الأحد 16 اغسطس 2026

مقالات

دعوة تستحق التأمل

  • 16-8-2026 | 13:37
طباعة

في قلب كلمة رئيس المنظمة العربية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة «الأرابوساي»، بمناسبة اليوبيل الذهبي للمنظمة، تكمن دعوة تستحق وقفة تأمل متأنية، وهي الانتقال من منهجية الرقابة اللاحقة التي تكتفي برصد الانحرافات بعد وقوعها ومحاسبة المسؤولين عنها، إلى منهجية استشرافية قائمة على تحليل المخاطر والاتجاهات ودعم صناع القرار.

وهذه العبارة، على إيجازها، تختزل تحولًا مفاهيميًا عميقًا في فهم وظيفة الرقابة المالية ذاتها، وتستحق تفكيكها بعناية.

فالرقابة اللاحقة، كما تمارس تقليديًا في معظم الأجهزة العربية، تقوم على منطق «التفتيش بعد الفعل»، إذ تراجع الحسابات الختامية، وتدقق العقود المنفذة، وترصد المخالفات بعد أن تكون قد استنزفت المال العام أو أثرت في كفاءة المرفق العام. وتؤدي هذه الرقابة وظيفة مهمة في الكشف عن المخالفات وتصحيحها ومساءلة المسؤولين عنها، كما يمكن أن تسهم في اتخاذ إجراءات تأديبية أو قانونية عند الاقتضاء.

وهذا النمط له قيمته الردعية بلا شك، لكنه يعاني من تحدٍّ بنيوي جوهري، فهو يصل دائمًا متأخرًا؛ إذ يكون الضرر قد وقع، والموارد قد استُنزفت، والفرصة لتصحيح المسار قبل تفاقم الأزمة قد ضاعت. إنها رقابة «شرطة المرور» التي تصل بعد وقوع الحادث لتحرير المخالفة، لا رقابة «هندسة الطرق» التي تعمل على منع وقوع الحادث أصلًا.

في المقابل، تقترح المنهجية الاستشرافية نموذجًا مختلفًا جذريًا، وهي رقابة تستبق الخطر بدلًا من أن تلاحق أثره. وتحليل المخاطر يعني تحديد نقاط الضعف المحتملة في الأنظمة المالية والإدارية قبل أن تتحول إلى مخالفات فعلية، سواء عبر تقييم هشاشة الإجراءات الرقابية الداخلية، أو رصد القطاعات الأكثر عرضة لمخاطر الفساد، أو تحليل المؤشرات المالية غير الطبيعية في الوقت الحقيقي.

أما تحليل الاتجاهات، فيستدعي أدوات مختلفة تمامًا عن أدوات التدقيق التقليدي، فالبيانات الضخمة، والنمذجة الإحصائية، وربما الذكاء الاصطناعي، يمكن أن تؤدي دورًا متزايد الأهمية في تحليل أنماط الإنفاق العام عبر الزمن، واكتشاف الانحرافات التدريجية قبل أن تتحول إلى أزمات مكتملة.

أما الشق الثالث في الدعوة، وهو «دعم صناع القرار»، فهو الأكثر إثارة للجدل من الناحية المفاهيمية. فالرقابة التقليدية تحافظ على مسافة نقدية عن السلطة التنفيذية؛ فهي جهة تراقب من الخارج ولا تشارك في صناعة القرار، حفاظًا على حيادها واستقلاليتها.

أما حين تتحول الرقابة إلى «داعم» لصناع القرار، فإن الحدود الفاصلة بين الدور الرقابي المستقل والدور الاستشاري تصبح أقل وضوحًا. ومن المشروع أن تزود الأجهزة الرقابية الحكومات بتحليلات استباقية تساعدها على تفادي الأزمات وتحسين كفاءة إدارة الموارد العامة، لكن يبقى السؤال قائمًا: كيف تحافظ هذه الأجهزة على استقلاليتها ومصداقيتها كجهة رقابية إذا أصبحت شريكًا في تقديم الرأي والتحليل المرتبط بالقرار الذي قد تطالب لاحقًا بمراجعته أو تقييم نتائجه نقديًا؟

وهذا التوتر بين الشراكة الاستباقية والاستقلالية الرقابية ليس تفصيلًا هامشيًا، بل هو أحد أكثر التحديات دقة في تطبيق هذه الرؤية. ومن ثم، فإن نجاح هذا التحول يتطلب وضوحًا مؤسسيًا في تحديد الأدوار، بما يضمن الاستفادة من الخبرة الرقابية في دعم متخذي القرار، مع الحفاظ في الوقت ذاته على استقلالية الأجهزة الرقابية وموضوعيتها وقدرتها على ممارسة اختصاصاتها الرقابية باستقلال وتجرد.

وثمة أيضًا بُعد عملي لا يمكن تجاهله. فالانتقال من رقابة تعتمد على مراجعة المستندات والحسابات إلى رقابة تعتمد على تحليل المخاطر والبيانات يتطلب تحولًا مهمًا في الكفاءات البشرية المطلوبة داخل الأجهزة الرقابية. فالمدقق التقليدي المتمرس في قراءة القوائم المالية ومطابقة المستندات ليس بالضرورة مؤهلًا لبناء نماذج تنبؤية أو تفسير مؤشرات المخاطر الإحصائية، وهو ما يعني أن المنهجية الجديدة تستدعي توسيع قاعدة المهارات والخبرات لتشمل مجالات تحليل البيانات، والإحصاء، والنمذجة، والتقنيات الرقمية الحديثة.

وهذا يعني أن الدعوة، لكي تتجاوز حدود الخطاب، تحتاج إلى استثمار طويل الأمد في التدريب والتأهيل، وربما إلى تطوير معايير التوظيف والتخصصات المطلوبة داخل هذه الأجهزة، بما يتناسب مع طبيعة المهام الرقابية الجديدة، ويعزز قدرتها على التعامل مع التطورات المتسارعة في الإدارة المالية والرقمية.

وفي النهاية، تحمل هذه الدعوة رؤية طموحة ومبررة تاريخيًا؛ فالرقابة التي تكتفي بمعالجة أخطاء الماضي دون المساهمة في تفادي أخطاء المستقبل تهدر جزءًا كبيرًا من قيمتها المحتملة. غير أن تحويل هذه الرؤية إلى واقع عملي يتطلب بنية تحتية رقمية متطورة، وكفاءات بشرية جديدة، واستثمارًا مستمرًا في التدريب والتأهيل، وإطارًا مؤسسيًا واضحًا يحمي استقلالية الرقابة، حتى وهي تقترب أكثر من دوائر صنع القرار.

وبذلك لا يكون التحول من الرقابة اللاحقة إلى الرقابة الاستشرافية مجرد تغيير في أدوات وأساليب العمل، وإنما انتقالًا أعمق نحو رقابة أكثر قدرة على استباق المخاطر، وتحسين كفاءة استخدام الموارد العامة، وتعزيز جودة الإدارة المالية، ودعم متخذي القرار بالمعلومات والتحليلات التي تساعد على اتخاذ قرارات أكثر كفاءة، مع الحفاظ على جوهر الرقابة المتمثل في الاستقلالية والموضوعية والمساءلة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة