الإثنين 17 يونيو 2024

الاختيار‭ ‬بالصوت‭ ‬والصورة.. البقاء‭ ‬للدولة‭ ‬الوطنية

مقالات12-5-2022 | 14:04

للعام الثالث على التوالي، وفي شهر رمضان الكريم، نتابع مسلسل “الاختيار” ، وهو يتناول تفاصيل الصراع بين جماعة حسن البنا من جانب، والشعب المصري ومؤسسات الدولة من جانب آخر، في فترة محتدمة من تاريخنا، وهي السنوات من 2011 وحتى سنة 2013، أي ابتداء من ثورة 25 يناير30 يونيو، بما ترتب عليها من أحداث وما أدت إليه من وقائع وكشفت وجوهًا وأسقطت أقنعة، غير أن الجزء الثالث منه الذي تابعناه هذا العام 2022 حمل نقطة تميز خاصة، وهي وجود جانب توثيقي أو تسجيلي، يتعلق ببعض المواقف وبعض الشخصيات التي كانت تتسيّد المشهد في تلك الفترة، إذ اشتملت كل حلقة على لقطة أو أكثر للأبطال الحقيقيين بالعمل، فيطلّ علينا خيرت الشاطر بصورته وصوته الحقيقي وكذلك الأمر بالنسبة لمرشد الجماعة  محمد بديع، فضلا عن محمد مرسي وعصام العريان وغيرهما.

 

سبق لبعض الأعمال الفنية أن استعانت بعدد من المشاهد التوثيقية ويمكن أن نحصرها في عدة مواقف مثل قرار الرئيس عبد الناصر بتأميم قناة السويس سنة 1956، أو خطاب التنحي أو مشهد جنازة عبد الناصر، وبالنسبة للرئيس السادات يأتي خطاب 16 أكتوبر 1973 خطاب النصر في مجلس الشعب أو مشهد زيارته لإسرائيل في نوفمبر سنة 1977، وبالنسبة للفترة الحالية يقتصر الاستشهاد على قرارات يوم 3 يوليو 2013 التي أعلنها وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي في حضور رموز الأمة المصرية ومؤسسات الدولة، استشهادات بعضها يهدف إلى إثارة حماس المشاهد وسخونة العمل، فضلا عن التذكير بأهمية اللحظة، وليس تقديم معلومة أو وثيقة جديدة لها، لأن هذه المواقف جميعها معروفة لنا وللمشاهدين جميعًا.

في "الاختيار" يختلف الأمر كثيرا، المشاهد التوثيقية تذاع معظمها وتعلن للمرة الأولى، حيث إنها تقدم معلومات جديدة، موثقة للمشاهد، يضاف إلى ذلك أن هذه اللقطات الوثائقية تهدم الكثير من دعايات وأكاذيب جماعة البنا، وتكشف أيضا ما حرصت تلك الجماعة أن تخفيه عن المواطن، بل وحتى عن أعضائها أنفسهم، وبعد كل ما شاهدناه لا يمكن أن يكون لدى المتابع شك في أننا بإزاء جماعة من البلطجية والإرهابيين بمعنى صحيح ومباشر، وأنه ليس هناك في تلك الجماعة، كما زعم البعض، حمائم وصقور، ليس فيهم طيب وشرير، كلهم نسخة واحدة، وكلهم أشرار، الاختلاف في مدى ممارسة الشر وفعله.

تابعنا في أحد المشاهد محمد مرسي وهو يتفاخر بأنه اتصل بأحد نواب الحزب الوطني وهو محمد رجب وهدده، كان رجب دعا إلى ندوة سنة 2011 واتصل به مرسي مهددًا وسمعناه وهو يتفاخر أن ذلك المشهد تكرر كثيرا، من كل "الإخوة"؛ ومن أهم ما قدمته تلك اللقطات أن مصر، خلال فترة حكم محمد مرسي كانت تُدار من مكتب الإرشاد، وأن الحاكم الفعلي كان هو المهندس خيرت الشاطر نائب المرشد العام، والذي يعلو تنظيميا داخل الجماعة على محمد مرسي، إذ كان من الطبيعي أن يصدر إلى مرسي الأمر وأن يتقبله مرسي وينفذه، باختصار كان يملك عليه سلطة التوجيه، بل الأمر والنهي، كشف المسلسل ذلك بجلاء تام، نحن كنا نعرف ذلك وقتها، بحكم العمل الصحفي، الذي يتيح لنا رؤية الكثير من الوقائع والمشاهد التي قد لا تصل إلى الرأي العام، باختصار كان مكتب الإرشاد بالمقطم هو الذي يصوغ القرارات الجمهورية وتذهب في ظرف مغلق إلى الاتحادية للاعتماد فقط، وقد قامت خطة مكتب الإرشاد وقتها والرجل القوي به خيرت الشاطر على تدمير كل مؤسسات الدولة بلا استثناء وترهيب القائمين عليها، فضلا عن ترهيب المواطن العادي، بل ترهيب رئيس الجمهورية نفسه، حيث كان يتحكم في تصرفاته عبر أحمد عبد العاطي، رجل الشاطر الذي وضعه في مكتب مرسي بالاتحادية فكان عينًا عليه وصوتًا آمرًا له.

