الثلاثاء 30 يونيو 2026

مقالات

إعادة بناء الدولة المصرية


  • 30-6-2026 | 15:21

د. محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة

طباعة
  • محمود السعيد

لم تكن ثورة 30 يونيو 2013 مجرد حدث سياسي عابر في تاريخ مصر، بل كانت ثورة شعبية صححت مسار الحكم في البلاد، ومثّلت نقطة تحول فارقة في تاريخها، حيث أعادت للدولة المصرية قدرتها على العمل والتخطيط للمستقبل، وهي القدرة التي كانت معطلة لأكثر من عامين بسبب مرور البلاد بفترة عصيبة أعقبت يناير 2011. فقد شهدت مصر خلال تلك الفترة تحديات سياسية وأمنية واقتصادية غير مسبوقة، أرهقت البلاد والعباد، وعطلت عجلة الإنتاج بسبب مطالب فئوية كانت تنظر إلى المصالح الآنية الضيقة وتتجاهل المصالح العليا للوطن.

وقد جاءت هذه الثورة المباركة استجابة لإرادة شعب مصر العظيم بهدف الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية التي عانت كثيرًا لفترة قاربت العام، وكذلك بهدف استعادة الاستقرار والأمن. وأرى أن أهم أهداف ثورة 30 يونيو تمثلت في تهيئة المناخ المناسب لبدء مرحلة جديدة من البناء والتنمية الشاملة، واستعادة دور مصر الريادي على المستويات العربية والإفريقية والدولية.
بدأت الدولة المصرية مسيرة إعادة البناء بعد تولي فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي قيادة البلاد عام 2014، وكانت تواجه وقتها إرثًا ثقيلًا من المشكلات والتحديات المتراكمة عبر عقود طويلة. فقد عانى الاقتصاد المصري لسنوات من اختلالات هيكلية مزمنة، تمثلت في ضعف القاعدة الإنتاجية، واتساع الفجوة بين الصادرات والواردات، وارتفاع معدلات البطالة، وتثبيت سعر صرف العملات الأجنبية بصورة غير واقعية للحفاظ على قيمة الجنيه، وهو ما أدى في النهاية إلى تراجع قيمته بصورة كبيرة عندما أصر صانعو السياسات النقدية على دعمه للحفاظ على سعر صرف مستقر، وهي السياسات التي خلقت سوقًا موازية للعملات الأجنبية أضرت بالاقتصاد المصري وبيئة الاستثمار فيه. كما عانى الاقتصاد من اتساع عجز الموازنة العامة وارتفاع الدين العام، وكان من أبرز أسباب ذلك التوسع في التوظيف بالقطاع العام دون حاجة فعلية إلى هذه العمالة، بما أدى إلى انتشار ظاهرة البطالة المقنعة، وانخفاض إنتاجية العديد من المؤسسات العامة، وتكبّدها خسائر كبيرة.
وفضلًا عن ذلك، شهدت البلاد قبل 2013 تراجعًا في مستويات الاستثمار وتدهورًا في البنية التحتية للعديد من القطاعات الحيوية. كما أدت الاضطرابات التي أعقبت يناير من عام 2011 إلى تفاقم هذه الأوضاع نتيجة تراجع السياحة والاستثمارات الأجنبية، وانخفاض الاحتياطي النقدي الأجنبي، وارتفاع تكلفة مواجهة التحديات الأمنية التي واجهت الدولة المصرية بعد ثورة 30 يونيو 2013.
أدركت القيادة السياسية أن مواجهة هذه التحديات الهيكلية الكبيرة لا يمكن أن تتم عبر حلول مؤقتة أو إجراءات جزئية، وإنما من خلال رؤية شاملة لإعادة بناء الدولة على أسس حديثة. ولذلك انطلقت الدولة في تنفيذ برنامج وطني واسع للإصلاح الاقتصادي والتنمية المستدامة، استهدف تحديث البنية الأساسية، وتحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز قدرة الاقتصاد على النمو وخلق فرص العمل.
وكانت نقطة البداية إطلاق رؤية مصر 2030 للتنمية المستدامة، التي أُعلنت عام 2016، باعتبارها إطارًا وطنيًا شاملًا يضم الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للتنمية. وتُعد هذه الرؤية من أهم الإنجازات التي تحققت بعد ثورة 30 يونيو، لأنها رسخت مفهوم الدولة الحديثة القائمة على التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، وسعت إلى تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية وحماية البيئة، مع التركيز على الاستثمار في الإنسان المصري باعتباره المحرك الرئيسي للتنمية.
وكانت البداية في المجال الاقتصادي، حيث شهدت مصر تنفيذ شبكة ضخمة من المشروعات القومية شملت تطوير الطرق والكباري والموانئ والمطارات وشبكات الكهرباء والطاقة، إلى جانب إنشاء المدن الجديدة، وفي مقدمتها العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة وغيرها من المجتمعات العمرانية الممتدة في مختلف أنحاء الجمهورية، من الإسكندرية إلى أسوان، ومن سيناء إلى واحة سيوة.
كما تم إطلاق برنامج الإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي عام 2016 بهدف معالجة التشوهات الهيكلية المتراكمة وتحقيق الاستقرار المالي والنقدي والسيطرة على الاختلالات في سوق الصرف. وقد أسهم البرنامج في تحسين العديد من المؤشرات الاقتصادية، مثل معدلات النمو والاستثمار وانخفاض البطالة واستقرار سوق النقد الأجنبي، وهو ما عزز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الأزمات العالمية اللاحقة.
غير أن الاقتصاد المصري واجه سلسلة من الصدمات الخارجية المتعاقبة، بدأت بجائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، ثم الحرب في غزة التي بدأت في أكتوبر 2023، فضلًا عن تداعيات النزاعات والحروب الأهلية في عدد من دول المنطقة، مثل سوريا واليمن وليبيا والسودان. وقد أدت هذه التطورات إلى موجات نزوح وهجرة واسعة، استقبلت مصر جانبًا كبيرًا منها انطلاقًا من مسؤوليتها الإنسانية والقومية، رغم ما ترتب على ذلك من أعباء اقتصادية إضافية. فاستضافت مصر أكثر من عشرة ملايين مواطن عربي وفدوا إليها طلبًا للأمن والعمل والحياة، وهو ما أدى إلى الضغط على سوق العقارات والغذاء، وزاد من حدة غلاء الأسعار. لكن مصر، طوال تاريخها الناصع، لم تغلق الباب في وجه من قصدها طلبًا للأمن والأمان.
وقد عطلت هذه الأزمات الجيوسياسية العالمية جزءًا من مسار الإصلاح الاقتصادي الذي بدأت ثماره تظهر بوضوح خلال عامي 2018 و2019، قبل أن تتعرض اقتصادات العالم كله لاضطرابات غير مسبوقة بسبب جائحة كورونا وما تلاها من أزمات دولية.
وفي البعد الاجتماعي، وتحديدًا في قطاع التعليم، شهدت مصر بعد عام 2013 طفرة غير مسبوقة، باعتبار أن التعليم يمثل أحد أهم ركائز بناء الجمهورية الجديدة. فقد توسعت الدولة في إنشاء الجامعات الحكومية والأهلية والتكنولوجية والدولية، ليتضاعف عدد الجامعات بصورة كبيرة تقترب من ثلاثة أضعاف ما كان عليه الوضع قبل عام 2013، وهو ما أسهم في زيادة فرص التعليم الجامعي وتحسين جودته وربطه باحتياجات سوق العمل.
كما تم تطوير المناهج الدراسية وفق معايير حديثة تركز على التفكير النقدي والإبداع واستخدام التكنولوجيا، إلى جانب التوسع في التحول الرقمي داخل المؤسسات التعليمية وتطوير البنية التكنولوجية للمدارس والجامعات. كذلك أولت الدولة اهتمامًا كبيرًا بالتعاون الدولي في مجال التعليم والبحث العلمي من خلال عقد شراكات مع جامعات ومؤسسات أكاديمية عالمية مرموقة، بما يعزز من تنافسية التعليم المصري على المستوى الدولي.
كما أطلقت الدولة المصرية في ديسمبر 2014 الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد بهدف تعزيز النزاهة والشفافية في المؤسسات الحكومية، وكان قطاع التعليم العالي والبحث العلمي من أكثر القطاعات التزامًا بتنفيذ تلك الاستراتيجية، حيث عملت الجامعات المصرية على ترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة داخل مؤسساتها. وفي إطار تنفيذ الاستراتيجية، قامت الجامعات المصرية بتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل الجامعات، من خلال إطلاق استراتيجيات متخصصة، أبرزها استراتيجية جامعة القاهرة للذكاء الاصطناعي، بغرض دعم كفاءة اتخاذ القرار وتعزيز قدرات الرصد والتحليل والتنبؤ. وقامت العديد من الجامعات بتحديث لوائحها وتقديم برامج أكاديمية حديثة ومتخصصة تتوافق مع احتياجات سوق العمل، وتطوير التخصصات البينية وربط التعليم بأهداف التنمية المستدامة. وقامت عدة جامعات بتأسيس شركات جامعية في إطار قانون حوافز العلوم والتكنولوجيا والابتكار رقم 23 لسنة 2018، وذلك بغرض ربط المخرجات البحثية بالصناعة، حيث أصبح بالإمكان استثمار هذه المخرجات اقتصاديًا من خلال هذه الشركات.
وقد انعكست هذه الجهود في صورة تقدم ملحوظ لمصر ولجامعاتها في التصنيفات الدولية، وزيادة معدلات النشر العلمي الدولي، وارتفاع حجم التعاون البحثي مع الجامعات العالمية، فضلًا عن التوسع في برامج التبادل الأكاديمي والحراك الطلابي.
وفي قطاع الصحة، الذي يُعد أيضًا من أهم قطاعات البعد الاجتماعي، أطلقت الدولة واحدة من أكبر عمليات التطوير الصحي في تاريخها الحديث. فقد تم إنشاء وتطوير المستشفيات والمراكز الطبية ووحدات الرعاية الصحية الأساسية في مختلف المحافظات، كما أطلقت العديد من المبادرات الرئاسية الناجحة، وفي مقدمتها مبادرة «100 مليون صحة» ومبادرة القضاء على فيروس سي والأمراض غير السارية، التي حققت نجاحًا عالميًا وأصبحت نموذجًا يُحتذى به دوليًا.
كما شملت الجهود مبادرات للكشف المبكر عن الأورام السرطانية، والعناية بصحة الأم والجنين، والقضاء على قوائم انتظار العمليات الجراحية الحرجة، بما ساهم في تحسين جودة الخدمات الصحية وتوسيع نطاق الاستفادة منها. وفي الوقت نفسه، بدأت الدولة تنفيذ منظومة التأمين الصحي الشامل بهدف توفير خدمات صحية متكاملة وعالية الجودة لجميع المواطنين، مع رفع كفاءة الكوادر الطبية وتطوير البنية التحتية الصحية بما يتناسب مع احتياجات المجتمع المصري.
أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد نجحت الدبلوماسية المصرية بعد يونيو 2013 في استعادة مكانة مصر الإقليمية والدولية خلال سنوات قليلة. فقد انتهجت الدولة سياسة خارجية متوازنة تقوم على تنويع الشراكات الدولية والانفتاح على مختلف القوى العالمية، بما يحقق المصالح الوطنية المصرية ويحافظ على استقلال القرار الوطني.
كما عززت مصر حضورها داخل القارة الإفريقية، وعادت بقوة إلى دوائرها العربية والإفريقية والمتوسطية، ولعبت أدوارًا محورية في معالجة العديد من الأزمات الإقليمية والدفاع عن قضايا الأمن والاستقرار في المنطقة. فعلى سبيل المثال، لعبت مصر دورًا مهمًا في دعم الاستقرار في ليبيا من خلال التمسك بالحل السياسي والحفاظ على وحدة الدولة الليبية ومؤسساتها الوطنية، وإطلاق مبادرات للحوار بين الأطراف المختلفة، من أبرزها «إعلان القاهرة». كما شاركت الشركات المصرية بفاعلية في جهود إعادة الإعمار والتنمية.
وفي القضية الفلسطينية، بذلت مصر جهودًا سياسية وإنسانية كبيرة لوقف التصعيد وتقديم المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني، وتمسكت بموقفها الرافض لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم، والداعم لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية.
وتؤكد هذه النماذج الحضور الفعال والمتميز لمصر عربيًا وإفريقيًا ودوليًا، وهو ما عزز مكانتها الدولية وزاد من الثقة العالمية في قدرتها على القيام بدور مؤثر في محيطها الإقليمي والدولي.
ورغم ما واجهته مصر خلال السنوات الأخيرة من تحديات عالمية استثنائية، بدءًا من جائحة كورونا وصولًا إلى الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة، فإن الدولة المصرية استطاعت الحفاظ على تماسك مؤسساتها واستمرار تنفيذ مشروعاتها التنموية، وهو ما يعكس حجم التحول الذي شهدته البلاد منذ عام 2014.
ومن ثم، يمكن القول إن ثورة 30 يونيو لم تكن مجرد لحظة سياسية فارقة في تاريخ مصر الحديث، بل كانت بداية لمرحلة جديدة من إعادة بناء الدولة وتعزيز قدراتها الاقتصادية والتنموية، وتطوير منظومتي التعليم والصحة، واستعادة دورها الإقليمي والدولي، بما يرسخ أسس الجمهورية الجديدة ويهيئ الأجيال القادمة لمستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة