الإثنين 20 مايو 2024

القوة الناعمة للصين في مصر (1)

مقالات15-4-2024 | 15:22

شهدت السنوات الأخيرة سعيًا متزايدًا من قبل الصين لاستخدام القوة الناعمة إلى جانب استخدامها التقليدي للقوة الصلبة، وهذا ما حدا بها إلى زيادة الاهتمام بتوظيف دبلوماسيتها العامة والدعاية والعلاقات العامة ووسائل إعلامها لإبراز ثقافتها وسياساتها، كما أن الطابع السلمي لسياستها جعل من القوة الناعمة جزءًا من إستراتيجية الصين الكبرى لتحقيق الصعود السلمي. وقد حرصت دولة الصين منذ زمن طويل على إقامة علاقات دولية ناجحة ودائمة مع جميع دول العالم، لاسيما المنطقة العربية، وظهر ذلك في دعمها للقضايا العادلة للأمة العربية.

وتعمل الصين اليوم على تطوير قواها الناعمة واستخدام مواردها وأدواتها لجذب شعوب العالم إليها، وتسعى إلى استخدام ثقافتها وقيمها ووسائل إعلامها للتواصل مع شعوب الدول الأخرى، وذلك لدعم وتعزيز قدرتها التنافسية، ومن هنا تسعى الدراسة الحالية إلى التعرف على الأنشطة الاتصالية للقوة الناعمة الصينية ودورها في تعزيز قدرتها التنافسية، حيث يكتسب موضوع الأنشطة الاتصالية المستخدمة في برامج القوة الناعمة الصينية أهمية خاصة في ظل التطور التكنولوجي، وما رافقه من تطور وسائل الإعلام وسعيها إلى مخاطبة شعوب الدول الأخرى بلغتها الأم، للترويج لثقافتها وهويتها وحضارتها وتفوقها وإنجازاتها.

في هذا الإطار جاءت رسالة دكتوراه الباحثة هبة صادق عبده عبد المجيد الحلو المعنونة: "اتصالات القوة الناعمة الصينية في مصر ودورها في تعزيز قدرتها التنافسية" بإشراف أ.د. علي عجوة عميد كلية الإعلام جامعة القاهرة الأسبق ود. أحمد خطاب رئيس قسم العلاقات العامة والإعلان بكلية الإعلام جامعة القاهرة.

   وسعت هذه الدراسة إلى التعرف على الأنشطة الاتصالية المستخدمة في برامج القوة الناعمة في مصر، والتعرف على أهداف تلك الأنشطة، ومدى مراعاة تلك الأنشطة الاتصالية لأبعاد الثقافة الوطنية المصرية، ورصد مدى اهتمام الجمهور المصري بمتابعة تلك الأنشطة الاتصالية. وقد اعتمد الإطار النظري للدراسة على مؤشر القوة الناعمة العالمي الذي تقدمه شركة براند فايننس Brand Fainns، حيث يرى أن هناك اعترافًا متزايدًا في الآونة الأخيرة بأن العلامات التجارية تؤثر على جميع أصحاب المصلحة، وأن القوة الناعمة هي قدرة الدولة على التأثير في تفضيلات وسلوكيات مختلف الجهات الفاعلة في الساحة الدولية، من خلال الجذب والإقناع، وأنه كلما كان أداء أي بلد من أسهم العلامة التجارية والقوة الناعمة أقوى كلما كان أداؤها الاقتصادي أقوي.

واعتمدت الدراسة في إطارها النظري أيضًا على مؤشر الهوية التنافسية لسيمون أنهولت Semon Anholt، حيث يقدم نموذجًا جديدًا يعتبر بمثابة الركائز الأساسية التي تعتمد عليها الشعوب لتكوين رأي عام أو سمعة عن دولة ما، ويرى أنهولت أن من لديه القدرة على الوصول إلى سوق عالمية متسعة ومختلفة بهوية ورؤية وإستراتيجية جلية وصادقة وجذابة ومخطط لها جيدًا، هو من يتمكن من المنافسة بشكل أفضل. واستعانت الدراسة أيضًا بنموذج "هوفستدHofsted " لأبعاد الثقافة الوطنية، للتعرف على مدى مراعاة الصين لأبعاد الثقافة الوطنية المصرية في الأنشطة الاتصالية لبرامج قوتها الناعمة التي تستهدف بها الجمهور المصري.

