الثلاثاء 16 ابريل 2024

الإرهاب المتأسلم وفكاكه (1- 6)

مقالات11-8-2022 | 14:50

هناك تساؤل ملح يتكرر بين الحين والآخر عن جدوى إجراءات مكافحة الإرهاب المتأسلم، التى يفترض أنها تعنى بالمنع قبل القمع بمعالجة مسبباته ودوافعه، ومدى نجاح جهود مواجهته التى تنصب بالأساس على إجهاض مخططاته وعملياته وتشكيلاته وفواعله على الأرض بالاعتماد على الأساليب الأمنية والعسكرية .

فبعد تفجيرات سبتمبر 2001 قامت الولايات المتحدة بعولمة مقاومة الإرهاب المتأسلم بدفع الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية والإقليمية ومختلف البلدان لتبنى قوانين واستراتيجيات أممية ووطنية لمحاصرته سواء عبر أساليب صلبة أو ناعمة، ولا شك أن كل هذا ودون تهوين أو تهويل ساهم فى الحد من  تأثيراته الدموية، فلولاها لربما كان الحال غير الحال ولباتت الحياة أكثر توتراً ,

لكننا لا نستطيع أن نغفل أو نتغافل عن واقع نحياه هنا أوهناك، فالإرهاب الذى هو "نتاج الجنون واليأس" بحسب مايكل هورد أستاذ علوم الصراعات بجامعة أكسفورد ما زال يهدد ويضرب ويبدل ثيابه ويطور من أساليبه وأدواته بشكل واضح وإن خَفُت صوته بمكان أو بزمان دون الآخر .

فتاريخ الإرهاب يخبرنا بأن له قدرة دائمة على التكيف والتلون والتغير طالما أن محفزاته تسبح بالنهر، فالحرب التى شنتها أمريكا على القاعدة منذ 2001 لم تقض عليها، فبعد أن كانت متموضعة بشكل رئيسى بأفغانستان انتقلت إلى العراق وغيرها من النقاط الساخنة، وتناسل من رحمها تنظيم الدولة، وأصبحنا أمام نموذجين ملهمين بدلاً من واحد، فالقاعدة لم تزل تعمل وتؤدلج وتنافس "داعش" التى تتوغل بفاعلية أكبر.

فالقضاء على بن لادن والزرقاوى والبغدادى والقرشى لم ينه الإرهاب المتأسلم، وإعلان أمريكا في مارس 2019 عن هزيمة داعش بشكل نهائى بسوريا والعراق لم يكن يعنى سوى أنها لم تعد تسيطر على الأرض، فلم يكن مقبولاً التعاطى معه على أنه يعنى فقدها لقدرتها على الفعل، فإرهابها متواصل بهما وإن أخذ شكل حرب العصابات، فادعاء القضاء على الإرهاب طريقة مؤكدة لخسارة المعركة معه .

فاليوم وبعد كل ما تم توجيهه من نيران كثيفة على كل ما يتصل من بعيد أو قريب بالإرهاب المتأسلم، أصبح هناك بحسب بعض التقديرات نحو 230 ألف إرهابي ينشطون فى 70 دولة بعدما كان عدد مقاتلي القاعدة بالمئات وبنقاط محدودة نسبياً حينما بدأت الولايات المتحدة حربها عليها عام 2001، وهو ما يتجاوز أربعة أضعاف ما كان .

فمعضلة الإرهاب أنه يشبه جبل الجليد لا يظهر للعيون سوى قمته أما باقى جسمه فيختفى تماماً تحت الماء، فتفكيك تنظيم إرهابى أو إحباط مخططات إرهابية أو إلقاء القبض على قادتها أو مرتكبيها لا يعنى التخلص منه، فكل هذا لا يمثل إلا جزءاً ضئيلاً من ظاهرة تفكيكها أو الحد منها أعقد بكثير، فالإرهاب مرض له أبعاده التى لابد من الوقوف عليها وإدراكها والتعاطى معها على نحو يحُد من تأثيراتها السلبية .

فالمقاربة الأمنية والعسكرية على أهميتها غير كافية وحدها، فكثير من مخططاتها لا يحقق النتائج المرجوة بل تخفق أحياناً على نحو يؤدى لتوليد المزيد من الإرهاب، ومن هنا كان لابد أن يتداخل البعد الأمنى مع الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والفكرية لمكافحة إرهاب ظاهره دينى وباطنه يحمل أسباب غاية بالتعقيد .

ومن هنا أيضاً كان اتجاه البعض لطرح حلول ناعمة من نوعية العمل على المزيد من علمنة مجتمعاتنا الإسلامية وإغراقها أكثر وأكثر فى العيش على الطريقة الغربية باتخاذ خطوات فعالة نحو أقلمة الإسلام والحد من ثقافاته وتقليص تدريس مواده وإلغاء معاهده المتخصصة ومحاصرة مؤسساته التقليدية باعتبار أن هذا يمثل علاجاً لظاهرة الإرهاب المتأسلم، وهو ما سنسعى لمجادلته فيما هو قادم .