الأربعاء 11 مارس 2026

ثقافة

«كليلة ودمنة».. حكاية «القضاء والقدر»

  • 11-3-2026 | 11:20

كليلة ودمنة

طباعة
  • فاطمة الزهراء حمدي

يُعد كتاب «كليلة ودمنة» من أبرز الكتب التي تركت أثرًا عميقًا في الأدب العالمي، إذ يضم بين صفحاته مجموعة ثرية من القصص والحكم التي تحمل معاني أخلاقية وإنسانية عميقة، وقام الأديب عبد الله بن المقفع بترجمة هذا الكتاب من الفارسية إلى العربية في العصر العباسي خلال القرن الثاني الهجري، وأضاف إليه أسلوبه الأدبي الرفيع الذي أسهم في انتشار الكتاب وخلوده في التراث العربي. ويرى كثير من الباحثين أن الأصل الأول للكتاب يعود إلى التراث الهندي، قبل أن يُنقل إلى الفارسية ثم إلى العربية.

وتشير الروايات إلى أن بداية هذا الكتاب تعود إلى رغبة ملك هندي يُدعى دبشليم في التعرّف إلى الحكمة بطريقة شيقة، فطلب من الحكيم بيدبا أن يضع له كتابًا يجمع بين المتعة والفائدة، فجاءت الحكايات على ألسنة الحيوانات، في قالب قصصي جذاب يحمل بين سطوره دروسًا في الأخلاق والسياسة والحياة.

وشكلت النسخة العربية من «كليلة ودمنة» نقطة تحول مهمة في مسيرة الأدب، إذ أسهمت في انتقال هذا العمل إلى العديد من لغات العالم، كما اعتبره النقاد من أمهات كتب الأدب العربي، وعدّوه ضمن أهم المصنفات التي جمعت بين الحكمة والسرد القصصي. ويتكوّن الكتاب من عدة أبواب تضم حكايات متنوعة تعكس تجارب البشر من خلال حوارات رمزية بين الحيوانات.

وخلال شهر رمضان المبارك لعام 1447 هـ، تقدم بوابة «دار الهلال» لقرائها سلسلة يومية من قصص هذا الكتاب الخالد، لإحياء هذا التراث الأدبي الزاخر بالحكمة والعبرة. وفي حلقة اليوم نتوقف عند قصة بعنوان «القضاء والقدر».

وتحكي القصة عن أربعة شبّان اجتمعوا في طريق واحد، كانوا مختلفين في المكانة والطباع: أحدهم ابن ملك، والثاني ابن تاجر، والثالث شاب جميل من أسرة شريفة، والرابع ابن فلاح بسيط. وقد جمعهم الفقر والحاجة في أرض غريبة لا يملكون فيها شيئًا سوى ثيابهم.

وأثناء سيرهم بدأ كل واحد منهم يعرض رأيه في أفضل ما يعتمد عليه الإنسان في الحياة؛ فقال ابن الملك إن كل ما يحدث في الدنيا إنما يجري وفق القضاء والقدر، وأن الصبر وانتظار ما كتبه الله هو خير ما يفعل الإنسان. أما ابن التاجر فاعتبر أن العقل هو أعظم ما يملكه الإنسان، بينما رأى ابن الشريف أن الجمال قد يفتح لصاحبه أبوابًا كثيرة. في المقابل أكد ابن الفلاح أن الاجتهاد والعمل هما الطريق الحقيقي للعيش.

وعندما اقتربوا من مدينة تُدعى «مطرون»، اتفقوا على أن يخرج كل واحد منهم في يوم ليحصل لهم على طعامهم وفق ما يراه أفضل وسيلة. فبدأ ابن الفلاح، فبحث عن عمل حتى عرف أن الحطب نادر في تلك المدينة، فذهب وجمع كمية كبيرة منه وباعها بدرهم، اشترى به طعامًا لهم، وكتب على باب المدينة: «عمل يوم واحد إذا أجهد فيه الرجل بدنه قيمته درهم».

وفي اليوم التالي جاء دور صاحب الجمال، فدخل المدينة مترددًا، لكنه استراح تحت شجرة فغلبه النوم، فمرّ به أحد كبار القوم فأعجبه جماله وهيبته، فأعطاه خمسمائة درهم، فكتب على باب المدينة: «جمال يوم واحد يساوي خمسمائة درهم».

ثم جاء دور ابن التاجر، فاستغل ذكاءه عندما رأى سفينة مليئة بالبضائع والتجار يترددون في شرائها، فابتاع المتاع نسيئة ثم باعه لهم بربح كبير، فعاد إلى أصحابه بأموال كثيرة، وكتب: «عقل يوم واحد يساوي ثمانمائة ألف درهم».

وأخيرًا جاء دور ابن الملك، فجلس عند باب المدينة ينتظر ما يقدّره الله له. وفي تلك الأثناء توفي ملك المدينة دون وريث، فلاحظ الناس الشاب الجالس الذي لم يبدُ عليه الحزن، فقبضوا عليه ثم استدعوه للتحقيق. وعندما أخبرهم بأنه ابن ملك فرّ من بلاده بعد أن استولى أخوه على الحكم، تعرّف عليه بعض من كانوا يعرفون أباه، فرأى أهل المدينة أن يختاروه ملكًا عليهم.

وبحسب عاداتهم حملوه على فيل أبيض وطافوا به في المدينة، فمرّ ببابها ورأى ما كتبه أصحابه، فأمر أن يضاف إليه قولٌ يبين خلاصة تجربته: أن الاجتهاد والجمال والعقل كلها أسباب، لكن ما يناله الإنسان في النهاية إنما يكون بقضاء الله وقدره.

ثم استدعى أصحابه وقرّبهم إليه؛ فجعل صاحب العقل من وزرائه، وأسند إلى صاحب الاجتهاد شؤون الزراعة والعمل، وأعطى صاحب الجمال مالًا كثيرًا، ثم أبعده خشية أن يفتتن الناس به.

وختم الملك حديثه مع أهل بلاده مؤكدًا أن ما وصل إليه لم يكن بفضل جمال أو عقل أو اجتهاد وحدها، بل كان ثمرة لما قدّره الله، وأن القضاء والقدر هو العامل الحاسم الذي يسوق للإنسان ما لم يكن يتوقعه.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة