الأربعاء 14 اكتوبر 2026

مقالات

أرض‭ ‬الفيروز‭ .. ‬بوابة‭ ‬مصر‭ ‬الشرقية

  • 10-10-2026 | 14:56
طباعة

سيناء‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬رقعة‭ ‬جغرافية‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬الشمال‭ ‬الشرقي‭ ‬من‭ ‬مصر‭, ‬وليست‭ ‬مجرد‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬تفصل‭ ‬بين‭ ‬قارتي‭ ‬أفريقيا‭ ‬وآسيا‭, ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬أصيل‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬المصري‭, ‬وامتداد‭ ‬طبيعي‭ ‬وجغرافي‭ ‬وحضاري‭ ‬لوادي‭ ‬النيل‭, ‬وبوابة‭ ‬مصر‭ ‬الشرقية‭ ‬التي‭ ‬عبر‭ ‬منها‭ ‬القادمون‭ ‬إلى‭ ‬مصر‭, ‬كما‭ ‬خرج‭ ‬منها‭ ‬المصريون‭ ‬في‭ ‬رحلاتهم‭ ‬وحملاتهم‭ ‬إلى‭ ‬بلاد‭ ‬الشام‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭, ‬ارتبط‭ ‬تاريخ‭ ‬سيناء‭ ‬بتاريخ‭ ‬مصر‭ ‬ارتباطًا‭ ‬وثيقًا‭ ‬منذ‭ ‬أقدم‭ ‬العصور‭, ‬حتى‭ ‬غدت‭ ‬أرضها‭ ‬سجلًا‭ ‬مفتوحًا‭ ‬يحفظ‭ ‬صفحات‭ ‬متتابعة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬الدولة‭ ‬المصرية‭, ‬بما‭ ‬شهده‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬وحضارة‭ ‬وتجارة‭ ‬وحروب‭ ‬وانتصارات‭.‬

وعلى‭ ‬رمال‭ ‬سيناء‭ ‬وجبالها‭ ‬ووديانها،‭ ‬تداخلت‭ ‬مسارات‭ ‬المصري‭ ‬القديم‭ ‬والأنبياء‭ ‬والرحالة‭ ‬والحجاج‭ ‬والجيوش‭ ‬والتجار،‭ ‬وتعاقبت‭ ‬عليها‭ ‬الحضارات‭ ‬والأديان،‭ ‬فكانت‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أرضًا‭ ‬للمقدسات،‭ ‬وممرًا‭ ‬للقوافل،‭ ‬وطريقًا‭ ‬للجيوش،‭ ‬ودرعًا‭ ‬يحمي‭ ‬مصر‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬الشرق‭. ‬ولذلك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬غريبًا‭ ‬أن‭ ‬تحتل‭ ‬سيناء‭ ‬مكانة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭ ‬المصري،‭ ‬وأن‭ ‬تصبح‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬رمزًا‭ ‬للصمود‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬الوطن،‭ ‬كما‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬عنوانًا‭ ‬للبطولة‭ ‬والتضحية‭ ‬واسترداد‭ ‬الأرض‭.‬

سيناء‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الفرعوني‭: ‬أرض‭ ‬الفيروز‭ ‬ودرع‭ ‬مصر‭ ‬الشرقي‭:‬

يمتد‭ ‬الوجود‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬سيناء‭ ‬إلى‭ ‬عصور‭ ‬موغلة‭ ‬في‭ ‬القدم،‭ ‬وتؤكد‭ ‬الآثار‭ ‬والنقوش‭ ‬والمواقع‭ ‬التعدينية‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬عمق‭ ‬الصلة‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬المصرية‭ ‬القديمة‭ ‬وسيناء‭. ‬فقد‭ ‬أدرك‭ ‬المصريون‭ ‬منذ‭ ‬وقت‭ ‬مبكر‭ ‬القيمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاستراتيجية‭ ‬لهذه‭ ‬المنطقة،‭ ‬ولم‭ ‬ينظروا‭ ‬إليها‭ ‬باعتبارها‭ ‬صحراء‭ ‬هامشية‭ ‬تفصل‭ ‬مصر‭ ‬عن‭ ‬جيرانها،‭ ‬وإنما‭ ‬باعتبارها‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المجال‭ ‬الحيوي‭ ‬للدولة‭ ‬المصرية‭.‬

وكانت‭ ‬سيناء‭ ‬غنية‭ ‬بالموارد‭ ‬الطبيعية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الفيروز‭ ‬والنحاس،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الملوك‭ ‬المصريين‭ ‬إلى‭ ‬إرسال‭ ‬البعثات‭ ‬التعدينية‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬مثل‭ ‬سرابيط‭ ‬الخادم‭ ‬ووادي‭ ‬المغارة؛‭ ‬حيث‭ ‬عُثر‭ ‬على‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬النقوش‭ ‬التي‭ ‬تؤرخ‭ ‬لهذه‭ ‬الرحلات‭ ‬وتكشف‭ ‬عن‭ ‬اهتمام‭ ‬الدولة‭ ‬المصرية‭ ‬المنظمة‭ ‬باستثمار‭ ‬ثروات‭ ‬المنطقة‭.‬