وقد اعتمدت الدراسة على تحليل صفحات الفيس بوك لثلاث منظمات صينية في مصر وهي السفارة الصينية والمركز الثقافي الصيني ومجلة الصين اليوم في الفترة من 17/9/2020 إلى 17/12/2020، والدراسة الميدانية التي تم إجراؤها على عينة قوامها 400 مبحوثًا من الجمهور المصري، وطبقت الدراسة خلال الفترة من 22 /11/ 2020 إلى 3/2/2021، بالإضافة للمقابلات المتعمقة التي أجرتها الباحثة مع 11 خبيرًا من المهتمين بالشئون الصينية.

لذلك تعمد الباحثة من خلال هذه الدراسة إلى التعرف على القوة الناعمة الصينية، والأنشطة الاتصالية المستخدمة فيها، ودورها في تحقيق أهدافها وبناء قدرتها التنافسية في مصر.

ويتبين من موضوع البحث ومن نتائج الدراسات السابقة، أن التأثيرات الناتجة عن التطورات الدولية المعاصرة، كشفت عن متطلبات جديدة في العلاقات الدولية، حيث أجبرت الدول على البحث عن آليات جديدة للتعامل فيما بينها تتجاوز الأطر القديمة، وجعلت الدول والحكومات تبحث عن أفضل الطرق للتعبير عن نفسها أمام شعوب الدول الأخرى، ومن خلال القوة الناعمة يمكن لدولة ما اختراق دول أخرى دون اللجوء إلى استخدام القوة الصلبة، وفي هذا الصدد تكون القوة الناعمة بمثابة أداة لترغيب الدول إلى تبني سياسة دول ما بإرادتها، وهذا يعني أن عنصر الإقناع يمثل الأساس الذي يقوم على مفهوم القوة الناعمة.

إن مفهوم الإقناع ضمن إطار القوة الناعمة يتطلب تغيير قيم كان الإنسان يعتنقها في الماضي ويدافع عنها، وهذا يعني تغيير سلوكه من خلال عناصر جذب يقتنع بها، وهذه القيم تمثل العلاقات التاريخية والثقافية بين الدول، حيث تستطيع الدولة من خلال ذلك الترويج والتسويق لنفسها، وتعمل الصين اليوم على تطوير قواها الناعمة واستخدام مواردها وأدواتها لجذب شعوب العالم إليها، وتسعى إلى استخدام ثقافتها وقيمها ووسائل إعلامها لجذب الناس إليها وبناء قدرتها التنافسية.

لذلك استهدفت الباحثة من خلال هذه الدراسة إلى التعرف على الأنشطة الاتصالية المستخدمة في برامج القوة الناعمة الصينية في  مصر ومعرفة أهدافها، وقياس مدى تأثير تلك الأنشطة  لبرامج القوة الناعمة الصينية على الجمهور المصري، والتعرف على مدى مراعاة الأنشطة الاتصالية للقوة الناعمة الصينية لأبعاد الثقافة الوطنية المصرية. ومعرفة أكثر موارد القوة الناعمة الصينية عملًا في جمهورية مصر العربية، ومحاولة التعرف على كيفية توظيف الصين لأدوات قوتها الناعمة وأنشطتها الاتصالية في بناء قدرتها التنافسية وتدعيم علاقاتها بمصر.

وفي هذه السلسلة من المقالات نستعرض نتائج هذه الرسالة المهمة ابتداءً من الأسبوع القادم بإذن الله.