تلألأ اسم المخرج هنري بركات الذي تحل ذكرى ميلاده اليوم في عالم السينما، وصنع بصمة لا تمحى، إذ يُعد أحد أعمدة السينما العربية وروادها الكبار، ولم يكن مخرجًا فحسب، بل مبدعًا استثنائيًا شكل ذائقة الأجيال بفنه، وكان صاحب رؤية تلامس نبض مجتمعه وحياته، وحملت أفلامه مزيجًا من العاطفة والفكر.
ميلاده ونشأته
وُلد بركات بحي شبرا في القاهرة 11 من يونيو عام 1914 لعائلة لبنانية الأصل استقرت في مصر، ودرس الحقوق وحصل على الليسانس ثم سافر إلى باريس، ليدرس الإخراج السينمائي، فلم يكن يرى مستقبله بين دفاتر القانون وقاعات المحاكم، وسرعان ما استجاب لنداء الفن الذي أخذ بيده إلى عالم السينما، ثم عاد إلى القاهرة ليبدأ مشواره الفني، مستفيدًا من خبراته الثقافية الأوروبية ليُطوّعها في سياق عربي غني.
أعماله الخالدة
لا يكتمل الحديث عن هنري بركات، دون ذكر روائعه التي أصبحت جزءًا من تاريخ السينما، وأخرج هنري بركات 112 فيلمًا تقريبًا، ومن بين أعماله الخالدة فيلم "دعاء الكروان"، في 1959 بطولة أمينة رزق، وزهرة العلا، وفاتن حمامة، والمقتبس عن رواية عميد الأدب العربي طه حسين، حيث قدّم بركات معالجة سينمائية مدهشة للقصة، جعلت من الفيلم رمزًا للتحرر الاجتماعي والنفسي في آنٍ واحد.
كما أخرج فيلم "الباب المفتوح"، في 1963 ، بطولة فاتن حمامة وصالح سليم وحسن يوسف، الذي ناقش قضايا التحرر النسائي في مجتمع مليء بالتناقضات، وفيلم "الحب الضائع"، في 1970 بطولة رشدي أباظة وسعاد حسني، وزبيدة ثروت، والذي غاص في أعماق العلاقات الإنسانية المعقدة، كما أخرج الكثير من الأفلام التي شكلت وجه السينما المصرية حينذاك، وكانت كاميرته عينًا ثاقبة تجسد الواقع بكل أبعاده، سواء الاجتماعية أو النفسية.
وتميز بركات بأسلوب خاص يجمع بين البساطة والعمق، واستطاع من خلاله أن يعكس المشاعر الإنسانية عبر تفاصيل صغيرة وأجواء مفعمة بالحياة، ولم تكن أفلامه مجرد قصص تُحكى، بل كانت لوحات فنية تُجسّد الألم، والحب، والفرح، والقضايا الاجتماعية.
شريكته الفنية
كانت النجمة فاتن حمامة جزءًا لا يتجزأ من مسيرة بركات، وقدما معًا سلسلة من الأفلام التي تعد أعظم ما أُنتج في السينما العربية، وهذه الشراكة الفنية شهادة لقدرة بركات على استنباط أفضل ما في الممثلين.
التكريم
لم يمر إبداع هنري بركات دون تقدير، فحصل على جوائز عديدة في مهرجانات سينمائية مرموقة، كما كرّمه مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عن مجمل أعماله، وحاز جائزة الدولة التقديرية في الفنون من المجلس الأعلى للثقافة، عام 1995 حتى بعد رحيله في 23 فبراير 1997، بقي إرثه حيًا، يُلهم صناع السينما ويثري ذائقة المشاهدين.