وقد‭ ‬ارتبط‭ ‬اسم‭ ‬سيناء‭ ‬في‭ ‬المصادر‭ ‬المصرية‭ ‬القديمة‭ ‬بالفيروز،‭ ‬حتى‭ ‬عُرفت‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬الحديثة‭ ‬باسم‭ "‬أرض‭ ‬الفيروز‭"‬،‭ ‬وأصبحت‭ ‬مناطق‭ ‬التعدين‭ ‬فيها‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالمؤسسة‭ ‬الملكية‭ ‬وبالمعتقدات‭ ‬الدينية‭ ‬المصرية‭. ‬وكانت‭ ‬البعثات‭ ‬التي‭ ‬تتوجه‭ ‬إلى‭ ‬سيناء‭ ‬تضم‭ ‬العمال‭ ‬والحرفيين‭ ‬والجنود‭ ‬والكتبة‭ ‬والكهنة،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬طبيعة‭ ‬التنظيم‭ ‬الإداري‭ ‬والعسكري‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬الدولة‭ ‬المصرية‭ ‬تستخدمه‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬مواردها‭ ‬وتأمين‭ ‬طرق‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭.‬

ولم‭ ‬يكن‭ ‬النشاط‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬سيناء‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬ذا‭ ‬طبيعة‭ ‬عسكرية‭ ‬واستراتيجية‭ ‬واضحة‭. ‬فموقع‭ ‬سيناء‭ ‬جعلها‭ ‬تمثل‭ ‬الجبهة‭ ‬الشرقية‭ ‬لمصر،‭ ‬ولذلك‭ ‬اهتم‭ ‬المصريون‭ ‬منذ‭ ‬الدولة‭ ‬القديمة‭ ‬والوسطى‭ ‬والحديثة‭ ‬بتأمين‭ ‬الطرق‭ ‬المؤدية‭ ‬إليها،‭ ‬ومراقبة‭ ‬حركة‭ ‬الجماعات‭ ‬والقوافل‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬الشرق‭.‬

وفي‭ ‬عصر‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص،‭ ‬أصبح‭ ‬الطريق‭ ‬الساحلي‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬سيناء‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬دفاعية‭ ‬متكاملة،‭ ‬واشتهر‭ ‬في‭ ‬المصادر‭ ‬باسم‭ ‬‭"‬طريق‭ ‬حورس‭"‬،‭ ‬وهو‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬امتد‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬شرق‭ ‬الدلتا‭ ‬باتجاه‭ ‬غزة‭ ‬وبلاد‭ ‬الشام،‭ ‬وارتبط‭ ‬بسلسلة‭ ‬من‭ ‬الحصون‭ ‬ونقاط‭ ‬المياه‭ ‬ومحطات‭ ‬الإمداد‭. ‬وقد‭ ‬أسهم‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الحدود‭ ‬الشرقية،‭ ‬كما‭ ‬استخدمته‭ ‬الجيوش‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬حملاتها‭ ‬العسكرية‭ ‬نحو‭ ‬بلاد‭ ‬الشام‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬سيناء‭ ‬كانت‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المصريين‭ ‬القدماء‭ ‬البوابة‭ ‬التي‭ ‬تحمي‭ ‬مصر‭ ‬من‭ ‬الشرق،‭ ‬والطريق‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬مصر‭ ‬بالعالم‭ ‬الآسيوي‭. ‬ومن‭ ‬خلالها‭ ‬تحركت‭ ‬جيوش‭ ‬الملوك‭ ‬المصريين‭ ‬في‭ ‬عصور‭ ‬القوة‭ ‬الإمبراطورية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬تحتمس‭ ‬الثالث‭ ‬ورمسيس‭ ‬الثاني‭ ‬وغيرهما‭ ‬من‭ ‬ملوك‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭.‬

وهكذا‭ ‬تبلورت‭ ‬منذ‭ ‬العصور‭ ‬الفرعونية‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬وظائف‭ ‬سيناء‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬المصري‭: ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول‭ ‬عن‭ ‬وادي‭ ‬النيل‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬الشرق،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬جسر‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬وآسيا‭.‬

سيناء‭ ‬في‭ ‬العصرين‭ ‬اليوناني‭ ‬والروماني‭: ‬بين‭ ‬التجارة‭ ‬والمقدسات

مع‭ ‬انتقال‭ ‬مصر‭ ‬إلى‭ ‬العصرين‭ ‬اليوناني‭ ‬والروماني،‭ ‬لم‭ ‬تفقد‭ ‬سيناء‭ ‬أهميتها،‭ ‬بل‭ ‬ظلت‭ ‬محتفظة‭ ‬بموقعها‭ ‬الجغرافي‭ ‬والاستراتيجي،‭ ‬واستمرت‭ ‬طرقها‭ ‬في‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬وبلاد‭ ‬الشام‭ ‬وشبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭.‬

وكانت‭ ‬القوافل‭ ‬التجارية‭ ‬تعبر‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬سيناء،‭ ‬حاملة‭ ‬السلع‭ ‬والبضائع‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬المراكز‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬كما‭ ‬ارتبطت‭ ‬سيناء‭ ‬بالموانئ‭ ‬والطرق‭ ‬البحرية‭ ‬والبرية‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬مصر‭ ‬مركزًا‭ ‬مهمًا‭ ‬للتجارة‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬أهمية‭ ‬سيناء‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬اقتصادية‭ ‬وعسكرية‭ ‬فحسب،‭ ‬إذ‭ ‬بدأت‭ ‬المنطقة‭ ‬تكتسب‭ ‬أهمية‭ ‬دينية‭ ‬وروحية‭ ‬متزايدة،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬انتشار‭ ‬المسيحية‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬خلال‭ ‬القرون‭ ‬الأولى‭ ‬للميلاد‭.‬

فقد‭ ‬جذبت‭ ‬جبال‭ ‬سيناء‭ ‬عددًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬النساك‭ ‬والرهبان‭ ‬الذين‭ ‬وجدوا‭ ‬في‭ ‬طبيعتها‭ ‬الجبلية‭ ‬والصحراوية‭ ‬مكانًا‭ ‬مناسبًا‭ ‬للعزلة‭ ‬والتعبد‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الزمن،‭ ‬تحولت‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مراكز‭ ‬الرهبنة‭ ‬المسيحية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭.‬

ويأتي‭ ‬دير‭ ‬سانت‭ ‬كاترين‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬المعالم‭ ‬الدينية‭ ‬والتاريخية‭ ‬التي‭ ‬تجسد‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭. ‬وقد‭ ‬شُيد‭ ‬الدير‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬الميلادي‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الإمبراطور‭ ‬البيزنطي‭ ‬جستنيان،‭ ‬عند‭ ‬سفح‭ ‬جبل‭ ‬سيناء،‭ ‬ليصبح‭ ‬عبر‭ ‬القرون‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬الأديرة‭ ‬المسيحية‭ ‬التي‭ ‬استمرت‭ ‬الحياة‭ ‬الرهبانية‭ ‬فيها‭ ‬بصورة‭ ‬متصلة‭.‬

ولا‭ ‬تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬الدير‭ ‬في‭ ‬قيمته‭ ‬الدينية‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬ثروته‭ ‬التاريخية‭ ‬والثقافية،‭ ‬إذ‭ ‬حفظت‭ ‬مكتبته‭ ‬ومخطوطاته‭ ‬ومقتنياته‭ ‬جانبًا‭ ‬مهمًا‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬المسيحي‭ ‬والإنساني‭. ‬كما‭ ‬ارتبط‭ ‬الدير‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الإسلامية‭ ‬بما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالعهدة‭ ‬النبوية،‭ ‬وهي‭ ‬وثيقة‭ ‬تُنسب‭ ‬إلى‭ ‬النبي‭ ‬محمد‭ ‬ﷺ‭ ‬وتتضمن‭ ‬أمانًا‭ ‬لرهبان‭ ‬الدير‭ ‬وحمايتهم‭.‬

وهكذا‭ ‬أصبحت‭ ‬سيناء‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬ملتقى‭ ‬للطرق‭ ‬التجارية‭ ‬والعسكرية‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬ومركزًا‭ ‬روحيًا‭ ‬ودينيًا‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أضفى‭ ‬عليها‭ ‬طابعًا‭ ‬حضاريًا‭ ‬فريدًا‭.‬

سيناء‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الإسلامي‭: ‬طريق‭ ‬الفتح‭ ‬والحج

مع‭ ‬دخول‭ ‬الإسلام‭ ‬إلى‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬الميلادي،‭ ‬دخلت‭ ‬سيناء‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬تاريخها‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬عبور‭ ‬القوات‭ ‬الإسلامية‭ ‬لشبه‭ ‬جزيرة‭ ‬سيناء‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬سلكه‭ ‬جيش‭ ‬عمرو‭ ‬بن‭ ‬العاص‭ ‬في‭ ‬فتح‭ ‬مصر،‭ ‬وكانت‭ ‬العريش‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المواقع‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬بهذه‭ ‬المرحلة‭.‬

وقد‭ ‬أسهم‭ ‬دخول‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬أهمية‭ ‬سيناء‭ ‬باعتبارها‭ ‬حلقة‭ ‬اتصال‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬وبلاد‭ ‬الشام‭ ‬وشبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية،‭ ‬وأصبحت‭ ‬طرقها‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬شبكة‭ ‬الطرق‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬الأقاليم‭ ‬الإسلامية‭ ‬بعضها‭ ‬ببعض‭.‬

وفي‭ ‬العصر‭ ‬الإسلامي،‭ ‬اكتسبت‭ ‬سيناء‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬بسبب‭ ‬ارتباطها‭ ‬بطريق‭ ‬الحج‭ ‬المصري‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الحجاج‭ ‬القادمون‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬وشمال‭ ‬أفريقيا‭ ‬يسلكون‭ ‬الطريق‭ ‬عبر‭ ‬سيناء‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬الأراضي‭ ‬المقدسة،‭ ‬ولذلك‭ ‬أصبحت‭ ‬حماية‭ ‬طرق‭ ‬الحج‭ ‬وتأمين‭ ‬المياه‭ ‬والمحطات‭ ‬والقلاع‭ ‬من‭ ‬المهام‭ ‬الأساسية‭ ‬للدول‭ ‬الإسلامية‭ ‬المتعاقبة‭.‬

وقد‭ ‬اهتمت‭ ‬الدول‭ ‬المتعاقبة،‭ ‬من‭ ‬الطولونيين‭ ‬والفاطميين‭ ‬والأيوبيين‭ ‬والمماليك‭ ‬إلى‭ ‬العثمانيين،‭ ‬بتأمين‭ ‬هذه‭ ‬الطرق،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬سيناء‭ ‬كانت‭ ‬منطقة‭ ‬مفتوحة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتعرض‭ ‬فيها‭ ‬القوافل‭ ‬للأخطار‭.‬

وفي‭ ‬العصر‭ ‬الأيوبي،‭ ‬ازدادت‭ ‬أهمية‭ ‬سيناء‭ ‬العسكرية‭ ‬بسبب‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬الصليبيين‭. ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬الشواهد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬قلعة‭ ‬صلاح‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬فرعون‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬طابا،‭ ‬التي‭ ‬ارتبط‭ ‬بناؤها‭ ‬بالجهود‭ ‬الأيوبية‭ ‬لتأمين‭ ‬خليج‭ ‬العقبة‭ ‬والطرق‭ ‬المؤدية‭ ‬إلى‭ ‬بلاد‭ ‬الشام‭ ‬والحجاز،‭ ‬ومواجهة‭ ‬النشاط‭ ‬الصليبي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬المملوكي،‭ ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬سيناء‭ ‬جزءًا‭ ‬مهمًا‭ ‬من‭ ‬شبكة‭ ‬الطرق‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬مصر‭ ‬بالحجاز‭ ‬والشام،‭ ‬وتعددت‭ ‬المنشآت‭ ‬والمحطات‭ ‬التي‭ ‬تخدم‭ ‬القوافل‭ ‬والحجاج‭ ‬والتجار‭.‬

وهكذا‭ ‬احتفظت‭ ‬سيناء‭ ‬خلال‭ ‬العصر‭ ‬الإسلامي‭ ‬بوظائفها‭ ‬التاريخية‭ ‬الأساسية‭: ‬ممرًا‭ ‬استراتيجيًا،‭ ‬وطريقًا‭ ‬للتجارة،‭ ‬ومسارًا‭ ‬للحج،‭ ‬وخطًا‭ ‬دفاعيًا‭ ‬عن‭ ‬مصر‭.‬

سيناء‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭: ‬من‭ ‬ولاية‭ ‬حدودية‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬الصراع‭ ‬الدولي

مع‭ ‬دخول‭ ‬مصر‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬ظل‭ ‬موقع‭ ‬سيناء‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬حاضرًا‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬حسابات‭ ‬الدولة‭ ‬المصرية‭ ‬والقوى‭ ‬الدولية‭. ‬وقد‭ ‬شهدت‭ ‬المنطقة‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي‭ ‬تطورات‭ ‬إدارية‭ ‬وسياسية‭ ‬وعسكرية‭ ‬مهمة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬باشا‭ ‬وأسرته،‭ ‬مع‭ ‬ازدياد‭ ‬اهتمام‭ ‬الدولة‭ ‬المركزية‭ ‬بتأمين‭ ‬حدودها‭ ‬وتنظيم‭ ‬طرق‭ ‬المواصلات‭ ‬والتجارة‭.‬

ومع‭ ‬ازدياد‭ ‬الأطماع‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬ازدادت‭ ‬أهمية‭ ‬سيناء‭ ‬بسبب‭ ‬موقعها‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬وبلاد‭ ‬الشام،‭ ‬وكذلك‭ ‬بسبب‭ ‬قربها‭ ‬من‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬التي‭ ‬افتتحت‭ ‬للملاحة‭ ‬عام‭ ‬1869م،‭ ‬فتحولت‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬المجال‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬المرتبط‭ ‬بحماية‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬ومداخل‭ ‬مصر‭ ‬الشرقية‭.‬

وخلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ (‬1914-1918م‭)‬،‭ ‬أصبحت‭ ‬سيناء‭ ‬مسرحًا‭ ‬للعمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬بين‭ ‬القوات‭ ‬البريطانية‭ ‬والقوات‭ ‬العثمانية،‭ ‬ثم‭ ‬شهدت‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ (‬1939-1945م‭) ‬تحركات‭ ‬عسكرية‭ ‬مهمة‭ ‬ضمن‭ ‬الصراع‭ ‬الذي‭ ‬دار‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬أفريقيا‭.‬

لكن‭ ‬التحول‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬سيناء‭ ‬الحديث‭ ‬ارتبط‭ ‬بالصراع‭ ‬العربي‭ ‬الإسرائيلي‭.‬

ففي‭ ‬عام‭ ‬1956م‭ ‬تعرضت‭ ‬مصر‭ ‬للعدوان‭ ‬الثلاثي‭ ‬البريطاني‭ ‬الفرنسي‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬وكانت‭ ‬سيناء‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مسارح‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الاحتلال‭ ‬المؤقت‭ ‬لبعض‭ ‬مناطقها،‭ ‬انتهت‭ ‬الأزمة‭ ‬بانسحاب‭ ‬القوات‭ ‬المعتدية،‭ ‬وظلت‭ ‬سيناء‭ ‬جزءًا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬المصرية‭.‬

ثم‭ ‬جاءت‭ ‬حرب‭ ‬يونيو‭ ‬1967م،‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬فيها‭ ‬مصر‭ ‬لهزيمة‭ ‬عسكرية‭ ‬ووقعت‭ ‬سيناء‭ ‬تحت‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭. ‬وكانت‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬من‭ ‬أصعب‭ ‬المراحل‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬المصري‭ ‬الحديث،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬احتلال‭ ‬سيناء‭ ‬مجرد‭ ‬خسارة‭ ‬لأرض،‭ ‬وإنما‭ ‬كان‭ ‬تحديًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬لسيادة‭ ‬الدولة‭ ‬المصرية‭ ‬وأمنها‭ ‬القومي‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الشعب‭ ‬المصري‭ ‬والقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬المصرية‭ ‬لم‭ ‬يتعاملا‭ ‬مع‭ ‬الاحتلال‭ ‬باعتباره‭ ‬أمرًا‭ ‬واقعًا‭ ‬دائمًا،‭ ‬وإنما‭ ‬بدأت‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬النضال‭ ‬العسكري‭ ‬والسياسي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحرير‭ ‬الأرض‭.‬

حرب‭ ‬الاستنزاف‭: ‬مصر‭ ‬ترفض‭ ‬الاحتلال

بعد‭ ‬عام‭ ‬1967م،‭ ‬بدأت‭ ‬حرب‭ ‬الاستنزاف‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬مرحلة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬المصرية‭ ‬ورفع‭ ‬الروح‭ ‬المعنوية‭ ‬للمصريين،‭ ‬كما‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬استنزاف‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬وإثبات‭ ‬أن‭ ‬الاحتلال‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬مستقرًا‭ ‬أو‭ ‬دائمًا‭.‬

وشهدت‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬عمليات‭ ‬عسكرية‭ ‬وبطولات‭ ‬عديدة‭ ‬للجنود‭ ‬المصريين‭ ‬على‭ ‬الجبهة،‭ ‬كما‭ ‬شهدت‭ ‬معارك‭ ‬جوية‭ ‬وبحرية‭ ‬وبرية،‭ ‬وكان‭ ‬الهدف‭ ‬الأساسي‭ ‬هو‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الضغط‭ ‬العسكري‭ ‬على‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬والاستعداد‭ ‬لمعركة‭ ‬التحرير‭.‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬حرب‭ ‬الاستنزاف‭ ‬مرحلة‭ ‬إعداد‭ ‬نفسي‭ ‬وعسكري‭ ‬وسياسي‭ ‬للحظة‭ ‬التي‭ ‬طال‭ ‬انتظارها؛‭ ‬لحظة‭ ‬العبور‭.‬

السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973م‭: ‬عبور‭ ‬التاريخ‭ ‬إلى‭ ‬النصر

وفي‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬عام‭ ‬1973م،‭ ‬الموافق‭ ‬العاشر‭ ‬من‭ ‬رمضان،‭ ‬بدأت‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬صفحات‭ ‬التاريخ‭ ‬العسكري‭ ‬المصري‭ ‬الحديث‭.‬

عبرت‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬المصرية‭ ‬قناة‭ ‬السويس،‭ ‬واقتحمت‭ ‬خط‭ ‬بارليف،‭ ‬وأقامت‭ ‬رؤوس‭ ‬الكباري‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الشرقية‭ ‬للقناة،‭ ‬وبدأت‭ ‬عملية‭ ‬تحرير‭ ‬سيناء‭.‬

ولم‭ ‬تكن‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬مجرد‭ ‬معركة‭ ‬عسكرية‭ ‬عابرة،‭ ‬وإنما‭ ‬كانت‭ ‬لحظة‭ ‬فارقة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬المصري‭ ‬والعربي،‭ ‬أثبت‭ ‬فيها‭ ‬الجندي‭ ‬المصري‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬أصعب‭ ‬العقبات،‭ ‬واستعادة‭ ‬الثقة‭ ‬والكرامة،‭ ‬وتحويل‭ ‬الهزيمة‭ ‬إلى‭ ‬نصر‭.‬

وقد‭ ‬امتزج‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬أكتوبر‭ ‬التخطيط‭ ‬العسكري‭ ‬الدقيق‭ ‬بالشجاعة‭ ‬والتضحية،‭ ‬وقدم‭ ‬آلاف‭ ‬الجنود‭ ‬المصريين‭ ‬أرواحهم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحرير‭ ‬الأرض‭. ‬وظلت‭ ‬سيناء‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ‭ ‬مرتبطة‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬المصرية‭ ‬بصورة‭ ‬الجندي‭ ‬الذي‭ ‬عبر‭ ‬القناة‭ ‬ورفع‭ ‬العلم‭ ‬المصري‭ ‬على‭ ‬أرضها‭.‬

