الخميس 3 ابريل 2025

ثقافة

شكيب أرسلان شاعر البيان

  • 9-12-2024 | 08:20

شكيب أرسلان

طباعة
  • همت مصطفى

أحد أشهر الأقلام العربية، وأهمها وهو صاحب التأثير الكبير في حركة اليقظة والإصلاح في التاريخ الحديث، لُقِّب بـ  «أميرِ البيان»؛ لغزارة إنتاجِه الفكري، كان كثير التَّرحال؛ تنقَّلَ بينَ العديدِ من البُلدان، والتقى بالعديدِ من أعلامِ وأدباءِ ومُفكِّري عصرِه، وأثرى المكتبة العربية بالكثير من الإسهاماتِ الفكريةِ والأدبيةِ والسياسيةِ، والكتابات النثرية والشعرية، التي جعلتْهُ أحدَ أفذاذِ عصرِه، كما اعتُبِرَ واحدًا من كبارِ المفكِّرين ودُعاةِ الوحدة، إنه المفكر والأديب اللبناني شكيب أرسلان.

ترك شكيب أرسلان مكانة مرموقة اجتماعية وأدبية، بمؤلّفاته التحليلية عن أحوال العرب والمسلمين وبلاد الأندلس، فكان عالما بالأدب، والسياسة، ومؤرِّخ، ومن كبارالكُتَّاب، ومن أعضاء المجمع العلمي العربي.

 الميلاد والنشأة

ولد شكيب أرسلان، بقرية الشويفات، قرب بيروت غرة رمضان 1286 هـ  في 25 ديسمبر 1869 م، و«شكيب» تعني بالفارسية.. الصابر، و«أرسلان» تعني بالتركية والفارسية الأسد.

وتعين «أرسلان» مديرًا للشويفات، مسقط رأسه في لبنان سنتين، فقائم مقام في الشوف ثلاث سنوات، ثمَّ انتخب نائبًا عن حوران في مجلس «المبعوثان» العثماني.

 وتأثر «أرسلان» بعدد كبير من أعلام عصره ممن تتلمذ على أيديهم أو اتصل بهم في مراحل متعددة من عمره، وأول أساتذته كان  اللبناني الشيخ عبد الله البستاني، الذي علمه في «مدرسة الحكمة» وتأثر  بالعالم الأمريكي دكتور كرنيليوس فانديك» الذي كان يدرّس بالجامعة الأمريكية ببيروت، وكان دائم الإشادة به.

وكتب «أرسلان» الشعر وهو في منتصف العقد الثاني من عمره، وظهر نبوغه في الكتابة وغطت على شعره، فبدأ يراسل جريدة الأهرام المصرية، وظل على ذلك سنين فاستفاضت شهرته، وفي عام 1887م نشر ديوان شعره الأول وأسماه «الباكورة».

وأمضى زمنًا كبيرًا من عُمرِه في الرِّحلات، فقامَ برِحلاتِه المشهورةِ من لوزان بسويسرا إلى نابولي في إيطاليا، ومنها إلى بورسعيد في مصر، وهو عمره إحدى وعشرون سنة، واجتازَ قناةَ السويس والبحر الأحمر إلى جدَّةَ ثم مكَّة المُكرَّمة، وكان يُسجِّلُ في هذه الرحلة كلّ ما يراه ويُقابلُه.

أرقى الشخصيات وطلائع النهضة العربية

لازم «أرسلان» أستاذه، الإمام محمد عبده وتعرف من خلاله إلى أرقى الشخصيات، وكثير من الشعراء والأدباء والساسة،  من بينهم محمود سامي البارودي وعبد الله فكري ومحمد رشيد رضا والشيخ إبراهيم اليازجي، وتأثر «أرسلان» بجمال الدين الأفغاني تأثرًا كبيرًا، واقتدى به في منهجه الفكري وحياته السياسية. 

وتعرف إلى أحمد شوقي وإسماعيل صبري وغيرهم من أعلام الفكر والأدب والشعر في عصره، وكان لهذه البيئة أثر في حياة شكيب كأنها كانت أكبر جامعة من الجامعات التي دخلها وخرج منها على اطلاع وثقافة وسياسة، وأجادَ «أرسلان» عدةَ لغات، هي: العربيةُ، والتركيةُ، والفرنسيةُ، والألمانية.

كما تعرف «أرسلان» بمجموعة من طلائع النهضة العربية وتواصل معهم، و منهم.. سعد زغلول، والشيخ علي يوسف صاحب جريدة «المؤيد»، وكذلك أحمد زكي باشا الذي أصبح شيخ العروبة في تحقيقاته وكتبه وأدبه.

