افتتح الدكتور أحمد فؤاد هَنو، وزير الثقافة، والكاتب إسماعيل عبد الله، أمين عام الهيئة العربية للمسرح، فعاليات الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي بالقاهرة، والذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، خلال الفترة من 10 إلى 16 يناير 2026.
ويأتي المهرجان تزامنًا مع الاحتفاء باليوم العربي للمسرح، وتحت شعار «نحو مسرح عربي جديد ومتجدد»، حيث يدير المهرجان الكاتب إسماعيل عبد الله، أمين عام الهيئة العربية للمسرح، والمخرج الكبير خالد جلال، المنسق العام للمهرجان، والأستاذ غنام غنام، مسؤول المجال الإعلامي بالمهرجان.
وفي كلمة الكاتب إسماعيل عبد الله، الأمين العام للهيئة العربية للمسرح قال:
مندوب السيد رئيس الجمهورية راعي الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي، أ. د. أحمد فؤاد هنو
السيدات والسادة أصحاب المعالي والعطوفة والسعادة، أصحاب السمو من سيدات وسادة المسرح العربي من مصر وكافة أقطار وطننا العربي والعالم، سادة المشهد وميزانه جمهور المسرح وعشاقه.
مساؤكم مسرح، مساء يزهو بوجودكم في يوم افتتاح مهرجانكم، الذي يصادف يومكم اليوم العربي للمسرح، وإذا ما كان المسرح إكليل غار يزين هذا المساء، فللمسرح أن يزهو بإكليل آخر يتوج رؤوسنا جميعاً بالفخر واسمه "مصر".
اسمحوا لي بداية أن أنقل لكم تحيات رجل كوني الإنسانية، عربي الهُوِيَّة، مصري الهوى، رجل يتابع بكل الفرح والاهتمام كل ما تنجزون من جمال، إنه سيدي صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو الجلس الأعلى لاتحاد الإمارات العربية المتحدة، حاكم الشارقة، الرئيس الأعلى للهيئة العربية للمسرح، الرجل الذي يعتز بزمالتكم ككاتب ومفكر، صاحب رسالة اليوم العالمي للمسرح عام 2007، ورسالة اليوم العربي للمسرح عام 2014، والذي يعتبر اجتماعكم في المهرجان على ارض الكنانة عيدًا مسرحيًا كبيرًا.
إسماعيل عبد الله: مصر التي نراها اليوم، تبعث المجد مجددًا وتتخذ المستقبل مُجدِدَا
وباسمكم عامة وباسم الهيئة العربية للمسرح أن أوجه الشكر العميق للسيد رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي لشموله هذه الدورة برعايته الكريمة، وهو الأمر الذي يؤكد أن المسرح قد أخذ مكانه في مؤشرات البناء الجديد والاعتبار المجيد للثقافة والفنون، فمصر التي نراها اليوم، تبعث المجد مجددا وتتخذ المستقبل مُجدِدَا، ونفخر بأن مهرجاننا بهذه الرعاية صورة من هذه الصور التي يشرق بها عام 2026، وأي بداية للفعل الإبداعي أجمل من مهرجان يزهو بإبداعاتكم وحضوركم وما تمنحونه لسيد الفنون من ألق، فأجمل الأعوام ذلك الذي يبدأ بكم.
وكما أنني أجد أن هذه اللحظة مناسبة مهمة لكي أبوح بما تسره نفسي من امتنان وتقدير لفنان أعطى الثقة وتابع بكل احترام وحرص كل صغيرة وكبيرة وناقش واقترح بحس الفنان المسؤول وبحس المسؤول الفنان، شكراً لفنان وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو على عطائك وجهودك ودعمك.
ومن خلالك لا بد من توجيه الشكر والتقدير لمنسق عام المهرجان الفنان (الشيخ) خالد جلال وكذلك التقدير والامتنان لأعضاء اللجنة التنسيقية من رؤساء القطاعات والهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة ومدراء المسارح والعاملين فيها للجهد الكبير الذي بذلوه في الإعداد الجيد، لتكون هذه الدورة في أبهى صورها.
هي الثالثة الثابتة التي تحتضن فيها أم الدنيا هذا المهرجان، احتضنته في أول نسخة عام 2009 وعاد إليها في عمر الحادية عشرة، وها هي تناديه في دورته السادسة عشرة، فعلاقة مصر بمهرجان المسرح العربي والمشاركين فيه علاقة الأم بأبنائها.
من أين يبدأ المفتون بكل تفاصيل هذه الدورة؟ من عروضها المتنوعة التي أبدعها فيلق من المتميزين من مختلف الأعمار والمشارب الفكرية والفنية؟ أم من سبعة عشر كوكبًا اختارتهم مصر لتكرمهم الهيئة العربية للمسرح في افتتاح المهرجان، وهم مبدعون تجاوزوا فكرة النجم ليكون كل منهم كوكبًا متفردًا، كوكبًا له مداره وأقماره.
أم من وقوف قامة سامقة عميقة الخطاب مثل دكتور سامح مهران على منصة اليوم العربي للمسرح كي يشعل للسالكين منارات الهدى.
أم من أعمال باهرة لأسماء عربية مبدعة من أجيال مسرحية مختلفة تعالج الحرية وروح الإنسان، تلك التي إذا صلحت صلح الناس وصلحت الأوطان، أم من الحضور البهي لسيدات مبدعات أثرين المشهد المسرحي المعاصر بإبداعاتهن؟
أم من محطات المعرفة التي تمثلها أبحاث الباحثين وأحكام المحكمين وآراء النقاد وإضاءات الإعلاميين؟
أم من شغف المتدربين في ورشنا الست التي نُظمت في الإسكندرية والاسماعيلية وأسوان، فكان الشباب المقبلون على المسرح وقوداً لنور يعم البلاد بفرح المهرجان.
هذه أسباب وروافع تدعم بعضها بعضًا، في خلية النحل التي بني على نسقها مهرجان المسرح العربي، الكل شريك في صناعة النجاح، ولكل عمل مهما بدى بسيطًا أهمية فائقة تكمن في أهمية الإنجاز في الوقت المحدد والجودة المرجوة، لذا أحيي من هنا كل العاملين من فنيين وتقنيين في مشاغل التجهيز وفي المسرح، الجنود المجهولين الذين يبنون بإتقان وتفان، ليبدع غيرهم ويقطف المتعة جمهور يأتي للمسرح بانتظارات عالية.
ما دلفنا إلى الممر المؤدي إلى دورة جديدة من مهرجان المسرح العربي، إلا ووجدنا أنفسنا في حالة مشاعرية عظيمة ومرهفة، فنغذ الخطى سعياً لتحقيق ما يلبي طموحاتنا جميعًا، وطموحاتنا هذه لا تعني طموحات الأشخاص، بل طموحات الهيئة بصفتها البيت الكبير للمسرحيين العرب أينما كانوا، هذا البيت الذي ينشغل في كل مشاريعه بتطلعاتهم وانتظاراتهم، ينظر واقعاً ويقرأ الممكن، ويعاين الحلم، فيبني مراكبا وينسج أشرعة ويشد أزر بحارته لخوض أصعب العواصف التي يواجهها الإنسان، ألا وهي الحالات الإبداعية الخلاقة والمجددة، وهي واحدة من أسرار المخاض الإبداعي، ولهذا تفاصيل لا تنتهي.
وتكمن أصعب الأمنيات والتفاصيل في مسألة تبدو للبعض سهلة، ألا وهي حضور المهرجان، والمساهمة في إيقاد أنواره وإشعاعه، في رسم صورته، فكل مسرحي يطمح بأن يكون صانعًا أو مشاركًا في صناعة الحدث الذي يريده كما يتمنى، ولكن! أنّى يكون لمهرجان واحد أن يضم كل المسرحيين الذين يستحقون والذين يحلمون بالأجمل؟ وندرك بكل التفهم هذه الرغبات التي تتأتى من كون الهيئة العربية للمسرح، بيت كل المسرحيين العرب، هكذا أرادها صاحب الفكرة والفضل والرؤى والمبادرات التي يكرمنا بها، وكان آخرها جائزة التميز المسرحي للشباب، والمهرجان العربي للمسرح المدرسي، المبادرتان اللتان ستنطلقان في هذا العام 2026 بإذن الله.
لكن الشيء الأجمل الذي يجعل الأمر مستساغًا، هو أن كل دورة من المهرجان تحمل كل هذه الملامح والرؤى والطموحات التي تحيط الأعمال التي تأهلت، بشكل مباشر أو غير مباشر، فكل دورة هي ابنة لزمان ومكان وإنسان، وكل دورة تربح من سابقتها وتربح من عصرها، ونحن نسعى خلف من يلتقط اللحظة ويرسم لنا طريقًا لن يكون إلا إذا مهدته خطى المسرحيين الذاهبين إلى فجر جديد.
هل المسرحيون منحازون أم محايدون؟ سؤال يواجه المسرحي ويواجه صناع المسرح في مختلف تخصصاتهم، ونحن نقول لا حياد في الحق، المسرحي ينحاز للحق، ينحاز للحرية، ينحاز للجمال، ينحاز للمعرفة، ينحاز للقيم وينحاز للدفاع عن الهُوِيَّة وينحاز لصناعة التاريخ، هذا ما ميز المسرحيين الذين خلدهم تاريخ الإبداع، فماذا يكون الحياد إذن؟
من هنا نجدد العهد، ونؤكد الوعد، بأن نكون، ولا مجال لغير أن نكون، فكلنا مسؤول، وكلنا مسؤول عن هذا المسرح الذي نريده وطنا لإنساننا الحضاري العربي الحر القادر على صناعة الغد، لإنساننا العربي الحضاري الذي يملك كل مفردات هويته ويمضي بها إلى الأمام، ونجري بمسرحنا بها كما يجري النيل بلا كلل أو ملل، يمنح الأرض طبعها وطبيعتها وطرحها ومواسمها، يمنح الإنسان قمحه، وزرعه وفرحه.
فلتبذروا المسرح في كل ساح حتى يكون في متناول يد كل إنسان، أنثروه حبًا ليلتقطه كل قلب سليم، ولينبت في الأرواح ورداً وطلعاً، انشروه نورًا في الفكرة والمعنى فنور المسرح لا يكمن في قابس كهربي، بل في قبس الجمال والدهشة والخيال، وفي قيم الإنسانية التي توحد ولا تفرق، والتي تجمع ولا تمزق والتي ترى بعين اليوم غدها، وتحرس بعين اليوم أمسها.
هنا مصر، مآذن وقباب وأهل وأحباب، ومحبة بلا حساب، هنا النكتة حالة تراجيدية يجابه بها البسطاء صعوبة الحياة، أفلا نأخذ الدرس منها، وهنا القلوب أسراب حمام، تسبح لمبدعها شدوا، ويتردد صداها في قلبي عودا.
ونحن اليوم على أرضها نسلم على أرواح زكي طليمات وجورج أبيض ويوسف بك وهبي ونجيب الريحاني وعلي الكسار، وأحمد شوقي وسيد درويش وسلامة حجازي، وأمينة رزق وشكوكو وبديع وعادل خيري، نسلم على عبد الرحمن الشرقاوي وكرم مطاوع وسعد أردش وسعد الدين وهبة وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس وسميحة أيوب وسمير سرحان وفوزي فهمي ومحمد عناني ونهاد صليحة ولينين الرملي و ألفريد فرج، نسلم على شهداء بني سويف الأبرار، ونلوح بالتحية للطالعين من النجوع والأرياف وقصور الثقافة، الزاحفين بالألوف نحو مجد المسرح في لياليه الكبيرة، المزينين الساحات بعرائس ومخايلين ولاعبي الأراجوز وشعراء الربابة، الشامخين كما مآذنها والبسطاء كما سمرة تربتها، المسبحين بمجدها والحافظين عهدها، هؤلاء هم خيرة أهلها.. المسرحيون، الذين يفتحون القلوب لإخوتهم من المسرحيين العرب، الآتين إلى مصر كما يأتي الطير عشه وأمانه.
ولأننا رهط من المؤمنين بأن المسرح قارب نجاة، فإننا نعبر عليه إلى شاطئ الأمان ونقول لمصر
مصر يَمّا يا بهية
يا ام طرحة وجلابية
الزمن شاب وانت شابة
هو رايح وانت جاية.
تضحكي للصبح يصبح
بعد ليلة ومغربية
تطلع الشمس تلاقيكي
معجبانية وصبية.