نجح المسلسل كذلك عبر الجانب التوثيقي به أن يكشف كيف تمت هندسة الأوضاع في مصر سنة 2011 كي ينتهي الأمر إلى جماعة حسن البنا التي تفننت في ممارسة الإرهاب منذ مطلع الأربعينيات مع اغتيال أحمد ماهر، رئيس الوزراء، ثم المستشار أحمد الخازندار ومن بعد محمود فهمي النقراشي، رئيس الوزراء، وسليم زكي، حكمدار العاصمة، كل ذلك في العهد الملكي، أما في عهد ثورة 1952 كانت محاولة اغتيال جمال عبد الناصر في المنشية سنة 1954، وتبين في التحقيقات أنه كانت هناك قائمة اغتيالات أخرى ضمت عددًا من أعضاء مجلس قيادة الثورة، مثل محمد أنور السادات، وزكريا محيي الدين، وتكررت المحاولة سنة 1965 مع تنظيم سيد قطب، ومن المفارقات أن اثنين من أعضاء تنظيم قطب وهما محمد بديع ومحمود عزت " يُحاكَمان الآن"، حوكما في تنظيم 1965 وخفف الرئيس عبد الناصر الحكم عليهما نظرا لحداثة سنهما.

حاول الرئيس السادات في السبعينيات أن يمنح الجماعة فرصة للتطهر وللبداية من جديد، لكنهم خرجوا أكثر حقدًا وأشد شراسة ، خرجوا للمزيد من الإرهاب والتخريب.

"الاختيار" عمل فني قدم لنا سجل الجماعة بالصوت وبالصورة، مما يجعلنا ندرك سر فشل تلك الجماعة ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، الحق أنها لم تفشل في مصر فقط، لاحقهم الفشل في كل بلد حلّوا به، من السودان إلى تونس والجزائر والمغرب، فضلا عن الأردن وسوريا، ودول الخليج قاطبة، بل والمملكة العربية السعودية نفسها، لذا فإن ما تعللوا به من أنهم رفضوا في مصر تحديدا أمر مردود عليه، فشلهم بيّن في كل مكان، وفي كل مرحلة فشلوا مع الأنظمة الملكية كفشلهم مع الأنظمة الجمهورية، هُزموا في المجتمعات المحافِظة، كما هُزموا في المجتمعات المنفتحة، لأن الفشل في صُلب فكرتهم ومشروعهم، هو مشروع غير قابل للبناء ولا للنجاح.

وفيما يخص العداء مع مؤسسات الدولة ، كشف "الاختيار" بوضوح تام، أن هذه الجماعة لديها عداء مطلق مع كل مؤسسات الدولة وخاصة ثلاث منها، وهي الدفاع "الجيش"، والأمن "الداخلية"، والقضاء، ناهيك عن "الثقافة والإعلام والفنون"، عايشنا ورأينا على الشاشة معركة حصار المحكمة الدستورية العليا وكانت بالتنسيق بين خيرت الشاطر وحازم أبو إسماعيل، ومعركة عزل النائب العام عبد المجيد محمود، أما الهجوم على المقرات الأمنية فهو قديم ودائم لديهم.

معركتهم الكبرى مع الجيش المصري، ليست معركة جديدة وليس صحيحًا أنها بدأت مع المشير طنطاوي والمشير عبد الفتاح السيسي، الحق أنها بدأت في الأربعينيات أيام زعيمهم حسن البنا، الذي حاول اختراق الجيش وتكوين خلايا داخله بزعم مقاومة الاستعمار، ثم تبين أنه يريد للجيش أن يصبح تابعا له ولأغراضه الخاصة وأهدافه الشريرة، اكتشف ضباط الجيش مبكرًا جدا أن البنا وجماعته لا يعترفون بالقضية الوطنية ولا بالوطن، هم يريدون مشروعًا أمميًا يقوم على فكرة الخلافة، لذا حدثت القطيعة بين ضباط الجيش والجماعة وصارحهم البكباشي جمال عبد الناصر بذلك في سنة 1949.

لما قامت ثورة 1952، تصور المرشد الثاني حسن الهضيبي أنه سيكون المرجعية لضباط الثورة ولما رفضوا طلبه، ناصبهم هو وجماعته العداء، وتكرر الأمر زمن حكم الإخوان.

رأينا على الشاشة في "الاختيار" محمد مرسي وهو يعرض على وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي، الانضمام إلى الجماعة، بذريعة أن وزير الدفاع رجل متدين وملتزم، ولا ينقصه سوى الانخراط في الجماعة وهي ذريعة بلهاء تتجاهل الفكرة الوطنية، وتتجاهل تاريخ الجيش المصري الذي راعى منذ تأسيسه في عهد محمد علي مشروع الدولة الوطنية والفكرة الوطنية عمومًا، كان رد وزير الدفاع على العرض أنه ليس إخوانيًا وليس سلفيًا ولن يكون، وأن الجيش جيش وطني هدفه حماية مصر والمصريين جميعا، وبدلا من أن يستوعبوا تلك الرسالة ويحترموا رد وزير الدفاع، كان أن أعلنوا العداء له شخصيا واستهدفوه بالكثير من الشائعات، كما استهدفوا كبار القادة والجيش كله، لم يدركوا أن الجيش على مدى قرنين كان حاميًا لوطنية الدولة، والمدهش للكثيرين أنه كان أيضا حاميًا لمدنية الدولة والمجتمع، هم أرادوه جيشًا طائفيًا يعمل لمشروع وهمي اسمه "أستاذية العالم ودولة الخلافة"، وفقا لمصطلحات حسن البنا، لكنه بفضل قائده العام وسائر القادة، ظل عصيًّا  على الاختراق، أو التحول عن عقيدته الوطنية.

إن العمل الإبداعي كـ "نص أدبي" أو مشاهد درامية وفنية، إذا تم إنجازه بإتقان يصبح وثيقة بحد ذاته، ويصير توثيقًا لحقبة معينة وللقضية التي يتناولها، وهكذا فإن فيلم "الزوجة الثانية" للمخرج العظيم صلاح أبو سيف يتم التعامل معه كمصدر لفهم الأوضاع الاجتماعية بالريف المصري في مرحلة تاريخية بعينها، حيث كان العمدة يسيطر على كل شيء ويتحكم في مصائر أهل القرية، بغض النظر عن القوانين السائدة والقيم العامة، ومسلسل مثل "رأفت الهجان" يوثق مرحلة الصراع المخابراتي بين مصر وإسرائيل منذ قيام ثورة يوليو وصولًا إلى حرب أكتوبر 1973، مرورًا بالعدوان الثلاثي وحرب 1967.

الأمر بالنسبة للدراسات التاريخية أكد أهمية قد لا يعرفها الكثيرون، إن المشاهد التي تعرض سنويًا في ذكرى ثورة 1919 والمظاهرات النسائية في حقيقتها مأخوذة عن فيلم "بين القصرين" للمخرج حسن الإمام ورواية نجيب محفوظ، ومع أهمية هذا الجانب صار البعد التوثيقي ملمحًا بارزًا للأعمال السياسية والتاريخية، ليتأكد المشاهد أنه بإزاء عمل يعبر عن واقع وأحداث حقيقية وأن مساحة الخيار فيه محدودة، متروكة لبعض التفاصيل الجانبية، أما صُلب العمل وقضيته الكبرى موثقة بالصوت والصورة بمزيد من المصداقية ورسالة إلى المشاهد أنه بإزاء عمل حيّ.

ولعل حجم الهلع الذي تلبس "الذباب الإلكتروني" التابع للجماعة، يؤكد أنه أصاب كبد الحقيقة، فـ "الاختيار" يقدم سجلًا حيًا بالصوت والصورة لفشلهم طوال تاريخهم وعجزهم عن تقديم نموذج يمكن البناء عليه في نهضة الأوطان.

حين تولوا الحكم في يونيو 2012 قلت ليس أمامهم إلا أن يتمصّروا أو ينقرضوا، وقد ثبت أنهم غير قادرين على التمصّر، لذا فشلوا، وأقصاهم الشعب المصري في 30 يونيو وهربوا إلى أوكارهم في الخارج، ويبدو أن هذا هو مصيرهم الأبدي.

نجاح "الاختيار 3"، خاصة في جانبه التوثيقي، يؤكد أننا في مسيس الحاجة إلى أعمال أخرى عديدة، وفي حاجة إلى قناة وثائقية تقدم تاريخنا وقضايانا بشكل توثيقي حتى لا يكون تاريخنا مهدًا للكذابين والمدلسين والمزورين من أعداء الدولة الوطنية المدنية المصرية الحديثة.