الثلاثاء 25 يونيو 2024

ترجمة الأخبار أم تجرمة الأشرار

مقالات5-6-2023 | 01:40

تتلمذت فيما مضى على يد كبار المترجمين ومتخصصي اللغة في كُليتي كلية الآداب قسم الإعلام، ومنهم على سبيل الذكر لا الحصر الأستاذ/ سامي راتب، كبير المترجمين بوكالة أنباء الشرق الأوسط، والدكتورة/ رشا قناوي، المذيعة بقناة نايل تي في آنذاك، وهي إبنة الأستاذة الدكتورة/ جيهات رشتي، أحد عباقرة وأساتذة نظريات الاتصال في مجتمع الإعلام على المستوى التعليمي، والتي تتلمذت على يدها هي الأخرى منذ عامي الدراسي الأول بالجامعة.
    أتذكرهم جميعاً بالخير، وبالنبل، وبالكفاءة، حيث دأب جميع أساتذتي على إبداء كل الجهود الممكنة واللازمة لإيصال كل ما يمكلونه من علم بسلاسة ويسر، فكنت شديدة الولع بمحاضرة الأستاذ/ سامي راتب، الذي كان يفرد لنا قماشة الترجمة ودهاليزها ويفسر لنا استراتيجيات فك شفراتها، والخروج من مآزقها وفلسفاتها، فإذا به يحدثنا عن مدارس الترجمة وتوجهاتها باختلاف الدول وتوجهاتها أيضاً، فالشهيد والفدائي والمحرر الفلسطيني في ترجمات العرب، هو القتيل والمتمرد والإرهابي الفلسطيني في ترجمات الإسرائيليين، والخروج على الدولة والتعدي على أمنها القومي في الترجمة المصرية، هو حقوق الإنسان في الاعتراض غير السلمي وإبداء الرأي ولو بالعنف في الترجمات العالمية.
    قِس على هذا ذات الأمر في جميع أدبيات الترجمة على مستوى العالم، وراقب ترجمات وكالات الأنباء العالمية بحسب ولائها أو عدائها لأطراف الخبر، فالدول الموالية لروسيا ستتعارض ترجماتها ونقلها للخبر بالقطع مع ترجمات الدول الموالية لأوكرانيا، والعكس بالعكس في حالة أمريكا والصين، والصين وتايوان، والهند وباكستان، ومصر وإثيوبيا.... وهكذا.
    فتتغير الحقيقة وتتلون بحسب أهواء السياسة ومصالح ما تحت الطاولة، أو حتى فوقها، المهم أنها انعكاس حقيقي للغة المصالح بين الدول، فرسالة قناة الجزيرة بالعربية تتنافى تماماً مع رسالتها بالإنجليزية، هذا لأنها من قبيل القنوات الموجهة وتستخدم في رسالتها اللغة الأجنبية المعدة سلفاً وفق مصالح وأهداف القائمين عليها، والأمر يمكن مراجعته بسهولة لمن يرغب في التأكد، كل ما عليه أن يتابع القنانين لبرهة من الوقت مع تمام التأكد من قراءة نفس الخبر بلغتين مختلفتين، والأمر جلي وواضح، هو التحدث بلغة الجمهور ووفقاً لتوجهه وبما يريد أن يسمعه ويتماشى مع اتجاهاته ويؤجج من مشاعره تجاه الخبر المذاع، ولا يتعارض معها بالطبع.
    ولا أدل على هذا مثلاً من حادث الأمس على الحدود المصرية الإسرائيلية، وهو الذي أفصح عما في جعبة الجانب الإسرائيلي للمرة المليون بعد المليار، فبرغم التخبط في تصريحات أفيخاي أدرعي المتحدث باسم جيش دفاع دولة الاحتلال، الذي قام بالإدلاء بما يقارب التسع تصريحات المتضاربة -حتى الآن- على حساباته الناطقة باللغة العربية على وسائل التواصل الاجتماعي، والذي مفادها أن إسرائيل حريصة على عدم زعزعة العلاقة بينها وبين مصر.
    إلا أن الأمر في مجمله يعكس حالة من عدم الاستقرار والاتفاق على توجه موحد من قبل الجانب الإسرائيلي تجاه الحادث، والذي يبدو وأنه يرغب في عدم إثارة حفيظة مصر أو استفزازها بأي طريقة كانت، كما أنه يظهر حجم القدر الذي يوليه قادة إسرائيل للدولة المصرية وحرصهم على عدم إثارة القلاقل في العلاقات -المستقرة ظاهرياً- هذا برغم سقوط 3 أفراد من طرفهم وجرح واحد حتى الآن.
    هذا، على النقيض من تصريح المتحدث العسكري المصري الذي أصدر بيانه المحاك بخيوط ذهبية من رداء الحرفية السياسية، والذي منه يمكنك أن تستخلص ببساطة تفاصيل القصة بتوازن دون إفراط أو تفريط في التخيل أو تصور الواقع، وكذا القدرة التي وصلت لها الدولة المصرية لبسط سطوتها وكامل سلطانها على الأرض المصرية لأقصي حدودها المتاخمة لدولة الاحتلال، بعد أن كانت السيطرة لا تتعدى بعض النقاط الأمنية الشرطية المتسلحة بأسلحة خفيفة.
    خلاصة القول في سلاح الترجمة الذي يتخطى حدود الإدراك، فبه تقوم الحروب، وبه تصنع الاتفاقيات والهدن
   والأهم من هذا هو، من القائم بها، ومن المُرسِل، وما هو مضمون الرسالة، ومن المتلقي .... معضلة ستظل باقية ومرهونة ببقاء ودهاء السياسة، ولعبة السياسة على الجغرافيا وصنع التاريخ.