ناقدًا  ومناهضًا لاستعمار الشرق

وأدرك شكيب أرسلان، في بداية رحلته أثر العامل الديني في الصراع بين الشرق والغرب، وأكد عليه في كثير من كتبه ومقالاته، وأوضح أثر ذلك العامل في إثارة دول الغرب ودعمها لاستعمار الشرق واحتلال العالم الإسلامي، وربط بين الحملات الصليبية القديمة نحو الشرق وأخواتها المعاصرة على أيدي الفرنسيين والإنجليز والألمان، ولكنه كان أشد نقدًا للفرنسيين، فقد كانت فرنسا في طليعة الدول التي حاربت الإسلام والمسلمين، و خرجت منها وحدها إحدى عشرة حملة صليبية في مقابل حملة إنجليزية وأخرى ألمانية

وكان «أرسلان» من أكثر الدعاة إلى الوحدة العربية حماسًا، ومن أشدهم إيمانًا بأهميتها وضرورتها لمواجهة الهجمة الاستعمارية الشرسة على العالم العربي والإسلامي، وللخروج بالأمة العربية من حالة التفكك والتشرذم والضياع التي أرادها لها المستعمر الدخيل؛ حتى يسهل له السيطرة على أهلها والاستيلاء على خيراتها ومقدراتها.

ولم يقتصر دور شكيب أرسلان على الاهتمام بقضايا الأمة العربية وإيقاظ الهمم وبعث الوعي الوطني في داخل الوطن العربي،و انطلق يشرح قضية العرب ويفضح فظائع المستعمرين ويكشف زيفهم وخداعهم في كثير من بلدان العالم؛ فسافر إلى روما وأمريكا الشمالية وروسيا وإسبانيا، وقد استقبل في كل بلد زاره بكل حفاوة وتقدير، ونشر العديد من المقالات التي تفضح جرائم المستعمرين في حق الشعوب العربية والإسلامية، وتصور الحالة الأليمة التي صارت إليها الأمور في كثير من البلدان التي ترزح تحت نير الاستعمار.

مؤلفات شكيب أرسلان 

عاش شكيب أرسلان نحو ثمانين عامًا، قضى منها نحو ستين عامًا في القراءة والكتابة والخطابة والتأليف والنظم، وكتب في عشرات الدوريات من المجلات والصحف في مختلف أنحاء الوطن العربي والإسلامي،  وبلغت بحوثه ومقالاته المئات، فضلاً عن آلاف الرسائل ومئات الخطب.

ونظم «أرسلان» عشرات القصائد في مختلف المناسبات، و اتسم أسلوبه بالفصاحة وقوة البيان والتمكن من الأداة اللغوية مع دقة التعبير والبراعة في التصوير حتى أطلق عليه «أمير البيان». أصدر عددًا كبيرًا من الكتب ما بين تأليف وشرح وتحقيق، ومن أهم  وأشعر كتبه ومؤلفاته :

  • تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط»  مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر، الطبعة الأولى- سنة (1352 هـ - 1933م).
  • «الحُلل السُّندسية في الأخبار والآثار الأندلسية» مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر-، الطبعة الأولى، (1358 هـ - 1939م).
  • رواية آخر بني سراج: تأليف الكونت دي شاتوبريان – ترجمة: شكيب أرسلان،  مطبعة المنار بالقاهرة، (1343 هـ - 1925م)
  • السيد رشيد رضا، أو إخاء أربعين سنة - مطبعة ابن زيدون بدمشق، الطبعة الأولى، (1356 هـ - 1937م).
  • شوقي، أو صداقة أربعين سنة- مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر – الطبعة الأولى، (1355 هـ - 1936م).
  • «لماذا تأخَّرَ المسلمون وتقدَّمَ غيرُهم؟» مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر – الطبعة الأولى، (1358 هـ - 1939م).

المخطوطات شكيبب أرسلان
وقدم شكيب أرسلان العديد من المخطوطات تجاوزت الـ (24 مؤلف) ومعظم هذه المخطوطات موجود في المكتبة الخاصة بالملك المغربي الحسن الثاني، أو موزعة لدى العديد من أبناء الجبل في لبنان وحور، ومن مؤلفات «أرسلان» المخطوطة.. رحلة إلى ألمانيا، بيوتات العرب في لبنان.، ومذكرات الأمير شكيب أرسلان، وأودعها مكتب المؤتمر الإسلامي في القدس، لتنشر بعد وفاته.

عودة ورحيل

عاد شكيب أرسلان إلى وطنه في أواخر سنة 1366 هـ / أكتوبر 1946م، بعد أنهاية  الحرب العالمية الثانية سنة (1365 هـ / 1945م،وتحرير سوريا ولبنان،  فاستُقبل استقبالًا حافلا ببلاده، فمتع نظره بمشاهدة وطنه حرا مستقلا طليقا من الاحتلال والاستبداد .

وأصيب شكيب أرسلان، بعد عودته لبلاده بشهور، بتصلب الشرايين والنقرس والرمل في الكليتين،  ورحل عن عالمنا إثر مرضه  ليلة الإثنين في 9 ديسمبر 1946م

وهرع الأمراء من عائلته إلى بيته يرسلون إليه النظرة الأخيرة لوداعه، من بيروت ودمشق، وساد حزن كبير  في أنحاء العالمين العربي والإسلامي لموته، وشيع في اليوم التالي بموكب مهيب وصلي عليه في الجامع العربي ببيروت، وسار في قدمة هذا الموكب الحاشد، رئيس الجمهورية اللبنانية الشيخ بشارة الخوري حينذاك، ونقل جثمان الراحل إلى مسقط رأسه في الشويفات بلبنان.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة