الإثنين 20 مايو 2024

فن الخطابة وأدبياته.. وواقعنا المعاصر

مقالات11-3-2024 | 11:06

لن أتحدث عن هذه الموضوع بلغة الفلاسفة وما قدموه حول هذا الموضوع من أفكار ، فلن أذكر فن الخطاب عند السوفسطائيين ومنهجهم الجدلي وكيف تصدى لهم سقراط ، ولن أناقش كتاب الخطابة لأرسطو ولا كتاب العبارة للفارابي ، ولا شرح ابن رشد لكتاب الخطابة لأرسطو.
وإنما سأحاول قدر استطاعتي أن أبسط الفكرة حتى يتسنى للجميع قراءتها وفهمها فهما جيدا ، فليس الجميع متخصصا فى الفلسفة ، ومن هنا بات الأمر ملحا لتبسيط أفكارنا لتكون في متناول الجميع ، وهذه مهمة المفكر المهموم بقضايا واقعه الذي يحياه ومجتمعه ومشكلاته الكثيرة التي تحتاج إلى حلول جذرية لا أنصاف حلول ، فليس ثم مشكلة إلا ولها حل ومن ثم وجب أن تتضافر كآفة الجهود للوصول إلى هذه الحلول كل في مكانه وعلى قدر استطاعته ، فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم ، وعلى قدر أهل الكرام تأتي المكارم ، والمفكر الكريم هو الذي لا يبخل ويجود بفكره.
الخطابة فن ، تحتاج إلى خطباء مفوهين بلغاء ، يمتلكون مفردات اللغة ، وآدابها ومحسناتها وبدائعها حتى يستطيعون الوصول بالمتلقي إلى فهم ما يرمون إليه كل في مكانه وموقعه . فالخطباء على المنابر سواء فى المساجد أو الكنائس أو حتى الأديرة ، ينبغي عليهم جميعا التمكن من مفردات اللغة دونما تلاعب بالألفاظ أو إستخدام ألفاظ مستغلقة الفهم لا يفهمها جمهور المتلقين فالخطاب يسمعه الجميع أيا كانت لغة الخطاب.
كذلك ينبغي على الخطيب فضلا عن أن يكون مفوها أن تكون لديه القدرة على جذب انتباه المخاطب متى يرفع صوته ومتى يخفظه ، فضلا عن إستخدام لغة الإشارة (اللغة الحركية)، حتى يجعل المستمع في حال يقظة على الدوام وقت إلقاء الخطاب.
كذلك من الضوابط التي ينبغي مراعاتها في الخطبة أيا كان نوعها ، دينية أو سياسية أو في محفل ثقافي أو إجتماعية ، أو إقتصادية ، وأيا كان منبرها سواء الإذاعة أو التليفزيون أو حتى سرادقات العزاء ، أو سرادقات الانتخابات ، فلابد أن يكون موضوعيا فى طرحه للمشكلة مستشهدا بأدلة حقيقية لا مصطنعة أو مفبركة ، فمواقع التواصل الإجتماعي بكل منصاتها كاشفة لكل شيئ صوتا وصورة ، فلا يمكن بحال أن يصدقك المستمع المخاطب وأنت مضلل كذاب ، فلا يمكن أن يستمر في سماعك وأنت مثلا تخطب الناس على منبر وتقول ما الذي استفاده أهل غزة من هذه الحرب الطاحنة ، ما الذي استفادوه من هدم وتدمير منازلهم وقتل وتشريد الآلاف من أهلها ، وما ذنب الطرف الآخر والصواريخ تنهال من كل حدب وصوب فوق رؤوسهم.
فأنت أيها الخطيب لن يصدقك أحد لماذا ، لأنك مموه ومسفسط وقد تكون مأجورا ومداهنا ، فإن كان هذا اعتقادك الشخصي فلتراجع معتقدك ، وإن كان هذا للفت النظر إعلاميا إليك ، فما عند الله خير وأبقى ، وإن كنت مستأجرا فلن ينفعك مال ولا جاه ولا سلطان.
لن يصدقك أحد ، لماذا ، لأن الجميع الصغير قبل الكبير يعلم من المعتدي ، من المحتل ، من الذي يريد أن ينفذ بروتوكولات حكماء آل صهيون ، من الذي يريد أن يغير خريطتنا ويمحو هويتنا.
هكذا وبالمثل فى الخطابات السياسية ، يجتمع الخطيب بالناس وينعق بما لا يسمع ويظل يمدح فى العضو الفلان ، وأنه مثال للشرف والأمانة والصدق والصلاح وأن على يديه سيجري الخير ، والناس جلوس يعلمونه جيدا يعلمون فساده وسوء أخلاقه ، النتيجة إما أنهم سيتركونك تنبح ، أو بنزعة براجماتية يقولون في أنفسهم أو يهمسون في أذن بعضهم البعض ننتظر لربما يوزعون علينا أي شيئ ( واللي يجيي منهم أحسن منهم)، فبئس الخطيب وتعس المخاطب.
كذلك الأمر بالنسبة للخطاب الإقتصادي ، ينتصب خطيبا على منبر إعلامي ويظهر لك الأمور بطريقة مغايرة ومخالفة للواقع الذي نحياه ويصور لك الحياة وردية والأسعار منخفضة وفي متناول الجميع والسلع متوفرة وأنه حتى وإن كانت هناك أزمة فهي على العالم أجمع ولا يقدم حلولا اللهم إلا مسكنات ، فإما أن تغلق التلفاز في وجهه صابا عليه آلاف اللعنات ، أو ستوهم نفسك أنه على صواب لعل بارقة أمل تلوح فى الآفاق.
أيضا تجد خطيبا وللأسف مفوها ومعلما وفى الإذاعة المدرسية ، يقف يخطب فى التلاميذ والمعلمين ويسمعه أولياء الأمور المتراصين فى الشارع الملتفين حول المدرسة ولا أدري لماذا يفعلون ذلك ، تجده يخطب بصوت مرتفع ،ويمكن أن يصاب بفتق فى الصرة أو في مكان آخر من شدة النعيق والزعيق ، (واغضض من صوتك)، وينصح بالالتزام بالحضور وبالمواعيد والحصص الدراسية والواجبات والحقوق ، يعطي الجميع من داخل المدرسة وخارجها ، خطبة عصماء وهو أبعد ما يكون عن كل ذلك.
أما الأمر الأسوأ والأدهى والأمر خطباء المناسبات الاجتماعية وخصوصا سرادقات العزاء ما بين ربعي القرآن، تجده يمسك المايك في يده موجهه على فمه وكأنه سيبتلعه ويبدأ في ذكر محاسن المتوفي على الرغم من أن المتوفى مشهود له برزاياه ويقول فيه شعرا ولو عاد من قبره وسمعه سيكذبه ، في ثورة يمكننا أن نسميها ثورة ميكرفونات ، والأغرب من ذلك أنه هو في واد والمستمعون في وديان أخرى.
كذلك الأمر بالنسبة لحفلات الأفراح ، وتلك سنة جديدة يقوم المأذون بإعطاء الحضور خطبة فى الزواج وفى مدح العريس والعروسة وهو أصلا لا يعرفهما ، يا أخي لا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عن الله كذابا.
ليس هذا وحسب بل خطباء المنتديات الثقافية والمؤتمرات والندوات وعن ذلك حدث ولا حرج ، خطباء المنصات الثقافية الذين يقدمون المؤتمرون أو المنتدون ، سواء تقديم كتاب أو بحث أو ديوان شعر ، تجده يقدم وصلات من المدح والعزف النشاذ المنفرد عن المؤلف والكتاب وكأنه يقدم لأحد عمالقة الزمن الجميل من أهل الفكر والثقافة وما أن يصعد المنصة ليلقي كلمته ، تجده غثا في أسلوبه ، غثا في لغته ، ضعيفا في عرضه ، لا حجة له ولا دليل ، اللهم إلا النفخة الكذابة.
إذا أردنا حقا النهوض الجدي بأمتنا وبحياتنا بكل مقوماتها علينا توخي الحذر وتوخي الدقة في خطاباتنا بكل أنواعها.
طبعا وكعادتي أنا لا أصدر الأحكام على عواهنها 
ولا أعمم الأحكام وإنما نهجنا منهج نقدي بناء.
فيا معشر الخطباء يا ملح البلد
ما يصلح الملح إذا الملح فسد.
أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بآداب حلوان