الإثنين 26 فبراير 2024

جميز «فكرى داود» من النوع العتيق!

مقالات16-10-2023 | 17:05

«رحيق الجميز» هو عنوان المجموعة القصصية الجديدة للقاصّ والروائى الكبير فكرى داود، وكما يقول النقاد: إن العنوان هو العتبة الأولى للوُلوج لمغزى النص، أو البوابة الرئيسية لفهم ما يريد الكاتب الحديث عنه.. وهذه العتبة تبدأ من استخدام شجرة الجميز لما لها من تاريخ طويل كله بهاء، إذ قدسها المصريون القدماء، كما تدلنا النقوش والرسوم الموجودة على جدران المعابد المصرية القديمة، كما وُجدت ثمار الجميز الجافة فى الكثير من مقابر أجدادنا، بالإضافة إلى وجود أوراق الجميز فى توابيت الموتى، حتى إن الملك أوزوريس دُفن فى تابوت مصنوع من أخشاب أشجار الجميز، ودائما ما كان يُنظر للجميز نظرة إعجاب واحترام.
صدرت هذه المجموعة حديثا عن نادى القصة - سلسلة الكتاب الفضي، بالتعاون مع مركز ليفانت للدراسات الثقافية والنشر، وتتكون من عشرين قصة قصيرة تتناول كلها الأجواء الريفية، فى إطار أحد مشاريع الكاتب الأساسية لإبداعه وهو مشروع الكتابة عن القرية المصرية، باعتباره ممن قضوا عمرهم فى قريته السوالم بمحافظة دمياط.
فمن مشهد قديم إلى حديث بدأت المجموعة بقصة "صيد اليمام"، وفيها قبض الكاتب على كلماته بعناية فائقة، كأننا نرى اليمام أمامنا وهو يحلق حول القفص من أجل حبة شعير أو قمح، وتخيلت أن القدرة على صيد اليمام بهذه الحكمة تجعلنا قادرين بشكل كبير على صيد العمر قبل رحيله، لكن فجأة ودون أى مقدمات يصدمنا الكاتب برحيل السنوات، ونجد أمه التى كانت رشيقة مثل يمامة تتحول إلى بدن يتمدد فوق فراش أبيض.. وهى قصة بديعة ورشيقة، أحسن الكاتب عندما اختارها فى الافتتاحية لمجموعته.


