في أول مهمة ميدانية خارج نطاق القاهرة منذ تأسيسه، نفذ بيت التراث المصري التابع لقطاع صندوق التنمية الثقافية بوزارة الثقافة، زيارة ميدانية إلى مدينة فُوّه بمحافظة كفر الشيخ، لتوثيق حرفة الكليم اليدوي، وذلك ضمن جهوده في حصر وتوثيق عناصر التراث الثقافي غير المادي وفق منهجية علمية تستند إلى معايير اتفاقية اليونسكو لصون التراث الثقافي غير المادي.
وجاءت الزيارة استجابةً لطلب مقدم من المجتمع المحلي بمدينة فُوّه، من خلال النائب محمد عبد العليم داود عضو مجلس النواب، بهدف توثيق الحرفة والاستماع إلى ممارسيها ورصد أوضاعها والتحديات التي تواجهها، باعتبارها إحدى الحرف المصرية الأصيلة المرتبطة بالهوية الثقافية للمدينة.
وأكدت الدكتورة فاطمة مصطفى، مدير بيت التراث المصري، أن المهمة تمثل بداية مرحلة جديدة في عمل البيت بالتوسع في استهداف المحافظات المختلفة، للوصول إلى المجتمعات الحاملة للتراث في بيئاتها الأصلية، انطلاقًا من أن محافظات مصر تزخر بعناصر ثرية ومتنوعة من التراث الثقافي غير المادي تستحق الحصر والتوثيق والصون، وأوضحت أن بيت التراث حرص على تنفيذ المهمة بفريقه البحثي كاملًا، في إطار بناء خبرات ميدانية متكاملة للباحثين، وتطبيق منهجية الحصر القائم على المجتمع المحلي وفق معايير اليونسكو، باعتبارها الركيزة الأساسية التي تنطلق منها جميع إجراءات صون التراث.
وأضافت أن الزيارة أسفرت عن توثيق ثلاثة عناصر مترابطة هي الكليم اليدوي، والحرام، والنول، بما يتيح إعداد ملفات علمية مستقلة لكل عنصر، تمهيدًا لإتاحتها ضمن قاعدة البيانات الوطنية التي يعمل بيت التراث على إنشائها لتكون مرجعًا موثقًا للباحثين والدارسين والجهات المعنية بالتراث الثقافي غير المادي.
وأوضحت أن التوثيق لا يمثل غاية في حد ذاته، وإنما يشكل نقطة الانطلاق لوضع خطط علمية لصون عناصر التراث الثقافي غير المادي، ونقلها إلى الأجيال الجديدة، ورفع الوعي بها، والاستفادة من نتائج الحصر في إعداد البرامج التعليمية والأفلام الوثائقية والمواد المعرفية، مؤكدة أن نجاح جهود الصون يبدأ من الوصول إلى الممارسين وتوثيق معارفهم وخبراتهم في مواقعها الأصلية.
من جانبه، أكد أحمد الديب، أحد أبناء مدينة فُوّه والمبادرين إلى الزيارة، أن الكليم الفوهي يمثل جزءًا أصيلًا من التراث المصري، وأن توثيقه يمنح الحرفة مرجعًا علميًا معتمدًا يعزز حضورها أمام المؤسسات البحثية والثقافية، ويفتح المجال لحفظ تاريخها ونقل خبراتها للأجيال المقبلة.
وأشار إلى أن مدينة فُوّه، بما تضمه من رصيد معماري وتراثي، تمتلك مقومات تؤهلها لتكون مركزًا رئيسيًا للحرف التقليدية، لافتًا إلى أن الحرفة تواجه تحديات تتعلق بتراجع أعداد الممارسين وارتفاع متوسط أعمارهم وضعف انتقال الخبرة إلى الشباب، وهو ما يتطلب تعزيز التمكين الاقتصادي للحرفيين، وتوسيع فرص التسويق، وتشجيع مشاركة المرأة، وإعادة تقديم هوية الكليم الفوهي باعتباره منتجًا يحمل قيمة ثقافية واقتصادية في آن واحد.
كما أكد أن أبناء المدينة يعملون على إطلاق مبادرات مجتمعية لدعم الحرفة، من بينها إنشاء منصة للتعريف بالكليم الفوهي وربط الحرفيين بالأسواق، مشيرًا إلى أن التعاون مع بيت التراث المصري يمثل خطوة مؤسسية مهمة نحو بناء شراكات أوسع تسهم في حماية الحرفة واستدامتها.
بدوره، أوضح أحمد داود أن الاهتمام بتوثيق الكليم الفوهي جاء انطلاقًا من الحاجة إلى إنقاذ إحدى الصناعات التراثية التي تواجه تحديات حقيقية، مؤكدًا أن التوثيق ينبغي أن يكون بداية لمسار متكامل يشمل تطوير التسويق، وتنظيم المعارض، وإشراك المؤسسات المعنية في دعم الحرفيين وخلق فرص اقتصادية مستدامة لهم.
وأضاف أن التحدي الأكبر يتمثل في ضعف العائد الاقتصادي للحرفة وغياب الأجيال الجديدة عنها، وهو ما يستدعي تكاتف الجهات الحكومية والمجتمع المدني لوضع خطة عملية للنهوض بالصناعة، وتعزيز حضورها في الأسواق المحلية والدولية، بما يضمن استمرارها كحرفة حية تسهم في دعم الاقتصاد المحلي والحفاظ على الهوية الثقافية لمدينة فُوّه.
وشهدت المهمة لقاءات موسعة مع الحرفيين داخل الورش، وتوثيق مراحل صناعة الكليم والخامات المستخدمة وتقنيات النسيج، إلى جانب تسجيل الروايات الشفوية المرتبطة بالحرفة، في إطار بناء قاعدة معرفية تسهم في صون التراث الثقافي غير المادي، وتدعم استمراريته بوصفه جزءًا من الذاكرة الثقافية المصرية.