الخميس 2 يوليو 2026

مقالات

فتاة أسيوط.. الأزمة أكبر من امتحان الكيمياء

  • 2-7-2026 | 19:14
طباعة

في كل موسم للثانوية العامة، يتكرر المشهد نفسه، امتحان ينتهي، وآراء متباينة بين من يراه سهلًا ومن يصفه بالصعب، ثم تبدأ حالة الجدل المعتادة على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن هذا العام لم يتوقف الحديث عند مستوى امتحان الكيمياء، بل امتد إلى خبر مؤلم هز قلوب الجميع بعد وفاة طالبة من محافظة أسيوط، لتتحول ورقة الامتحان في نظر البعض إلى المتهم الأول.

لكن هل يمكن حقًا أن يكون امتحان، مهما بلغت صعوبته، سببًا كافيًا لإنهاء حياة إنسان؟ أم أننا نبحث عن أسهل إجابة بينما نتجاهل المشكلة الحقيقية؟.

هذا السؤال أعادني سنوات إلى الوراء، عندما كنت طالبًا في الثانوية الأزهرية، ودخلت القسم العلمي الذي يجمع بين "علمي علوم" و"علمي رياضة" في نظام واحد، وليس قسمين منفصلين كما هو معمول به في التربية والتعليم، وكانت الدراسة بالفعل مرهقة إلى أبعد الحدود، لم أكن من أصحاب المجاميع الكبيرة، لكنني كنت أحب المواد العلمية وأتعامل معها بشغف رغم صعوبتها.

الاستثناء الوحيد كان الكيمياء العضوية، كانت بالنسبة لي أكثر أجزاء المنهج تعقيدًا وثقلًا، ولم أحضر فيها درسًا واحدًا، ولم أعتمد على أي مراجعات خارجية، بل كنت أذاكر من كتاب الوزارة فقط، ومع ذلك انتهت المرحلة مثلها مثل غيرها، ولم تكن نهاية العالم، لهذا أجد صعوبة في الاقتناع بأن امتحانًا واحدًا، أو مادة بعينها، يمكن أن تكون وحدها السبب في مثل هذه النهاية المأساوية، الامتحان قد يكون الشرارة الأخيرة، لكنه بالتأكيد ليس الحكاية كلها.

في رأيي، هناك ما هو أخطر من ورقة الأسئلة، هناك ضغوط تتراكم على الطالب قبل الامتحان بسنوات، وخوف من الفشل يُزرع في نفوس بعض الأبناء، وشعور بأن المستقبل كله مرهون بدرجات امتحان واحد، وأحيانًا قسوة أسرية أو مجتمعية تجعل الطالب يرى أن التعثر في الامتحان يعني التعثر في الحياة.

لذلك لا أرى أن اختزال القضية في وزير التربية والتعليم أو في امتحان الكيمياء وحده يضعنا أمام الحقيقة، من حق أي شخص أن يختلف أو ينتقد أداء الوزير، لكن تحميله مسؤولية كل حادثة انتحار هو تبسيط لمشكلة أكثر تعقيدًا، آلاف الطلاب دخلوا الامتحان نفسه في اليوم نفسه، فلماذا تحولت المأساة إلى حالة فردية؟ هذا هو السؤال الذي يستحق أن نبحث له عن إجابة.

إذا كنا فعلًا نريد ألا يتكرر هذا المشهد كل عام، فلا بد أن يكون التعامل مع القضية مختلفًا، نحن لا نتحدث عن واقعة فردية، وإنما عن ظاهرة تستحق الدراسة والوقوف أمامها، خاصة مع تكرار الحديث كل عام عن الضغوط النفسية التي يعيشها طلاب الثانوية العامة.

الحل في رأيي لن يأتي من وزارة التربية والتعليم وحدها، لأن القضية أكبر من امتحان وأكبر من منهج دراسي، نحن أمام مسؤولية مجتمع كامل، وكل مؤسسة لديها دور يمكن أن تقوم به.

داخل المدارس، يجب ألا يقتصر دورها على شرح المناهج والاستعداد للامتحانات، بل يمتد إلى الدعم النفسي للطلاب، واكتشاف من يمرون بحالة من القلق أو الضغط قبل أن تتفاقم الأمور، وجود الأخصائي الاجتماعي والنفسي لا ينبغي أن يكون مجرد وظيفة على الورق، وإنما جزءًا أساسيًا من المنظومة التعليمية.

أما الأسرة، فهي خط الدفاع الأول، كثير من الأبناء لا يخشون الامتحان بقدر ما يخشون رد فعل المنزل إذا تعثروا، عندما يشعر الطالب أن قيمته مرتبطة بالمجموع فقط، يتحول الامتحان إلى معركة حياة أو موت، بينما المطلوب أن يظل البيت هو المكان الذي يمنحه الأمان، سواء نجح أو أخفق.

وللإعلام أيضًا دور لا يقل أهمية، ليس فقط في نقل أخبار الامتحانات، وإنما في تصحيح الأفكار المغلوطة التي تجعل الثانوية العامة تبدو وكأنها الفرصة الوحيدة في الحياة، من المهم أن يرى الطلاب نماذج ناجحة سلكت طرقًا مختلفة، وأن يسمعوا دائمًا أن المستقبل لا يتوقف على رقم في شهادة.

كما أن الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف والكنيسة المصرية يمكن أن يكون لهم دور مؤثر في ترسيخ قيمة الحفاظ على النفس، والتأكيد على أن الابتلاءات والضغوط جزء من الحياة، وأن اليأس ليس حلًا، وأن الإنسان دائمًا أمامه فرصة جديدة مهما كانت الصعوبات.

ولا يمكن إغفال دور الفن والسينما والمسرح والدراما، فهي تمتلك قدرة كبيرة على الوصول إلى الشباب، وتستطيع أن تقدم رسائل مؤثرة عن التعامل مع الفشل والضغوط النفسية بعيدًا عن الوعظ المباشر، لأن الأعمال الفنية كثيرًا ما تترك أثرًا لا تتركه عشرات الندوات.

وربما يكون من المفيد أيضًا إطلاق حملات توعية سنوية قبل انطلاق امتحانات الثانوية العامة، تشارك فيها الوزارات والمؤسسات المعنية، وتقدم رسائل دعم للطلاب وأولياء الأمور معًا، لأن الضغط لا يقع على الطالب وحده، بل تعيشه الأسرة بأكملها.

في النهاية، لا أعتقد أن امتحان الكيمياء هو من يقتل، ولا أن ورقة الأسئلة وحدها تدفع طالبًا إلى إنهاء حياته، ما يحدث غالبًا هو نتيجة تراكمات طويلة من الخوف والضغط والقلق وسوء التعامل مع الفشل، وإذا أردنا علاج المشكلة، فعلينا أولًا أن نمتلك شجاعة الاعتراف بأن الأزمة أعمق من امتحان، وأكبر من وزير، وأوسع من مادة دراسية.

رحم الله فتاة أسيوط، وغفر لها، وألهم أهلها الصبر والسلوان، وأتمنى أن تكون هذه الواقعة بداية لمراجعة حقيقية، حتى لا نفقد في كل عام حلمًا جديدًا كان يستحق فرصة أخرى للحياة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة