تعكس المعارك الأدبية الرغبة في فرض الرؤى الجديدة أو ترسيخ الرؤى الكلاسيكية تحت دعوى المحافظة على الذات، حيث اتصفت المعارك بالخصوبة والغنى. وليست معارك عباس محمود العقاد الفكرية مما يمكن إحصاؤه، وتمثلت أبرز معاركه مع الرافعي وطه حسين وأمير الشعراء أحمد شوقي. بدا لكثيرين أن العقاد له معاييره الصارمة وآراؤه الحادة التي لا يتنازل عنها ولا يحيد عنها، إيمانًا منه بأهمية جودة المحتوى وأصالة الإبداع.
يقول: «نحن نعلم أن ما من أحد من الغلاة في التشيع للقديم يقول بأن كل قديم على علاته مفضل على كل جديد، ولو كملت له محاسن القديم وأربى عليها بفضل محاسن الجديد، كذلك نعلم أن المتشيعين للجديد لا يقولون إن ما يكتب اليوم أجمل وأبلغ مما كتب في العهد الذي نسميه قديمًا، ولو كان هذا لشيخ من شيوخ الكتاب المعدودين، وكان ذلك لناشئ من الشداة المترسمين. إن شرط الأديب عندي أن يكون مطبوعًا على القول، أي غير مقلد في معناه ولفظه، وأن يكون صاحب هبة في نفسه وعقله لا في لسانه فحسب».
**معركة الرافعي
كانت معركة العقاد مع مصطفى الرافعي من أعنف المعارك الأدبية بوجه عام؛ لأن العقاد كان له شهرته المدوية وتاريخه المعروف في الدفاع عن الرموز الإسلامية والثقافة الإسلامية الأصيلة، كما كان له في مجال الشعر قصائد ودواوين ومواقف وآراء لا يُستهان بها، ودارت المعركة حول فكرة إعجاز القرآن واللغو بين الإنسان والحيوان.
كان الرافعي، بحكم تكوينه العقلي والنفسي واتجاهه الديني الصرف، متهيئًا لأن يكون أحد عناصر العاصفة والمشاركة في إثارتها بين وقت وآخر. وكانت علاقته بالعقاد متجهة نحو التوتر منذ أصدر كتابه «تاريخ آداب العرب» (1911)، إذ أفصح العقاد عن رأيه في الرافعي بأنه «منشئ مكين... ولكنه مضطرب القياس، يُعمل القلم ولا يُعمل الرأي»، وأنه يجد بالتالي هذا التاريخ «كتاب أدب، لا تاريخ أدب». وحين صدر «إعجاز القرآن» جدد العقاد اتهامه للرافعي بـ«ضعف المنطق وفساد القياس». وموقف العقاد هذا، كناقد أو كمفكر، يمكن الدفاع عنه أو الأخذ به أو رفضه حين ينحصر في إطار الفكر والنقد، ولكنه لا يخلو من تأثر بالناحية السياسية، والرافعي هو المسؤول عن هذا التأثر؛ لأنه عمد في مقدمة الكتاب إلى الإشادة بفضل الملك «فؤاد الأول»، واعتبره «رجاء الإسلام، بل فؤاد هذا الجسم الإسلامي كله، فهو الملك الراسخ في العلم، ثم القوي بعلمه في الإيمان، ثم المتمكن بإيمانه في الفضيلة، ثم العامل بكل ما آتاه الله في سعادة هذه الأمة... بك يا مولاي رد الله على مصر ما يرد من صبح على ليل، فكان الولاة كالنجوم وكنت وحدك كالشمس».
اتخذت المسألة وجهًا سياسيًا طغى على وجوهها الأخرى طغيانًا كاملًا، ولكنه وجه لبس قناعًا من الأدب والفكر والدين. وأسفرت هذه المعركة عن كتاب للرافعي عنوانه «على السفود»، الذي نُشر في البداية على هيئة مقالات متتابعة في مجلة «العصور» لصاحبها إسماعيل مظهر. ولم يكن هذا من أنصار الرافعي، ولا من المعجبين بأدبه وفضله، ولكن خصومة العقاد ومحاولة النيل منه والحط من شأنه هي التي جمعت بين النقيضين في التفكير والاتجاه.
هذا الكتاب كُتب في فترة اتسمت باحتدام الصراعات الفكرية والأدبية، والتي أدت بدورها إلى إثراء الحياة الفكرية والثقافية في مصر والعالم العربي، وقد أشار النقاد إلى الأسباب التي دفعته إلى نشر هذه المقالات، ومنها أنه أراد أن يحرر النقد من طوق عبودية الأشخاص، وقد رمى الرافعي من خلال هذه المقالات إلى الثأر لشخصه ولكتابه «إعجاز القرآن»، الذي رماه فيه العقاد بسهم الانتحال من كتاب سعد زغلول. وقد تباينت آراء النقاد حول الحكم على الأسلوب الذي انتهجه الرافعي في كتابة هذه المقالات؛ فمنهم من استهجن هذا الأسلوب، ومنهم من استحسنه واعتبره ضربًا من ضروب الإصابة في القول، وقد وفق الكاتب في استخدامه للفظ «السفود» للإشارة إلى ما تضمنته هذه المقالات من نقد مؤلم لاذع.
**معركة طه حسين
بدأت معركة العقاد مع طه حسين من خلال «رسالة الغفران»، حول فلسفة أبي العلاء المعري، حين كتب العقاد عن الخيال في «رسالة الغفران»: «إن رسالة الغفران نمط وحدها في آدابنا العربية، وأسلوب شائق ونسق طريف في النقد والرواية، وفكرة لبقة لا نعلم أن أحدًا سبق المعري إليها، ذلك تقدير حق موجز لرسالة الغفران».
استفزت هذه الكلمة طه حسين، فكتب يقول: «ولكن الذي أخالف العقاد فيه مخالفة شديدة هو زعمه في فصل آخر أن أبا العلاء لم يكن صاحب خيال حقًّا في "رسالة الغفران"، هذا نكر من القول لا أدري كيف تورط فيه كاتب كالعقاد»، ثم أصدر بعدها «بواعث الصمت».
**معركة أحمد شوقي
معركة العقاد مع أمير الشعراء أحمد شوقي انطوت على قدرٍ كبير من القسوة، حتى إنه يكاد يخلع عنه ليس فقط إمارة الشعر، بل جنسية جمهورية الشعر، حين قال في الجزء الأول من كتاب «الديوان»: «فإذا كانت ثمة إمارة كذابة».
انتثرت تلك الحملة في عدد لا يُحصى من المجلات والصحف والكتب، على مدى ربع قرن تقريبًا، ولكن يمكن أن نعثر على مجملها ومعظم تفاصيلها في كتاب «شعراء مصر وبيئاتهم»، حيث يبين أن «شعر الصنعة ارتفع في أحمد شوقي إلى ذروته العليا، وهبط شعر الشخصية إلى حيث لا تتبين لمحة من الملامح، ولا قسمة من القسمات التي يتميز بها إنسان بين سائر الناس».
ورأى العقاد أن شعر شوقي بعيد عن أعماق الوجدان، وأنه شعر قشور وطلاء ومشاعر زائفة. ويضيف أن شعر الصنعة ليس كله على نهج واحد، فمنه ما هو زيف فارغ لا يمت إلى الطبيعة بواشجة ولا صلة، وليس فيه إلا لفظ ملفق وتقليد لا حس فيه ولا ذوق ولا براعة.
وحين تحدث العقاد عن بيئة شوقي، قال: «.. بيئة شوقي، كما سبق وقلنا: إنه واحد منها في مزاجه وخلائقه، هي بيئة الترك "الحكوميين" المتمصرين الذين مسوا التفرنج مسًّا، ولم يتغلغلوا فيه، والذين عنوا بالجامعة الدينية أشد من عنايتهم بالوطنية المصرية؛ لأنهم ينزلون من الأولى في منزلتهم، ويسوغون بها سيادتهم ورجحانهم. ولكنهم لا يجدون هذه المنزلة على أقواها وأرجحها وأعلاها في العصبية الوطنية».
وقيل في ذلك الوقت إن الخلاف بين العقاد وشوقي كان خلافًا بين تيارين وليس بين شخصين، فالتيار الذي شقه العقاد عنيف جارف، لكن شوقي هو رائد مرحلة النهضة الشعرية عبر تركيزه على محوري التجديد والابتكار، فهو عميق الشعور بما ينبغي أن يكون عليه الشعر، شديد الإيمان بضرورة الانصراف عن أبواب الشعر القديمة.
**معركة مع جماعة «أبولو»
خاض العقاد معركة ومساجلات مطولة مع جماعة «أبولو» التي أصدرت مجلة بهذا الاسم، اقتصرت على الشعر ونقده، وكان يرأسها د. أحمد زكي أبو شادي.
وحين أصدر أبو شادي مجموعته الشعرية «أنداء الفجر» في طبعتها الثانية عام 1934، وضع لها مقدمة أثنى فيها على مصطفى صادق الرافعي، وامتدح مواهبه الأدبية والفنية. وتبع الأنصار زعيمهم بالتعرض للعقاد، وراحوا يتهمونه بسرقة أشعاره وأفكاره التجديدية، ويحسبون أن المجدد الحقيقي في الشعر إنما كان عبد الرحمن شكري، دون أن يغفلوا الإشارة إلى خليل مطران والإقرار بفضله وأسبقيته. ولم يكن رأي العقاد بمطران، من الناحية الشعرية الخالصة، أعلى رتبة من رأيه بشوقي، رغم أنه لم يهاجمه ولم يتعرض له قط بما يسيء.
وانضم إلى قافلة «أبولو» إسماعيل مظهر، في مسيرتها الحثيثة للقضاء على العقاد ومجده الأدبي، كما توالى على المسرح نفسه زكي مبارك، وصالح جودت، وإبراهيم ناجي، ورمزي مفتاح، ومحمود الخولي، ومحمد علي غريب، والهمشري. وكانت صحف القاهرة في الثلاثينيات ومجلاتها الأسبوعية والشهرية: «الرسالة»، و«الثقافة»، و«الإمام»، و«الجهاد»، و«الهلال»، و«أبولو»، و«العصور»، و«الوادي»، و«الأسبوع»، و«الأخبار»... إلخ، ميدان هذه المنافرات والمناقشات والمساجلات، بالإضافة إلى الكتب التي كانت تصدر بين حين وآخر، مختصة بمنافرة أو مساجلة خاصة، مثل «العقاد في الميزان» لإسماعيل مظهر، و«رسائل النقد» لرمزي مفتاح، و«الشعر المعاصر على ضوء النقد الحديث» لمصطفى السحرتي، و«أدباء معاصرون» لحبيب الزحلاوي، وكثير غيرها.
ولا غنى عن الإشارة إلى شيء مما ورد في هذه العاصفة النقدية التي استمرت ما يربو على الثلاثين عامًا، ومن ذلك قول إسماعيل مظهر في شعر العقاد: «.. وعقيدتي الراسخة هي أنه مستحجر، شأنه في الشعر شأن بقايا الحيوانات البائدة التي تُطمر في جوف الأرض ويبدلها التفاعل الطبيعي من الحالة العضوية إلى الحالة المعدنية... وشأن العقاد في الشعر شأن هذه الحيوانات، وشعره كبقاياها».
**معركة جميل صدقي الزهاوي
وُصفت هذه المعركة الأدبية بأغرب معارك العقاد، حيث خاضها مع خصم ظل مجهولًا له وللقراء، حتى مات الخصم ومات العقاد، بل والضحية الذي وجه له العقاد سهامه، ظنًا منه أن هذا هو خصمه، وما كان بخصمه. لكن موضوع المعركة كان في قضية الشاعر بين الملكة الفلسفية العلمية والملكة الشعرية.
معركة الأب أنستاس الكرملي: فوجئ العقاد بسلسلة مقالات في مجلة «لغة العرب» تنتقد ديوانًا له، وظن العقاد أن كاتب المقالات التي نُشرت من دون اسم هو الأب أنستاس الكرملي، صاحب المجلة، وبدأ يهاجمه، كعادته إن وقع في خصومة، بقسوة وشراسة، حتى إنه اتهمه في عربيته.
**معركة نجيب محفوظ
من المعارك الأدبية أيضًا ما جرى بين عباس العقاد والأديب نجيب محفوظ، ودارت تلك المعركة في شهور عام 1945، حينما كتب العقاد، في كتاب «في بيتي»، بعضًا من آرائه، متصورًا أنه يجري حوارًا مع نفسه، وقد سألتْه نفسه عن سبب قلة الروايات في مكتبته، فقال لها إن الشعر أنفس من الرواية بكثير، وإن «محصول خمسين صفحة من الشعر الرفيع أوفر من محصول هذه الصفحات من القصة الرفيعة». وحينها رد الأديب الناشئ آنذاك نجيب محفوظ، في صرامة وحدة، معتبرًا ما كتبه الكاتب الكبير في السن والمقام، العقاد، اتهامًا موجهًا لما يكتبه شخصيًّا ويعتبره طريق حياة، حيث كتب مقالًا اسمه «القصة عند العقاد».
وفي النهاية لم يرد العقاد على نجيب محفوظ، واكتفى بالصمت، ربما عن تعالٍ واستصغار لشأن أديب ناشئ.