الجمعة 1 مارس 2024

حكايات من زمن المماليك (4)| السلطان.. وصراع الديوك

مقالات9-2-2024 | 17:08

ما أتعس أن يُوسَّد الأمر لغير أهله، وما أسوء ألاَّ يستشعر المسؤول عظم المسئولية التي تقع على كاهله، وألاَّ يدرك ما يُنتظر منه، وأن يغفل عما يتربصه من تهديد، وألا يقدِّر للخطر قدرَه، وأن يلهو فيما يجب فيه الجد، أو يغيب فيما يجب فيه الحضور.

في التاسع من صفر سنة 656هـ، المُوافق 14 شُباط (فبراير) 1258م، اجتاح المغول بغداد، واستباحوها أربعين يومًا، فقتلوا جميع من قدرُوا عليه من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ والكُهول والشُّبَّان، فكانوا يذبحون الرجل، ويسبون من يختارونه من بناته وجواريه، ولم ينجُ من هذه المذبحة سوى القليل، حتى من اختبئوا في الحانات والدكاكين وأقفلوا عليهم الأبواب، كان المغول يكسرون الأبواب أو يحرقوها، ويقتحمون تلك الأماكن ويقتلون من فيها، ومن حاول الاحتماء على السُطوح، فكان المغول يصعدون وراءهم ويذبحونهم، فتسيلُ دماؤهم في المزاريب إلى الأزقَّة.

ولم يكتف المغول بالقتل، فنهبوا وأحرقوا كُل ما صادفوه، عدا بعض بيوتٍ للرُعاة والغُرباء فكانت قد حصلت على الأمان، كما أمَّن المغول سكان بغداد المسيحيين على حياتهم بِتوصية من زوجة هولاكو النسطوريَّة "دوقوز خاتون"، وكذلك اليهود ومن التجأ إلى دار ابن العُلقُمي (وزير الخليفة العباسي الشيعي)، وطائفة من التُجَّار بذلوا المال ليسلموا وذويهم من القتل.  وأشارت بعض المصادر أنَّه لمَّا كان المسلمون من أهل السُنَّة والشيعة على خلاف، فقد شارك الشيعة في نهب بغداد واستفادوا من المُناسبات الأُخرى لتصفية حساباتهم القديمة مع أهل السُنَّة. 

وأقدم المغول على إحراق عدد من معالم المدينة وأماكنها المقدَّسة، مثل: جامع الخليفة، ومشهد موسى الجوَّاد، ومقابر الخُلفاء، ودمَّروا بيت الحكمة وغيره من مكتبات بغداد النفيسة، وألقوا بالكتب في نهر دجلة حتى أسودَّ لونه من المداد، وقيل إنهم استخدموها جسرًا لعبور النهر.

وقد أمر هولاكو بِإعدام الخليفة، فقتله المغول بعد أن جُمع في سجَّاد، وركلوه ركلاً بالأرجل حتى مات، وقيل: خنقوه، أو أغرقوه. وقيل إنهم قتلوه بهذه الطريقة كي لا تسيل دماؤه على الأرض فيُصبح له ثأر بين المسلمين. كما قتل المغول الابن الأكبر لِلخليفة أبو العبَّاس أحمد وله خمسٌ وعُشرون سنة، ثم قُتل ولده الأوسط أبو الفضل عبدالرحمٰن وله ثلاثٌ وعشرون سنة، وأُسر ولده الأصغر مبارك وسُبيت بناته فاطمة وخديجة ومريم.

كانت نكبة كبيرة، وكارثة عظمى، وتجاوز عدد القتلى التسعين ألف، والبعض من المؤرخين يراهم أكثر من مائتي ألف، وحسب المصادر الفارسيَّة فإنَّ القتلى تراوح عددهم ما بين ثمانمائة ألف إلى مليونين، وقال ابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة": إنهم بلغوا أكثر من مليون وثمانمائة ألف نفس، أو مليوني نفس، فيما رجَّح الذهبي في كتابه «تاريخ الإسلام» أنهم ثمانمائة ألف نسمة.

وبعد الأربعين يومًا، أوفد أهل بغداد شرف الدين المراغي وشهاب الدين الزنجاني إلى هولاكو يطلبون الأمان، فأصدر هولاكو أوامره بوقف النهب، وانصرف أهل بغداد إلى مُزاولة أنشطتهم اليوميَّة.

وفي القاهرة كانت الأخبار تتوالى بالزحف المغولي وكيف تتساقط البلاد في أيديهم كما تتساقط ثمار الفاكهة الناضجة من فوق أشجارها، وأنهم غاروا على الشام، وصاروا يتطلعون لالتهام مصر، كبرى ولايات الخلافة، ودرة تاجها. والناس يتناقلون أنباءهم وفظائعهم في هلع ورعب.

وفي يوم السبت الرابع والعشرون من ذي القعدة سنة 657هـ، بعد أن جاءت الأخبار بتحركهم نحو مصر وارسالهم التهديدات للأمراء، عقد الأمير سيف الدين قطز، نائب السلطان، اجتماعًا حضره الفقهاء وعلى رأسهم العِزُّ بن عبد السلام، وكبار المشايخ والقضاة وأمراء العسكر؛ لمناقشة الأوضاع الراهنة، والخطر المحدق، ودراسة سبل مواجهة تهديد المغول الكبير، وتحدث أحد المشايخ متسائلاً عن كيفية مواجهة الخطر المغولي وبيت المال خالٍ من الأموال؟ والأحوال في اضطراب؟

وتحدث الشيخ عز الدين فقال: إذا طرق العدو البلاد، وجب على الناس قتاله، وجاز للسلطان أن يأخذ من أموال التجار وأغنياء الناس، ما يستعان به على تجهيز العسكر لدفع العدو، ولكن بشرط ألا يبقى في بيت المال من أموال لشراء السلاح، وأما أخذ أموال الرعية من التجار والأغنياء بغير حق مع وجود أموال في بيت المال فلا يجوز.

وتحدث نائب السلطنة، الأمير قطز، عن العدو الزاحف بكل قوة على البلاد، وعن الحاجة المحلة لتنصيب سلطان قوي، تخشاه الرعية، حتى لا تضيع مصالح المسلمين، وهذا صبيٌّ صغير لا يعرفُ تدبير المملكةِ، فلا بدَّ للناسِ مِن سلطانٍ قاهرٍ يقاتِلُ عن المسلمين عَدوَّهم. لم يكن يدع لنفسه بالسلطنة، فليس الوقت وقت اهتلاب الفرص، بل هي القراء الواعية لرداءة الوضع من أقرب الناس في السلطة، فما لبث أن أثنى على كلامه الأمراء المماليك وأيدوه، وما زالوا بالفقهاء والمشايخ والقضاة حتى وافقوا على ذلك، فوقع الاتفاق على خلع الملك المنصور نور الدين علي من السلطنة، وتولية قطز أمور السلطنة، فنُصِّب قطز سلطانًا بعد أن وعد الأمراء بالاستقالة بعد النصر على المغول.

وقيل إن قطز قام بحركة انقلابية على السلطان الصغير، وقبض عليه، وذلك في غيبة أكثر الأمراء من مماليك أبيه وغيرهم في الصيد خارج القاهرة، وقبض على الملك المنصور واعتقله بالقلعة، هو وأمه أخيه، في 24 من ذي القعدة 657 هـ الموافق 12 نوفمبر 1259، ومنها إلى ثغر دمياط، ثم سيَّرَهم إلى بلاد ببزنطية، وقبض على بعضِ الأمراء واعتقَلَهم، وأعلن نفسه سلطانا وسمَّى نفسَه بالملك المظفَّر، وبدأ في ترتيب أوضاع السلطنة. واعتذر إلى الفقهاءِ والقُضاة، واسترضى كبار الأمراء وأنه لم يكن ليقدم على خلع السلطان الصبي إلا لقتال المغول، لأن هذا الأمر لا يصلح بغير سلطان قوي، ومنَّاهم أن الأمر لهم يختارون من يشاؤون، بعد تحقق النصر على العدو.

 كانت مدَّة السلطان نور الدين علىي المنصور سنتين وثمانية أشهر وثلاثة أيام، وكانت أيامه كما يصفها ابن اياس في كتابه "بدائع الزهور": أشرَّ أيام مع قصرها. فقد كانت هناك تهديدات مستمرة من المماليك المعادين لأبيه في الشام، والأموال قليلة في بيت المال، وكانت إدارة البلاد إدارة سيئة.

وكان قد بويع بالسلطنة بعد مقتل أبيه الملك عز الدين أيبك، وكان له من العمر خمسة عشر عاماً، فتلقّب بالملك المنصور، ونودي باسمه في القاهرة، وضجّ الناس له بالدعاء.  وجلس على سرير الملك، واختار الأمير سيف الدين قطز نائباً للسلطنة ومعه قطز كنائب للسلطنة والأمير فارس الدين أقطاي المستعرب كقائد عاماً للجيش (أتابك العساكر). وسُكَّت في عهده النقود في عام 1257، وقد نُقِشت عليها الأسماء والألقاب التالية: الملك المنصور نور الدين، الملك المنصور نور الدنيا والدين.

لكنه كان طائش العقل، لم يتعلم الفروسية كوالده، وكان لا يهتم سوى بتربية الحمام وصراع الديوك وركوب الحمير داخل قلعة الجبل مع الغلمان، بينما كانت أمه هي من تدير المملكة بمساعدة قادة المماليك، ما جعل المماليك البحرية الذين فروا من والده عز الدين أيبك إلى سورية يرفضون الاعتراف به قائلين: «إنه لا يصلح لحكم مصر فكيف يمكن أن نعترف بهذا الطفل الذي ليس لديه أي خبرة عسكرية ولدينا أباطرة في الحكم».

وهناك روايتان في نهاية السلطان الصغير، الأولى أنه لما خلعوه من السلطنة قيّدوه وأرسلوه مع إخوانه وأمه إلى ثغر دمياط، فاعتقلوه ببرج السلسلة، فأقام به مدة طويلة، حتى مات هناك، ودفن هناك. وهذه هي رواية "ابن إياس" في "بدائع الزهور".

بينما الرواية الثانية يذكرها المؤرخ شمس الدين الذهبي (ت 748هـ/ 1374م)، في كتابه "سير أعلام النبلاء"، فيذكر أن (قَليج قَان) أخو المنصور  نور الدين علي قد ذكر له (أي للذهبي): إنه بعدما اُعتقل هو وأخوه المنصور وأمه، أُرسِلوا إلى دمياط، ثم أُبعِدوا إلى بلاد الأشكرى (الأراضي البيزنطية)، هناك تنصر المنصور وسُمِى ميخائيل بن أيبك وتزوج وأنجب، وعاش إلى نحو سنة 700 هـ.

حيث يذكر: "أنه اتفق أن رأوا شاباً عند قبر المعز يبكي فأحضر إلى السلطان فذكر إنه "قليج قان" ولد المعز، وأنه قدم من القسطنطينية من ست سنين، وأنه يتوكل لأجناد، فسجن سبع سنين، حتى أخرجه الملك المنصور (قلاوون)، فاتفق رؤيتي له بعد دهر طويل عند قاضي القضاة تقي الدين في سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، فرأيته شيخا جندياً جلداً فصيح العبارة حافظا للقرآن، فذكر أن له ابنا شيخاً قد نيف على الستين، وقال: تنصر أخي المنصور ببلاد الأشكري وصار اسمه ميخائيل بن أيبك، وتأخر إلى قريب سنة سبعمائة، وله ذرية نصارى".