تحل ذكرى رحيل محمد عبد الوهاب، أحد أعظم رموز الموسيقى العربية، الذي ترك بصمة لا تُمحى في تاريخ الفن، بعدما خاض رحلة مليئة بالتحديات منذ طفولته حتى أصبح "موسيقار الأجيال".
وُلد محمد عبد الوهاب في 13 مارس عام 1898 بحي باب الشعرية في القاهرة، داخل أسرة متدينة كانت ترفض دخوله مجال الفن، حيث كان والده يعمل في أحد المساجد، ما دفع الأسرة لتوجيهه نحو التعليم الديني وحفظ القرآن تمهيدًا للالتحاق بالأزهر.
ورغم هذا التوجه، انجذب عبد الوهاب منذ صغره إلى الموسيقى والغناء، وبدأ في الاستماع إلى كبار المنشدين والمطربين في الموالد والأفراح، الأمر الذي قوبل برفض شديد من أسرته، التي حاولت منعه من السير في هذا الطريق.
ولم يتخلَ عن حلمه، فانضم إلى إحدى الفرق المسرحية، وبدأ الغناء بين فصول العروض مستخدمًا اسمًا مستعارًا هو “محمد البغدادي”، خوفًا من اكتشاف أسرته، لكن سرعان ما انكشف أمره، لتجبره العائلة على العودة للدراسة، إلا أنه تمسك بحلمه، حتى اضطر للهرب مع إحدى فرق السيرك لمواصلة الغناء، قبل أن يُطرد لاحقًا لرفضه القيام بأي مهام أخرى غير الغناء.
ومع مرور الوقت، وافقت أسرته على احترافه الفن بعد تدخل بعض المقربين، ليلتحق بفرقة فنية مقابل أجر بسيط، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة في حياته.
وكانت نقطة التحول الكبرى في مسيرته حين التقى بـ أحمد شوقي، الذي أُعجب بصوته وتبناه فنيًا، حيث لعب دورًا كبيرًا في صقل شخصيته، ليس فقط فنيًا، بل ثقافيًا أيضًا، إذ حرص على تعليمه أصول الحديث والمظهر، وأتاح له التعرف على كبار المثقفين والسياسيين في ذلك الوقت.
وخلال هذه المرحلة، قدم عبد الوهاب عددًا من أبرز أعماله، حيث لحّن قصائد شهيرة لشوقي، كما تعاون مع كبار نجوم الغناء في العالم العربي مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفيروز، إلى جانب مشاركته في عدد من الأفلام السينمائية التي رسخت مكانته الفنية.
واستمرت مسيرته الحافلة بالعطاء حتى رحيله في 4 مايو عام 1991، بعدما ترك إرثًا فنيًا ضخمًا جعله واحدًا من أهم أعمدة الموسيقى العربية عبر التاريخ.