أما فى "أذرة خضراء" فلم يكتفِ الكاتب فى تلك القصة بفعل الكتابة بل استبدله بفعل النقش، عندما ظهرت حروفه كأنها إشارات ورموز فوق لوحة مليئة بالألوان، ولكل لون طباع، مثل طباع البشر تماما، وفيها عالم سحرى مليء بالطبيعة والخضرة الخلابة فى الريف، وإليه نهرب بأنفسنا من زحام العاصمة، ووراء هذه الألوان التى تبدو مزدهرة عالم آخر فى النجوع والكفور، وأغلبها إن لم يكن كلها منسيا وهُمِّش لسنوات طويلة من قبل حكومات متعاقبة.. وفيها كشف الكاتب عن حنينه للماضي، والماضى مبهج، نحاول دوما ألا ننساها.
 وانصهرت مع القصة التى اختار الكاتب عنوانها للمجموعة كلها «رحيق الجميز»، حيث عشت تحت شجر الجميز وأكلت من ثمارها فى نجعنا، وهو نفس ما كان يفعله الكاتب فى قصته، والبيوت تطل من القصة بكل ما فيها من آمال وانكسارات، كاشفة عن فرحة ساكنيها أو حزنهم، وقد بدأها بحكمة جده الذى نصحه فيها بختم الجميز بآلة حادة، لتُنسب كل جميزة لصاحبها، وفيها أيضا تجولنا فى عزبة الجميزة، أو بالأحرى نتجول فى طفولتنا.
ليتبعها بقصة بعنوان "قرص البطون" وفى هذه المرة كان عليه أن يستمع هو وأقرانه إلى وصية جدته، العليمة ببواطن الأمور، ونصيحتها بألا يأكلوا الجميز على بطون خاوية، وفى الخواء خوف حتى من العسل والسكر.
 كانت النسوة حاضرات بقوة فى قصص "فكرى داود" خاصة فى قصة "فرخ لا يموت" التى صور فيها عاداتهن وطقوسهن فى تربية "الفروج والبط"، وفيها الكتاكيت تصوص كما لو أنها تصرخ من ضيق القفص الجريدي، حتى يتغير صوتها ابتهاجاً لخروجها دون أن تعلم المصير المجهول الذى ينتظرها فى بيوت النسوة، فستذبح هذه الكتاكيت عاجلا أم آجلا مهما طال الزمن، وفى التربية فوائد عدة، الأولى أنها مصدر للرزق، والثانية واجب للضيافة، إن حلّ ضيف دون موعد.
حتى فى قصة "عفريتان غريران" رأينا ما نراه فى الكفور كلها من ترع وطاحونة وجسور وصفصاف وسنط، وكنا نخاف فى الصغر مثل كل عيال القرى من العفاريت التى نسمع عنها حكايات أسطورية تتناقلها الأجيال، وهى جزء من الموروثات الفلكلورية.. خاتمة هذه القصة كانت بديعة: "حتى النسيان.. لم يستطِع أبدا تخليص مخيلتى من صراخ نجاة المستغيث، وأنا منكفئ على كتف عمي، وعصا والدى تلهب ساقى المكشوفتين ومؤخرتى النحيلة".
وبعدها قصة "فرح صغير" التى يفاجئ فيها الصغار بالعم رزق الحلاق الذى جاء لختانهم، وهو حدث مفرح للغاية عند الأسرة بأكملها، يتراقصون ويجهزون الجلباب الأبيض للطفل ابتهاجا بهذا الحدث، الذى يتحول من يومها كما يعتقدون إلى رجل، ويتغنون حوله: "علقة تفوت ولا حد يموت وهتشرب مرقة كتكوت"، والناس فى القرى يؤجلون عمليات طهارة الأطفال، إلى مراحل عمرية متقدمة، لإقامة الأفراح وذبح الولائم، وعن هذا اليوم غنى الشيخ إمام يقول: "يا أم المطاهر رشى الملح سبع مرات.. ومع الزغروطة أحكى حدوتة تعلب فات.. إلا المطاهر شافها مظاهر طب سكات.. وبإيديه شرخ.. بنيان وصرخ.. وكتب وترخ ما احناش ما احناش بقرات".
ويتبعها الكاتب بقصة مكملة بعنوان "على شاطئ الرجولة" وبدأها قائلا: "منذ برى جْرُح الختان، ويُد أبى لا تحلو لها الخروج، إلا وهى مْمِسَكةٌ بيدي، قائلا: لقد قطعت أُولى خطوات الرجولة، وماذا بعد ختانك إلا الزواج؟.. وفيها يوضح الكاتب أن هذه اللحظة فارقة فى حياة الولد التى يتغير فيها تعامل الأب والأم معه، بداية من لقب رجل الذى منحه الأب لابنه منذ نجح الحلاق رزق فى عملية ختانه، ليتبعها تفصيل زوجين من الأحذية الجلدية.. يقول "فكري" فى قصته: "هناك شيء ما يثور نزاع حاد بين الولد الذى أحبه، ولا يزال يسكننى وبين هذا الرجل الذى يدفع به أبى كى يقتحمني".
 ثم قصة بعنوان "منازل النهر".. ولمَ لا والحياة كلها على النهر، بل النهر هو الحياة، وهو الإله المقدس "حابي" منذ المصريين القدماء، وقد ارتبط الخير والنماء فى مصر بنهر النيل.. وفى هذه القصة يرصد الكاتب جوانب الحياة فى الريف والتى قارب شكلها القديم على الاندثار وحلت بدلا منها طقوس جديدة، فمثلا الأيدى العاملة فى الزراعة تم استبدالها بآلات زراعية، وحل "التروسيكل" بدلا من الحمار، وغيرها الكثير من العادات اليومية التى نمارسها فى حياتنا.
حتى عاد بنا الكاتب فى قصة "ظلال الدفء" إلى البيت الطينى القديم المليء بالدفء؛ هرباً مما نعانيه فى بيوتنا الخرسانية الباردة القبيحة، كأنه أراد أن يؤكد أن السعادة تكمن فى العودة إلى قيم وعادات أجدادنا التى تربينا عليها، ولا نقلد ونتأثر بالغرب، وننسى قيمنا المصرية الأصيلة.
ثم نرى العلاقات الاجتماعية واضحة فى قصة "ترنيمة شجية للرقم واحد"، وهى قصة بقرة وحيدة للعم عويس وبطة وحيدة لأم السعد.. وفيها الكثير من التعانق والتكاتف بين أهل القرية.
 فى المجموعة أيضا قصة بعنوان "سكة النخيل"، فالنخل مثل الجميز له قدسية وتاريخ من العطاء كبير، والمصريون القدماء اعتمدوا بشكل كبير على التمور، واعتبروها رمزا للحياة الطويلة، وعلماء الآثار عثروا على عدد من البلح فى قبر توت عنخ آمون، كما ورد اسم نخلة التمر فى القرآن الكريم وفى الكتب السماوية الأخرى مثل التوراة والإنجيل.
وفى قصة "انشطار الروح".. نرى الجدة الكبيرة التى تذكرت ما يحدث لحفيدتها مثلما حدث لابنتها "وردة" منذ عشرات السنين، التى تعرضت لأزمة صحية من أثر الحمل، والقرية نائية مثل الكثير من القرى التى هُمِّشت لعقود طويلة ولم تحصل على نصيبها من التطوير الصحى إلا قريبا، لقد كانت غارقة فى موروثاتها مثلما يصفها الكاتب بأنها مثل "عنزة عجفاء جائعة"، وتحمل هذه القصة الكثير من المعانى والدلالات غير المباشرة.
ومثلما أبدع الكاتب فى اختيار "رحيق الجميز" و"سكة النخيل" اختار "صبارة صفراء" عنوان قصة أخرى، فالصبار رمز للصبر، والاصفرار رمز لبهتان الحياة برمتها، وفيها الكثير من المعانى التى عبر عنها الكاتب عن حال الأم التى تصبر على عجز ابنتها مسلوبة الأحلام التى تأمل فى مغادرة دنياهم بلا ضجيج.
ختم مبدعنا الكبير "فكرى داود" مجموعته بقصة "الذكر" كأنه مولد المجموعة انفضّ بهذه القصة، والتى تدور أحداثها فى الليلة الكبيرة لمولد "سيدى اللاوندي" والطعام المنذور فيها خرج من كل البيوت ونحن شعب يحب التصوف والطرق الصوفية، ونعشق أولياء الله الصالحين والذكر والموالد، وفيها يمتد الذكر لآخر الليل وفيها موسى الشكشاكي- صاحب ميكروفون السرداق - يبحث عن "الزفر"، وليمته "ذكر البط معتق" حتى رحل دون أن يمنى النفس به.