ولم‭ ‬يتوقف‭ ‬تحرير‭ ‬سيناء‭ ‬عند‭ ‬المجال‭ ‬العسكري،‭ ‬وإنما‭ ‬استكملته‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬المصرية‭ ‬والجهود‭ ‬السياسية‭ ‬والقانونية‭. ‬فقد‭ ‬انسحبت‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬من‭ ‬معظم‭ ‬سيناء‭ ‬على‭ ‬مراحل،‭ ‬واكتمل‭ ‬الانسحاب‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬من‭ ‬سيناء‭ ‬عام‭ ‬1982م‭ ‬وفقًا‭ ‬للترتيبات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بمعاهدة‭ ‬السلام‭ ‬المصرية‭ ‬الإسرائيلية‭.‬

وظلت‭ ‬طابا‭ ‬خارج‭ ‬السيادة‭ ‬المصرية‭ ‬حتى‭ ‬حُسم‭ ‬النزاع‭ ‬حولها‭ ‬بالتحكيم‭ ‬الدولي،‭ ‬وجاء‭ ‬الحكم‭ ‬لصالح‭ ‬مصر‭ ‬عام‭ ‬1988م،‭ ‬ثم‭ ‬اكتمل‭ ‬استردادها‭ ‬ورفع‭ ‬العلم‭ ‬المصري‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬19‭ ‬مارس‭ ‬1989م‭.‬

وهكذا‭ ‬اكتملت‭ ‬عودة‭ ‬سيناء‭ ‬إلى‭ ‬السيادة‭ ‬المصرية،‭ ‬عسكريًا‭ ‬وسياسيًا‭ ‬وقانونيًا،‭ ‬لتصبح‭ ‬ملحمة‭ ‬استردادها‭ ‬أُنموذجًا‭ ‬لتكامل‭ ‬أدوات‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الأرض‭: ‬القوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬والدبلوماسية،‭ ‬والقانون‭ ‬الدولي‭.‬

سيناء‭ ‬في‭ ‬الجمهورية‭ ‬الجديدة‭: ‬من‭ ‬التحرير‭ ‬إلى‭ ‬التعمير

إذا‭ ‬كان‭ ‬تحرير‭ ‬سيناء‭ ‬قد‭ ‬مثل‭ ‬الهدف‭ ‬الأكبر‭ ‬لمصر‭ ‬خلال‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬فإن‭ ‬التحدي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تعمير‭ ‬سيناء‭ ‬وتنميتها‭ ‬وربطها‭ ‬بصورة‭ ‬كاملة‭ ‬بالوادي‭ ‬والدلتا‭.‬

فالأرض‭ ‬التي‭ ‬ضحى‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬المصريون‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مجرد‭ ‬منطقة‭ ‬حدودية‭ ‬أو‭ ‬ذاكرة‭ ‬للحروب،‭ ‬وإنما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مجالًا‭ ‬واسعًا‭ ‬للتنمية‭ ‬والاستثمار‭ ‬والإنتاج‭ ‬والاستقرار‭ ‬السكاني‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬اتجهت‭ ‬الدولة‭ ‬المصرية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬تنفيذ‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المشروعات‭ ‬القومية‭ ‬في‭ ‬سيناء،‭ ‬شملت‭ ‬إنشاء‭ ‬وتطوير‭ ‬شبكات‭ ‬الطرق‭ ‬والكباري‭ ‬والأنفاق،‭ ‬وتحسين‭ ‬خدمات‭ ‬المياه‭ ‬والكهرباء‭ ‬والصرف‭ ‬الصحي،‭ ‬واستصلاح‭ ‬الأراضي‭ ‬الزراعية،‭ ‬وإنشاء‭ ‬التجمعات‭ ‬والمدن‭ ‬الجديدة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬تطوير‭ ‬الموانئ‭ ‬والمناطق‭ ‬الصناعية‭ ‬والسياحية‭.‬

وقد‭ ‬أسهم‭ ‬إنشاء‭ ‬أنفاق‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الارتباط‭ ‬الجغرافي‭ ‬بين‭ ‬سيناء‭ ‬ووادي‭ ‬النيل،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المراحل‭ ‬عائقًا‭ ‬مائيًا‭ ‬أمام‭ ‬سهولة‭ ‬الحركة‭ ‬البرية‭. ‬كما‭ ‬ارتبطت‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية‭ ‬بإنشاء‭ ‬مدن‭ ‬وتجمعات‭ ‬عمرانية‭ ‬جديدة،‭ ‬وتطوير‭ ‬البنية‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬سيناء‭ ‬وجنوبها‭.‬

وتملك‭ ‬سيناء‭ ‬إمكانات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وسياحية‭ ‬كبيرة،‭ ‬فهي‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الشواطئ‭ ‬الممتدة‭ ‬على‭ ‬البحرين‭ ‬المتوسط‭ ‬والأحمر،‭ ‬والجبال،‭ ‬والمحميات‭ ‬الطبيعية،‭ ‬والمواقع‭ ‬الأثرية،‭ ‬والأماكن‭ ‬الدينية،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬إمكانات‭ ‬التعدين‭ ‬والزراعة‭ ‬والثروة‭ ‬السمكية‭.‬

وتظل‭ ‬مدن‭ ‬مثل‭ ‬شرم‭ ‬الشيخ‭ ‬ودهب‭ ‬ونويبع‭ ‬والعريش‭ ‬نماذج‭ ‬مهمة‭ ‬للتنوع‭ ‬الجغرافي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬والسياحي‭ ‬الذي‭ ‬تتميز‭ ‬به‭ ‬سيناء‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬سيناء‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تُفهم‭ ‬باعتبارها‭ ‬مجرد‭ ‬إنشاء‭ ‬طرق‭ ‬ومبانٍ‭ ‬ومشروعات،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬مشروع‭ ‬لبناء‭ ‬الإنسان‭ ‬والاستقرار‭ ‬المجتمعي‭ "‬البشر‭ ‬والحجر‭". ‬فالتنمية‭ ‬الحقيقية‭ ‬تعني‭ ‬توفير‭ ‬فرص‭ ‬العمل،‭ ‬والتعليم،‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية،‭ ‬والخدمات،‭ ‬وتشجيع‭ ‬السكان‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬والإنتاج،‭ ‬وربط‭ ‬سيناء‭ ‬بصورة‭ ‬كاملة‭ ‬بمصر‭ ‬وواديها‭.‬

سيناء‭ ‬والأمن‭ ‬القومي‭ ‬المصري

ظل‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬حاضرًا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مراحل‭ ‬تاريخ‭ ‬سيناء؛‭ ‬فمنذ‭ ‬طريق‭ ‬حورس‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الفرعوني‭ ‬إلى‭ ‬حصون‭ ‬العصور‭ ‬الإسلامية،‭ ‬ومن‭ ‬معارك‭ ‬الحربين‭ ‬العالميتين‭ ‬إلى‭ ‬حروب‭ ‬1956م‭ ‬و1967م‭ ‬والاستنزاف‭ ‬وأكتوبر،‭ ‬كانت‭ ‬سيناء‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الحسابات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬المصرية‭.‬

وفي‭ ‬العصر‭ ‬الراهن،‭ ‬تواجه‭ ‬سيناء‭ ‬تحديات‭ ‬جديدة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬التهديدات‭ ‬العسكرية‭ ‬التقليدية،‭ ‬وإنما‭ ‬تشمل‭ ‬الإرهاب‭ ‬والتطرف‭ ‬والتنمية‭ ‬غير‭ ‬المتوازنة‭ ‬والتحديات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭.‬

وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬التجربة‭ ‬المصرية‭ ‬أن‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬التحديات‭ ‬لا‭ ‬تتم‭ ‬بالعمل‭ ‬العسكري‭ ‬وحده،‭ ‬وإنما‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تكامل‭ ‬الأمن‭ ‬والتنمية‭ ‬والتعليم‭ ‬والثقافة‭ ‬والتعمير‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬تعمير‭ ‬سيناء‭ ‬يمثل‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬عناصر‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬المصري؛‭ ‬فكل‭ ‬طريق‭ ‬جديد،‭ ‬وكل‭ ‬مدرسة‭ ‬ومستشفى‭ ‬ومصنع‭ ‬ومزرعة‭ ‬ومدينة‭ ‬وتجمع‭ ‬عمراني،‭ ‬وكل‭ ‬فرصة‭ ‬عمل‭ ‬تُتاح‭ ‬لأبناء‭ ‬سيناء،‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬تثبيت‭ ‬الوجود‭ ‬المصري‭ ‬وتعزيز‭ ‬ارتباط‭ ‬الإنسان‭ ‬بأرضه‭.‬

سيناء‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭ ‬المصري

لم‭ ‬تكن‭ ‬سيناء‭ ‬يومًا‭ ‬مجرد‭ ‬مساحة‭ ‬من‭ ‬الأرض،‭ ‬وإنما‭ ‬تحولت‭ ‬عبر‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭ ‬إلى‭ ‬رمز‭ ‬من‭ ‬رموز‭ ‬الهوية‭ ‬المصرية‭.‬

هي‭ ‬أرض‭ ‬الفراعنة‭ ‬الذين‭ ‬عرفوا‭ ‬قيمة‭ ‬مواردها‭ ‬وأقاموا‭ ‬فيها‭ ‬منشآت‭ ‬التعدين‭ ‬والحماية‭.‬

وهي‭ ‬أرض‭ ‬الأنبياء‭ ‬والمقدسات‭ ‬والرحلات‭ ‬الروحية‭.‬

وهي‭ ‬طريق‭ ‬الفتح‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وطريق‭ ‬الحجاج‭ ‬المصريين‭ ‬إلى‭ ‬الأراضي‭ ‬المقدسة‭.‬

وهي‭ ‬أرض‭ ‬القلاع‭ ‬والحصون‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬صراعات‭ ‬القوى‭ ‬والدول‭.‬

وهي‭ ‬أرض‭ ‬الجندي‭ ‬المصري‭ ‬الذي‭ ‬قاتل‭ ‬واستشهد‭ ‬دفاعًا‭ ‬عنها‭.‬

وهي‭ ‬أرض‭ ‬العبور‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973م‭.‬

وهي‭ ‬أرض‭ ‬التحكيم‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬أثبت‭ ‬حق‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬طابا‭.‬

وهي‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الرئيس‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬السيسي‭ ‬أرض‭ ‬التنمية‭ ‬والعمران‭ ‬والمستقبل‭.‬

ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬سيناء‭ ‬هو‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬جانب‭ ‬أساسي‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬مصر‭ ‬نفسها؛‭ ‬لأن‭ ‬سيناء‭ ‬كانت‭ ‬دائمًا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬التاريخ‭ ‬المصري،‭ ‬وليست‭ ‬هامشًا‭ ‬خارجيًا‭ ‬عليه‭.‬

إن‭ ‬سيناء،‭ ‬بما‭ ‬تختزنه‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬عريق‭ ‬وموقع‭ ‬استراتيجي‭ ‬ومقدسات‭ ‬وثروات‭ ‬وإمكانات،‭ ‬تمثل‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬صفحات‭ ‬التاريخ‭ ‬المصري‭ ‬وأكثرها‭ ‬دلالة‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬مصر‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬والتجدد‭.‬

فمنذ‭ ‬أن‭ ‬وطئت‭ ‬أقدام‭ ‬المصريين‭ ‬القدماء‭ ‬أرضها‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬الفيروز‭ ‬والنحاس،‭ ‬مرورًا‭ ‬بجيوش‭ ‬الملوك‭ ‬التي‭ ‬عبرت‭ ‬طريق‭ ‬حورس،‭ ‬والرهبان‭ ‬الذين‭ ‬احتموا‭ ‬بجبالها،‭ ‬والقوافل‭ ‬التي‭ ‬شقت‭ ‬طرقها،‭ ‬والحجاج‭ ‬الذين‭ ‬عبروا‭ ‬دربها‭ ‬إلى‭ ‬الأراضي‭ ‬المقدسة،‭ ‬والجيوش‭ ‬التي‭ ‬خاضت‭ ‬فوق‭ ‬رمالها‭ ‬معاركها،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬جندي‭ ‬أكتوبر‭ ‬الذي‭ ‬رفع‭ ‬العلم‭ ‬المصري‭ ‬على‭ ‬أرضها،‭ ‬ظلت‭ ‬سيناء‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬تاريخ‭ ‬وطن‭ ‬لم‭ ‬يتخلَّ‭ ‬يومًا‭ ‬عن‭ ‬أرضه‭.‬

لقد‭ ‬مرت‭ ‬سيناء‭ ‬بمراحل‭ ‬الاحتلال‭ ‬والحرب‭ ‬والانتصار،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تفقد‭ ‬هويتها‭ ‬المصرية‭. ‬وقد‭ ‬أثبت‭ ‬التاريخ‭ ‬أن‭ ‬الأرض‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُحتل‭ ‬فترة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تفقد‭ ‬انتماءها‭ ‬إذا‭ ‬ظل‭ ‬أصحابها‭ ‬متمسكين‭ ‬بها،‭ ‬وأن‭ ‬السيادة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬حدود‭ ‬على‭ ‬الخرائط،‭ ‬وإنما‭ ‬إرادة‭ ‬وطنية‭ ‬تتجسد‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬والتعمير‭ ‬والبناء‭.‬

ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬معركة‭ ‬سيناء‭ ‬لم‭ ‬تنتهِ‭ ‬بانتصار‭ ‬أكتوبر‭ ‬أو‭ ‬باسترداد‭ ‬طابا،‭ ‬وإنما‭ ‬انتقلت‭ ‬من‭ ‬معركة‭ ‬التحرير‭ ‬إلى‭ ‬معركة‭ ‬التعمير،‭ ‬ومن‭ ‬مواجهة‭ ‬الاحتلال‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬المستقبل‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬المصريون‭ ‬قد‭ ‬كتبوا‭ ‬بدمائهم‭ ‬ملحمة‭ ‬تحرير‭ ‬سيناء،‭ ‬فإن‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬مطالبة‭ ‬بأن‭ ‬تكتب‭ ‬بعلمها‭ ‬وعملها‭ ‬وإنتاجها‭ ‬ملحمة‭ ‬جديدة‭ ‬عنوانها‭: ‬سيناء‭ ‬أرض‭ ‬الحياة‭ ‬والتنمية‭ ‬والمستقبل‭.‬

ستظل‭ ‬سيناء‭ ‬جزءًا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬مصر؛‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬عراقة‭ ‬حضارتها،‭ ‬وحارسة‭ ‬لبوابتها‭ ‬الشرقية،‭ ‬وذاكرة‭ ‬لبطولات‭ ‬أبنائها،‭ ‬وجسرًا‭ ‬يربط‭ ‬مصر‭ ‬بآسيا‭ ‬والعالم‭ ‬العربي،‭ ‬ومجالًا‭ ‬رحبًا‭ ‬لطموحات‭ ‬أجيالها‭ ‬القادمة‭.‬

إنها‭ ‬أرض‭ ‬الفيروز،‭ ‬وأرض‭ ‬العبور،‭ ‬وأرض‭ ‬السلام،‭ ‬وأرض‭ ‬المستقبل؛‭ ‬وستبقى‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬المصريين‭ ‬رمزًا‭ ‬خالدًا‭ ‬لمعنى‭ ‬الوطن‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يُفرَّط‭ ‬فيه،‭ ‬والأرض‭ ‬التي‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تُصان،‭ ‬وتُعمَّر،‭ ‬وتُروى‭ ‬بقصص‭ ‬المجد‭ ‬جيلًا‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭.‬

أخبار الساعة

الاكثر قراءة