الأحد 16 يونيو 2024

ثقافتُنا العربية.. وتداعيات المدرسة الرمزية

مقالات13-3-2022 | 12:54

لا أدري ما هي الأسباب وراء انبهار بعض أقلامنا النقدية بكل مايَرِد إلينا من الغرب؛ خاصةً إذا كان الأمر يتعلق بالفكر والنقد والإبداع، وأقصد هنا المدرسة الرمزية ـــ بتداعياتها ـــ إبان ظهورها عام 1886 بإحدى البقاع الأوروبية (فرنسا) على يد "مالارميه"، فقد راحت الدراسات تتناول ماكتبه "بودلير" و"رامبو" (في فرنسا)، و"إدجار آلان بو" و"إرنست همينجوي" (في أمريكا)، و"وليم بوتربيتس" (بأيرلندا).

واعتبر البعض رواية "مزرعة الحيوان" لـ جورج أورويل والتي صدرت بإنجلترا عام 1945 منجزًا أدبيًا غير مسبوق بإسقاطاتها السياسية على فترة ماقبل الحرب العالمية الثانية (خلال حُكم ستالين وقبله) في روسيا.

ولا أجد غضاضة في ذلك فالتواصل الثقافي والمعرفي مع الآخر لاتثريب عليه، والعرب لم يكونوا ـــ يومًا ـــ دعاة عُزلة وانعزال، فلدينا رحلتي الشتاء والصيف التجاريتين (إلى بلاد اليمن وإلى بقاع الشام)، وعندنا متابعة للأحداث الدولية الكبرى تمثلت في اهتمام العرب بالعلاقة بين الفرس والروم وما شابها من عداوةٍ أفضت إلى حرب لقي فيها الروم هزيمةً ساحقةً مما أحزن قاطني الجزيرة العربية من المسلمين، فبشَّرهم اللهُ بانتصار الروم خلال سنوات قليلة.

لسنا ـــ بطبيعة الحال ـــ ضد التواصل ولا حتى التبادل المعرفي في إطار من التقدير والاحترام؛ دون محاولات النَّيْل من أي طرف أو الاستخفاف به والتقليل من شأنه.

وأظن ـــ وليس ظني إثمًا ـــ أن اختلاف الدين والمعتقد لا يمكن لهما أن يقفا حائلًا  أمام هذا التواصل بشكل أو بآخر (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ، فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ).

وبالنسبة للرمزية فإن مشكلتنا تكمُن في الانبهار غير المُسْتَحَق بمؤسسها والتصفيق الحاد له، وكأننا بصدد اختراع أوروبي جديد عجز مثقفونا عن الإتيان به، ولو أننا عُدْنا إلى تراثنا العربي ـــ من قصةٍ وقصيدة ـــ لوجدناه يحفل بالرمز، لكننا اعتدنا أن نولي وجوهنا شطر الآخر؛ وأن نُقصِي فكرنا بعيدًا عن مَلَكَاتِ ذواتنا، وحقائق موجودة على الأرض لا تخطئها عين قارئ بصير.

وبدلًا من البحث في جذورنا وأصولنا، صرنا نتوكأ على مِنْسَأةِ الغريب؛ فالرمزية تحتفي بها بعض آيات القداسة (القرآن الكريم)، ولنا أن نضرب نماذج عدة من باب الإستنارة والاستئناس، وهي معروفة لدى الجميع، لكن البعض لا يلتفتُ إليها؛ فهاهو الصِّديق يوُسُف (عليه السلام) يقول ليعقوبَ أبيه: "يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ".
لنعرف فيما بعد أن الكواكب هي إخوته، أما الشمس والقمر فهما رمزًا لأبيه وأمه.

وهناك ـــ أيضًا ـــ عزيز مصر الذي يرى في منامه "سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ"، لنتبين ـــ لاحقًا ـــ أن البقرات السمان يرمزن إلى السنين الخِصبة، أما العجاف فتشير إلى سنوات الجدب والقحط.

وفي السجن ـــ مع يوُسُف ـــ يرى كلٌ من الفتيين رؤيا "قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ" لينبئهما يوسف: "أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ"، في دلالة واضحة على أن الخمر رمزٌ للنجاة، وأن أكل الطير للخبز المحمول فوق الرأس إيحاء بالهلاك والموت.

أما حوار الحيوانات في رواية أورويل (مزرعة الحيوان) والتي هللنا لها طويلًا، فلدينا من القصص القرآني ماهو أعظم من ذلك، فمنطق الحيوانات عند أورويل محض خيال، أما منطق الطير والنمل في القرآن حقيقة لا زيف فيها ولا افتعال، فنجد الهدهد يقول لسليمان المَلِك بكل ثقةٍ: "أَحَطتُ بِمَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ وَجِئۡتُكَ مِن سَبَإِۢ بِنَبَإٖ يَقِينٍ".

والنملة تنادي أترابها: "يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمۡلُ ٱدۡخُلُواْ مَسَٰكِنَكُمۡ لَا يَحۡطِمَنَّكُمۡ سُلَيۡمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ".

والعِفريتُ ـــ ككائن خارق ـــ يتكلم حين طلب سليمان الإتيان بعرش بلقيس (ملكة سبأ) في أسرع وقت ممكن (قَالَ عِفۡرِيتٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَۖ وَإِنِّي عَلَيۡهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٞ).
وإذا رجعنا إلى الرمز ـــ كمفهومٍ ـــ فحريٌ بنا أن نذكر أنه اللفظة الصريحة الدالة على معنىً يقصده الكاتب ولا يريد البوح به، ويمكن استنتاجه من سياق الصياغة سواء كانت سردًا أم شعرًا؛ كأن نكتب ـــ مثلًا ـــ  لفظة (الليل) ونقصد بها (الظُلم)، أو نقول (الشمس) ونقصد بها الحرية، وغيرها من المفردات التي يَصْعُب حسمنا لمعناها خارج نسقها الإبداعي.

وليس صحيحًا أن استدعاء الرمز يهدف إلى الهروب من القمع السلطوي، فكثيرٌ من البلاد التي تتمتع بحرية كبيرة يستعين أدباؤها به، ذلك أن الرمز ـــ في تصوري ـــ سيظل أداة فنية من أدوات الكاتب الإبداعية، فهو ينأى به عن الوقوع في فخاخ التقرير والمباشَرة.

إننا ـــ اليوم ـــ  في أمَس الحاجة إلى معرفة هويتنا وجذورنا قبل تواصلنا مع الآخر بفكره وثقافته ومعارفه، وصدق الفيلسوف الإغريقي "خيلون الإسبرطي" حين قال: اعرف نفسك.