الثلاثاء 18 اغسطس 2026

ثقافة

أنيس منصور.. أديب الصحافة وصحفي الفلاسفة

  • 18-8-2026 | 14:47

أنيس منصور

طباعة
  • همت مصطفى

في قرية «نوب طريف» الهادئة، إحدى قرى محافظة الدقهلية شرق دلتا النيل، وُلد في 18 أغسطس 1924 طفل سيصبح واحدًا من أبرز الأسماء في الصحافة والفكر العربي خلال القرن العشرين إنه  أنيس محمد منصور.

طفولة بين القرآن والتفوق
كانت البداية مع كتّاب القرية، حيث حفظ القرآن الكريم كاملاً وهو في التاسعة من عمره، وحفظ إلى جانبه آلاف الأبيات من الشعر العربي والأجنبي. حكى لاحقًا عن تلك المرحلة وحكاياتها في كتابه «عاشوا في حياتي».

الأول على مستوى طلاب مصر جميعًا

لم يكن تفوق أنيس منصور وليد الصدفة؛ فقد أنهى دراسته الثانوية في مدينة المنصورة وكان الأول على مستوى طلاب مصر جميعًا، حتى إن مدرّسيه كانوا يعفونه من حصص الرياضة قائلين له: «بلاش كلام فارغ، انتبه لدروسك ومذاكرتك، الأولاد دول بايظين»، لإدراكهم أنه صاحب مستقبل استثنائي.

من قسم الفلسفة إلى صالون العقاد
التحق أنيس منصور بكلية الآداب في جامعة القاهرة برغبته الخاصة، واختار قسم الفلسفة الذي تفوّق فيه ونال شهادة الليسانس عام 1947م، عمل بعدها مدرّسًا للفلسفة الحديثة في جامعة عين شمس بين عامي 1954م  و1963م، ثم عاد للتدريس فيها مجددًا عام 1975م.

 ولكن نقطة التحول الحقيقية في حياته الفكرية كانت حضوره صالون الأديب عباس محمود العقاد، الذي فتح له بابًا على عالم جديد من الفكر والأدب، وواجه من خلاله جيل عمالقة الثقافة المصرية أمثال طه حسين وتوفيق الحكيم وسلامة موسى، وثّق تلك التجربة في كتابه «في صالون العقاد كانت لنا أيام».

رحلة في عالم الصحافة
بدأ أنيس منصور مشواره الصحفي في مؤسسة «أخبار اليوم» متتلمذًا على يد مؤسسيها مصطفى وعلي أمين، قبل أن ينتقل إلى «الأهرام» بين عامي 1950 و1952م ورغم ميله الأصيل إلى الأدب والفلسفة أكثر من العمل الصحفي البحت، ظل في أخبار اليوم حتى عام 1976م، حين كلّفه الرئيس محمد أنور السادات بتأسيس مجلة «أكتوبر»، فتولى رئاسة تحريرها ورئاسة مجلس إدارة دار المعارف حتى عام 1984.

كان  أنيس منصور من أصغر رؤساء التحرير في مصر، إذ تولى المنصب قبل بلوغه الثلاثين، وتنقّل بين عدد من أعرق المؤسسات الصحفية، وترأس تحرير مجلات عدة منها: الجيل، هي، آخر ساعة، العروة الوثقى، مايو، كاريكاتير، والكاتب،  واشتهر بمقاله اليومي «مواقف» في جريدة الأهرام، إلى جانب عموده في صحيفة الشرق الأوسط، وبأسلوب بسيط استطاع من خلاله إيصال أعقد الأفكار الفلسفية إلى القارئ العادي.

القرب من السلطة
كان أنيس منصور من أقرب المقربين للرئيس السادات، ورافقه في زيارته التاريخية إلى القدس عام 1977م، كما رافق الرئيس مبارك في زيارته الوحيدة إلى كندا عام 1983م، وقد أثار قربه الشديد من مركز القرار قلق البعض، الذين استحضروا تجربة العلاقة بين الرئيس عبد الناصر والكاتب محمد حسنين هيكل كمثال على مخاطر الاقتراب الزائد من السلطة.

وعلى الرغم من هذه المكانة، وُصف بأنه لم يكن متكبرًا، بل جمعت شخصيته بين تواضع خاص وثقة عالية بالنفس، وهي سمة يُرجّح تأثره فيها بعلاقته المبكرة بالعقاد.

رجل اللغات التسع
أتقن «منصور» عدة لغات أجنبية إلى جانب العربية، منها الإنجليزية والألمانية والإيطالية واللاتينية والفرنسية والروسية، بل وتعلّم العبرية في مرحلة متأخرة من عمره. وقد مكّنته هذه الموهبة اللغوية من الاطلاع المباشر على ثقافات متعددة، وترجمة نحو 9 مسرحيات وخمس روايات و12 كتابًا لفلاسفة أوروبيين إلى العربية، كما ترجمت أعماله هو إلى لغات أوروبية عديدة، أبرزها الإنجليزية والإيطالية.

 الأديب طه حسين:  أنيس منصور بأنه «أكبر قارئ في العالم العربي»

وصف الأديب طه حسين، الأديب والصحفي  أنيس منصور بأنه «أكبر قارئ في العالم العربي»، فلم يكن يكتفي بترجمة ما يقرأ من مصادر أجنبية، بل كان يستوعبه تمامًا ثم يعيد صياغته بعقل الفيلسوف المفكر، مضيفًا إليه رؤيته الخاصة.

أنيس منصور أديب الرحلات
شكّل السفر جانبًا أساسيا من حياة أنيس منصور، فزار عشرات الدول حول العالم وأصبح من رواد أدب الرحلات العربي، من خلال كتب مثل «حول العالم في 200 يوم» (الأكثر انتشارًا بين مؤلفاته)، و«اليمن ذلك المجهول»، و«أنت في اليابان»، و«بلاد الله لخلق الله»، و«غريب في بلاد غريبة»، و«أعجب الرحلات في التاريخ».

وخاض أنيس منصور مجال الكتابة عمّا وراء الطبيعة في فترة لاقت رواجًا واسعًا بين القراء، عبر كتب مثل «الذين هبطوا من السماء»، و«الذين عادوا إلى السماء»، و«لعنة الفراعنة».

عادات غريبة وإنتاج غزير
عُرف عن أنيس منصور أنه كان يكتب في الرابعة فجرًا فقط، حافي القدمين، مرتديًا البيجاما، ولا يكتب نهارًا على الإطلاق،  كان ينام ساعات قليلة جدًا ويعاني من الأرق، ويخشى دائمًا الإصابة بالبرد.

مؤلفات أديب الصحافة أنيس منصور 

بلغ إنتاج أنيس منصور  الأدبي نحو 200 كتاب، غطّت الفلسفة والأدب والصحافة والسياسة والاجتماع والتاريخ وقضايا المرأة، عاش أنيس منصور حياة ثرية في دنيا الكتابة والتأليف، وترك رصيدًا كبيرًا من المؤلفات التي تنوعت بين الأدب والفكر والفلسفة والرحلات

 ومن مؤلفات أنيس منصور .. «عاشوا في حياتي»، «دعوة للابتسام»، «الكبار يضحكون أيضًا»، «الذين هبطوا من السماء»، «الذين عادوا إلى السماء»، «زي الفل»، «في صالون العقاد كانت لنا أيام»، «من أول السطر»، «يا نور النبي»، «إنها كرة الندم»، «نحن أولاد الغجر»، «الوجودية»، «يسقط الحائط الرابع»، «كرسي على الشمال»، «قالوا»، «يا صبر أيوب»، «يوم بيوم»، «كل شيء نسبي»، «أرواح وأشباح»، «حول العالم في 200 يوم»، «أعجب الرحلات في التاريخ»، «لأول مرة»، «هناك فرق»، «اللهم إني سائح»، «الحب والفلوس والموت وأنا»

 ومن مؤلفات «منصور» أيضًا «كائنات فوق»، «شارع التنهدات»، «الرئيس قال لي وقلت أيضًا»، «شبابنا الحيران»، «على رقاب العباد»، «ولكني أتأمل»، «لعنة الفراعنة»، «هناك أمل»، «آه لو رأيت»، «تولد النجوم وتموت»، «اقرأ أي شيء»، «مصباح لكل إنسان»، «أحب وأكره»، «لعل الموت ينسانا»، «ثم ضاع الطريق»، «لعلك تضحك»، «عبد الناصر المفترى عليه والمفترى علينا»، «إلا فاطمة»، «القلب يدق أبدًا»، «من نفسي»، «ساعات بلا عقارب»، «أوراق على شجر»، «شباب شباب»، «مذكرات شاب غاضب»، «مذكرات شابة غاضبة»، «قل لي يا أستاذ»، «كتاب عن كتب»، «وجع في قلب إسرائيل»، «وداعًا أيها الملل»، «في تلك هؤلاء العظماء ولدوا معًا»، «عزيزي فلان»، «الخالدون المئة»، و«معنى الكلام».

 مؤلفات وقصص على الشاشات 

وتحولت بعض مؤلفات أنيس منصور إلى مسلسلات تليفزيونية، من بينها: «ومن الذي لا يحب فاطمة»، «حقنة بنج»، «اتنين.. اتنين»، «عريس فاطمة»، «غاضبون وغاضبات»، «هي وغيرها»، «هي وعشاقها»، «العبقري»، «القلب أبدًا يدق»، و«يعود الماضي يعود»، و تحوّل بعضها إلى أفلام سينمائية، من بينها «آسف للإزعاج».

ولم تقتصر تجربة أنيس منصور على التأليف، بل امتدت إلى عالم الترجمة، حيث نقل إلى العربية العديد من الكتب والمؤلفات الأدبية، فترجم أكثر من 9 مسرحيات بلغات مختلفة، وحوالي 5 روايات، ونحو 12 كتابًا لفلاسفة أوروبيين، كما ألّف أكثر من 13 مسرحية باللغة العربية

الحياة الزوجية
تزوج أنيس منصور من رجاء منصور، التي كان لها- دون علمها- دور في ثورة 23 يوليو 1952، إذ كان خالاها من الضباط الأحرار يستخدمانها لكتابة المنشورات السرية بخط يدها لصغر سنها آنذاك.

روى  أنيس منصور أن ملفاته الأمنية لعبت دورًا في تيسير زواجه، حين اطّلع عليها بطلب من الرئيس السادات فوجد أنها تضخّم قصص النكات والعلاقات العاطفية المنسوبة إليه، وهو ما بدّد قلق أسرة زوجته. ورغم اعتراض جمال عبد الناصر مبدئيًا على الزواج، أتم الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل مراسم الخطبة وشهد عقد القران. واختار الزوجان عدم الإنجاب، في قرار وصفه منصور بأنه خفّف من صعوبات الحياة الزوجية.

الجوائز والتكريم .. ثمار الرحلة
نال أنيس منصور عددًا كبيرًا من الجوائز والأوسمة،منها:

  • جائزة مبارك في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة عام 2001.
  • الجائزة التشجيعية من المجلس رعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية عام 1963.
  • جائزة الدولة التقديرية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة، عام 1981.
  • جائزة الإبداع الفكري لدول العالم الثالث، عام 1981.
  • جائزة مبارك في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة، عام 2001.
  • الدكتوراه الفخرية من جامعة المنصورة.
  • جائزة الفارس الذهبي من التليفزيون المصري أربع سنوات متتالية.
  • جائزة كاتب الأدب العلمي الأول من أكاديمية البحث العلمي.
  • فاز بلقب الشخصية الفكرية العربية الأولى من مؤسسة السوق العربية في لندن.
  • لقب كاتب المقال اليومي الأول في أربعين عامًا ماضية.
  • جائزة الإبداع الإعلامي العربي من الملتقى الإعلامي العربي الخامس بالكويت
  • وتخليدًا لمكانة الأديب الكبير أنيس منصور ، أُقيم له تمثال في مدينة المنصورة.

رحيل وأثر باق 
توفي أنيس منصور صباح يوم الجمعة الموافق 21 أكتوبر 2011، عن عمر ناهز 87 عامًا، بمستشفى الصفا في حي المهندسين، بعد تدهور حالته الصحية إثر إصابته بالتهاب رئوي حاد وشرخ في فقرات الظهر استدعى وضعه على جهاز التنفس الصناعي. وكان حريصًا حتى أيامه الأخيرة على إتمام كتابة مذكراته.

أُقيمت جنازته يوم السبت التالي في مسجد عمر مكرم بعد صلاة الظهر، ودُفن في مدافن الأسرة بمصر الجديدة، 

 أنيس منصور «موسوعة بشرية متنقلة»

 ورحل أنيس منصور بعد أن عاصر ثلاثة عهود سياسية في مصر: الملكية، وحكم عبد الناصر الذي تأذّى منه، وحكم السادات الذي كان مقربًا منه، لم يكن مجرد كاتب صحفي مشهور، لكنه  كان- كما وصفه معاصروه- «موسوعة بشرية متنقلة»، وفيلسوفًا ومفكرًا متعدد المواهب، ترك بصمة عميقة في الوجدان الثقافي العربي على مدى عقود.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة