات الأخيرة سلطانهم مثلما كان االأمر مع  السابقين من ذوي الحضور  الجماهيري..؟!!
(الغولُ..والعنقاءُ..والدمُ والشّباك..والنسل..والخل الوفيُّ..!!/من أوَّل الدنيا هناك..لآخرِ الدنيا هناك/
و جبينُها العالي..كصاريةٍ تعود ولا تعود!!)
وتأتي قصيدة"إلى غزة الصامدة"لأيقونة شعراء الثورة والمقاومة العرب" سميح القاسم"لتفتح نوافذ الدهشة كلما عاينتْ العيون،وتأمَّلت الأفهام ما تقدمه المقاومة الفلسطينية الصامدة في قطاع غزة..!! إنها الجامعةـ المستحيلاتِ التي تأبى الذاكرة الشعبية العربية وجودها على أرض الواقع؛لكن صمود وبسالة"غزة" استطاعت تجسيد كل هذي المستحيلات في باقة جمعت أفانينَها من بساتين البطولة العربية المرويَّة بدماءٍ دافقةٍ من هذه الأنسال-مدنيين ومقاومة- لتجعل أبجدية الشعراء العرب تلهث للبحث عن مفرداتٍ تُواكب ما قدَّمتْه "غزة"الصامدة في مواجهة آلة البطْش العمياء للصهاينة،ووسائل التنكيل التي مارسوها طوال العقود الماضية لوأْد المقاومة... ولكن هيهات.. هيهات أن تهدأ أو تنكسر!!إن قصائد"سميح القاسم" التي هي أشبه بوقع المطرقة على الرؤوس تؤكد دور الشاعر وما يجب أن يكون عليه-قولا وفعلاً- إن مواقف الشاعر من القضايا الانسانية والوطنية إذا لم تتسق وشعره فتحتْ أبواب النسيان والسقوط من الذاكرة الشعبية العربية مهما كان شعره ومستوى إبداعه،فاتساق أفعال الشاعر وقصائده هو الذي يختزل المسافات في الدعوة إلى ما يؤمن به من قضايا مصيرية،وعليه تقع المهمة الكبرى فى حشد الرأى لعدالة قضيته..!!
(مِن سقفِ أعمدة الدخَان..!!/ وأنا أخاطبها
وفي عنقي سلاسلُ موتيَ الآنيِّ
أسألها وسورُ السجن يلعق عارَه:
ما أنتِ؟ مَن؟!!/أمدينةٌ؟
أم موقعٌ متقدمٌ في جبهةٍ
نقشتْ صدورَ جنودها الشجعان كُلُّ الأسلحة/وعلى صدور جنودها الشجعان/ذُلَّتْ جميع الأسلحة!!/ما أنتِ؟مَنْ؟/أمدينةٌ؟أم مذبحةْ؟!!)
إن الكلمة التي لا ترى ما يجب أن ترى كلمةٌ عمياءُ لا تستطيع أن تعكس واقعاً يجب عليها مواجهته..أو قلْ هي مرآةٌ مهشمةٌ لا تكشف قبح الواقف أمامها..!!وماكان دور أبجدية الشعراء إلا مواجهةَ السائد والنمط الذي عليه الواقع المقيِّد تحليق الإبداع نحو كل جريءٍ فيما لا يصادم معتقدا،أو يدعو إلى مذهبيةٍ أو طائفيةٍ مَقيتةٍ،بل الانتصار لكل ما هو إنسانيٌّ وفقط..!! فلا يهادن أو يساوم،عند ذلك التصوُّر يتسع مفهوم المقاومة ليصبح كلُّ ما يبدعه الشعراء مقاومةً لقبْح الواقع أملاً في تغييره،وهذا السر الكامن في قصائد الشعراء العالميين الذين ناضلوا طيلة حياتهم صور الظلم والاستبداد أمثال"لوركا وبابلو نيرودا وناظم حكمت"وغيرهم،إن الصراع الآن حول مفهوم "قصيدة المقاومة" وعناصرها التى تحقق هذا المفهوم صار أكثر إلحاحاً عن ذي قبْل..أيمكن حصْر المقاومة في خطابٍ موزونٍ مقفّى لا يزيد عن كونه خلطةً من زغاريدَ  لمواكب شهداءٍ وقعقعةِ سلاحٍ..؟!! أم أن كل ما يحتفى بالحياة وباللحظات الإنسانية وسط الخراب أو يسجِّل ما يعانيه أهل فلسطين من معاناةٍ يوميةٍ في التنقُّل أو توفير الحد الأدنى من ضرورات الحياة وانعدام الأمن سواء في مواجهات المستوطنين أو أفراد الجيش الإسرائيلي يعتبر من قصائد المقاومة..؟!!إن الذائقة العربىة باتت لاتتأثر بالكثير من القصائد مثلما كان الحال سابقاً؛ فلقد كان العدو واضحاً مثل دمٍ أو سوادٍ يفترش ثوباً أبيض.!!؛لكننا اليوم وبفعْل وسائلَ إعلامٍ الكثيرُ منها  ذات أجنداتٍ أصبحنا نعاني في تعريفات كانت بالأمس شديدة الوضوح، وساعد على ذلك حالةُ التردِّي العربي وسيطرة إعلاميين مهمتهم صناعة الخبر والصورة وقلب الحقائق؛ لدرجة أن البعض الآن صار يتساءل عن جدوى الشعر وقيمته في مواجهة هذا الصلف الصهيوني،ويرون أن هناك من الوسائل ما هو أكثر جدوى في المقاومة مثل ما يفعله المناهضون حرب غزة من الإتيان بتوابيت وهميةٍ ملوَّنةٍ بما يشبه الدماء دلالة عن كثرة سفك الدم الفلسطيني أو البث المباشر لمظاهر القصف وصور الدمار الشامل وجثث الشهداء... أقول إنهم يرون ذلك أشد أثراً من قصائد الشعر!! إن تعريف المقاومة يتسع ليشمل كل فعلٍ يواجه به الإنسان ما يهدد وجوده ويهدر أسباب عيشه وأمانه، وإلا فما الذي يدفع العدو إلى اغتيال أصحاب الأقلام أمثال"ناجي العلي" لولأ أنه يدرك أن المقاومة الحقيقية الرافضة كل أشكال العبودية والقهر  الذى يفرضه الكيان المحتل تهدد وجوده ومشروعه التوسعي تكمن في الكلمة وأصحابها ؛فهم من يجيِّشون المجتمع،إن الثورة والشعر وجهان لعمْلةٍ واحدةٍ... لكن ذلك مشروطٌ حينما يصبح صاحب الكلمة حاضراً كصاحب البندقية...!! عندها يصبح الشعر سَنداً للمقاومة وراعيها ومؤجِّجها وصانع أنسنتها ومانح بطولاتها الخلود في أبهى صورة وأجمل ملامح.
(الليلُ..والأسلاكُ نافذتي إليك..ولا أزال!!/ يا حبيََ المحظور..طفلاً لاهياً في ساحتِكْ/وفتى ينازلُ غاصبيك..على ترابِ أزقتِكْ/وأنا القتيلُ على الرصيفْ/وأنا الأشداءُ الوقوفْ/وأنا البيوتُ البرتقالُ..أنا العذابُ..أنا الصمودُ..أنا المئاتُ..أنا الألوفْ/اليومَ صارَ على المحبِّين اختيارُ الموت أو أبد الفراقٍ!!/اليومَ عُرْسُ الدّم المُراقْ/وأنا وأنت نعيشُ يا حبي المقاوم!!)