الثلاثاء 8 سبتمبر 2026

عرب وعالم

الكونغو تشدد قبضتها على البيانات الجيولوجية لتعزيز نفوذها في سوق المعادن الحيوية

  • 8-9-2026 | 13:45

الكونغو

طباعة
  • دار الهلال

تخطط جمهورية الكونغو الديمقراطية لتشديد سيطرتها على البيانات الجيولوجية التي توجه استثمارات بمليارات الدولارات في أنشطة التنقيب، في خطوة قد توسع نفوذ الدولة على تطوير الاكتشافات المستقبلية من المعادن الحيوية.

وتسرع كينشاسا حاليا برامج المسح الجيولوجي والجوي ورقمنة الأرشيفات التاريخية، بهدف إنشاء قاعدة بيانات جيولوجية وطنية شاملة لموارد البلاد من المعادن الحيوية والحد من مخاطر الاستكشاف، بحسب تقارير لوسائل إعلام محلية.

وقال راؤول وازينجا فيتيما، المدير العام للمسح الجيولوجي الوطني للكونغو، إن برنامجا وطنيا لرسم الخرائط الجيولوجية اكتسب زخما هذا العام بعد بدء تنفيذ عقد بقيمة 180 مليون دولار مع شركة «إكسكاليبر» الإسبانية المتخصصة في رسم خرائط البيانات الجيولوجية في يناير الماضي.

وأضاف أن المشروع يأتي ضمن عدة برامج للمسح الجيولوجي تمولها الحكومة وعائدات قطاع التعدين وشركاء دوليون، على أن تدمج نتائجها في قاعدة البيانات الوطنية المتوقع أن تصبح جاهزة للعمل بالكامل بنهاية 2026.

وعلى خلاف دول تعدين كبرى مثل أستراليا، تعتزم الكونغو الإبقاء على التحكم في الوصول إلى قاعدة البيانات بيد الدولة وفرض رسوم على بعض المعلومات. وستتم دراسة طلبات الوصول استنادا إلى احتياجات المستثمرين وفي الوقت نفسه حماية «المصالح الاستراتيجية» للبلاد.

وقال فيتيما إن "البيانات الناتجة عن هذه البرامج تمثل أصلا استراتيجيا للدولة الكونغولية".

وتعد الكونغو أكبر منتج للكوبالت في العالم وثاني أكبر مورد للنحاس، كما تمتلك احتياطيات كبيرة من الليثيوم والتنتالوم والذهب، لكنها لا تزال من أقل مناطق التعدين الكبرى استكشافا، إذ تشير تقديرات المسح الجيولوجي الوطني إلى أن عمليات الاستكشاف المنهجية لا تغطي سوى نحو 20% من مساحة البلاد.

ويشمل مشروع «إكسكاليبر» مسح أكثر من 700 ألف كيلومتر مربع باستخدام تقنيات الجيوفيزياء الجوية والبيانات الرقمية والتحليلات المتقدمة، بهدف تحديد أهداف جديدة للتنقيب وفتح مساحات شاسعة غير مستكشفة أمام الاستثمار.

وبحسب بيانات مؤسسة "ستاندرد آند بورز" العالمية للخدمات المالية، ارتفع الإنفاق على الاستكشاف في الكونغو بعد انتهاء الحرب الأهلية التي دارت بين 1998 و2003، ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 389.2 مليون دولار في 2012 مقارنة مع 57 مليون دولار في 2005. وبلغ الإنفاق على الاستكشاف 130.7 مليون دولار في 2024، وهو الأعلى في أفريقيا، لكنه ظل متركزا بصورة كبيرة في حزام النحاس والكوبالت في لوالابا وأوت كاتانجا.

ومن المقرر أن تعمل قاعدة البيانات الجديدة بنظام وصول متعدد المستويات، بحيث تتاح المعلومات الجيولوجية الأساسية مجانا، فيما يخضع الوصول إلى مجموعات البيانات الأكثر حساسية لرسوم، على أن تستخدم الإيرادات في تمويل مزيد من أعمال الاستكشاف والمسح.

وتأتي هذه الخطوة في وقت أصبحت فيه الكونغو في قلب المنافسة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين على تأمين إمدادات المعادن الحيوية، بعدما أبرمت كل من واشنطن وبكين اتفاقات منفصلة مع كينشاسا لتعزيز التعاون في القطاع.

وأكد فيتيما أن قاعدة البيانات لا تهدف إلى تفضيل الصين أو الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن استراتيجية الكونغو تركز على تنويع قاعدة المستثمرين وتطبيق قواعد الوصول ذاتها على جميع الشركات بغض النظر عن منشئها.

ويرى مسؤولون في قطاع التعدين أن تشديد السيطرة على البيانات الجيولوجية قد يسمح لكينشاسا بالتأثير بصورة أكبر في وجهة رؤوس أموال الاستكشاف وتحديد المواقع التي يمكن أن تشهد مستقبلا تطوير رواسب جديدة من النحاس والكوبالت والجرمانيوم وغيرها من المعادن الحيوية.

وقال مارك جيسيل، أستاذ الجيولوجيا والجيوفيزياء في جامعة أستراليا الغربية، إن «السيطرة على البيانات الجيولوجية أصبحت بصورة متزايدة أداة استراتيجية للسياسات»، مضيفا أنها لا تؤثر فقط على ما تستخرجه الدول اليوم، بل أيضا على ما يمكن أن تكتشفه وتطوره مستقبلا.

وارتفعت احتياطيات الكونغو من الكوبالت بأكثر من 76% بين عامي 2000 و2025 إلى نحو ستة ملايين طن، بما يزيد على نصف الاحتياطيات العالمية المعروفة، وفقا للمسح الجيولوجي الأميركي.

وقال جان جاك كاييمبي موفوانكولو، رئيس مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية في الكونغو، إن نظاما شفافا يقوم على معايير موضوعية يمكن أن يقلل الميزة المعلوماتية التي تتمتع بها الشركات القائمة بالفعل في البلاد، ويجذب قاعدة أكثر تنوعا من المستثمرين، ويعزز موقف كينشاسا التفاوضي.

وأضاف مويس ليبوتو ماكوتا، رئيس برنامج الصناعات الاستخراجية في معهد حوكمة الموارد الطبيعية بالكونغو، أن امتلاك بيانات جيولوجية شاملة يسمح للحكومة بالتفاوض بناء على المعرفة بدلا من التقديرات، ما قد ينعكس في صورة اتفاقات أفضل وإيرادات أكبر للخزانة العامة.

ولا تعد الكونغو الدولة الوحيدة التي تتحرك لتعزيز سيطرتها على المعلومات الجيولوجية، إذ تتخذ كندا والسعودية خطوات مماثلة في إطار توجه أوسع للتعامل مع بيانات المعادن باعتبارها بنية تحتية استراتيجية وطنية.

وكانت الكونغو قد أظهرت بالفعل قدرتها على التأثير في أسواق المعادن العالمية من خلال التدخل الحكومي، بعدما فرضت حظرا على صادرات الكوبالت في فبراير 2025 عندما تراجعت الأسعار إلى أدنى مستوى في نحو عقد، قبل أن تطبق لاحقا نظام حصص، ما ساهم في تحول السوق من الفائض إلى العجز ورفع أسعار المعدن.

ويرى محللون ومسؤولون في قطاع التعدين أن السيطرة على المعلومات الجيولوجية قد تكون أكثر أهمية على المدى الطويل من القيود على الصادرات، نظرا إلى دورها في تحديد مسار الاستثمارات والاكتشافات المستقبلية وسلاسل إمداد المعادن الحيوية.

لكن بعض العاملين في القطاع يفضلون نموذجا أكثر انفتاحا للبيانات، معتبرين أن سهولة الوصول إلى المعلومات تعزز الشفافية وتشجع استثمارات التعدين.

وقال فيتيما إن الاختبار الحقيقي للنظام الجديد سيكون في كيفية تحقيق التوازن بين اعتبار البيانات أصلا استراتيجيا للدولة وضمان تطبيق قواعد الوصول إليها بصورة عادلة وشفافة على جميع المستثمرين.

.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة