الخميس 24 يوليو 2025

مقالات

ملامح شعرية .. من وحي يوليو


  • 23-7-2025 | 13:13

حزين عمر

طباعة
  • حزين عمر

الحرية؛ نبع الماء وقطرات الدم التي تسري في عروق القصيدة.. والحدث السياسي الأكبر في النصف الثاني من القرن العشرين؛ كان ولا يزال متهمًا من خصومه «بمصادرة الحريات»!! ومثلما تُنتقد ثورة يوليو لتأميم القطاع الخاص: إقطاعيات، ومصانع، ومؤسسات؛ تُتَّهَم بأنها كتمت أنفاس الإبداع والمبدعين!!

واقع هذا الإبداع – والشعر في صدارته – ينفي هذا الكبت المدعى، وهذه المصادرة المزعومة.. فثورة يوليو، منذ أول يوم بزغت فيه، أكدت ولاءها وانتماءها للثقافة القومية، ولهوية الوطن القائمة على هذه الثقافة.. بل إن رجالها جزء أصيل من هذه الثقافة، وبعضهم رموز نابغة في مجال الأدب والفكر والفن.. على سبيل المثال: ثروت عكاشة، مؤسس وزارة الثقافة والإرشاد القومي عام 1958، والأدباء والمثقفون والفنانون: يوسف صديق، وخالد محيي الدين، وجمال عبد الناصر، ويوسف السباعي، وأحمد مظهر، وأنور السادات... وبمجرد أن أمسك رجال الثورة بزمام الأمور، أعادوا الاعتبار، وأحسنوا التكريم والاحتفاء بثروات مصر الإبداعية التي ورثوها من العصر الملكي: طه حسين: رئيس تحرير جريدة الثورة (الجمهورية)، وتوفيق الحكيم، وسلامة موسى، وأمين الخولي، وأحمد أمين، وعباس العقاد المعادي للثورة؛ وأول من كرمته الثورة!! بمنحه جائزة الدولة التقديرية قبل وفاته بحوالي عام!!

أبناء الثورة

ثم احتفت أيما احتفاء بالجيل التالي لهؤلاء الرواد، وفتحت لهم كل منافذ النشر والإعلام: محمد مندور، رشاد رشدي، ثروت أباظة، لويس عوض، عبدالرحمن الشرقاوي، عبدالرحمن الخميسي، صلاح طاهر... بحيث يُحسب هؤلاء على الثورة أكثر مما يرتبطون بعصر ما قبلها.. وقدمت يوليو شعراءها ومسرحييها ومفكريها مباشرة: عزالدين إسماعيل، صلاح عبدالصبور، زكي نجيب محمود، شكري عياد، جمال حمدان، حسن فتح الباب، كمال نشأت، عائشة عبد الرحمن "بنت الشاطئ"، سهير القلماوي، نجيب سرور، محمود دياب، نعمان عاشور، صلاح جاهين، محمد مهران السيد، أمل دنقل... ونخبة كثيفة من أركان الشعر العربي.. فهل كان لهم أن ينبتوا في أرض بور صلبة جافة خلو من الحرية؟!!

فأية حرية كانت تُتهم الثورة بوأدها؟! أهي حرية الوطن نفسه في نبذ الاستعمار؟! وقد حدث!! أهي حرية إرادة حكامنا في اتخاذ ما يرونه من قرارات تخدم الشعب؟! وقد حدث!! أهي حقك في استرداد ثرواتك ومقوماتك بتأميم القناة مثلاً وإقامة السد العالي؟! وقد حدث!! أهي حق الباحثين في البحث العلمي ودعمهم؟! وقد حدث!! أهي الحق في التعلم والعمل والمساواة؟! وقد حدث!!

هنالك – إذن – حيز واسع من الحريات، غاب عنه "هامش" ضيق.. وهذا الغياب لم يؤثر سلبًا في الإبداع الشعري: كما، كما أشرنا، وكَيفًا كذلك.. ففي مواكبة الأحداث الثورية على المستوى السياسي، كانت هنالك ثورة موازية يخوضها الشعراء ضد (القصيدة التقليدية) أو الشعر المتوارث، أو النمط الإبداعي المستقر، الذي بلغ ذروته على يد أمير الشعراء أحمد شوقي.. ولم يعد باستطاعة أحد تجاوز تلك الذروة بمقاييسها ومفاهيمها وجمالياتها، حتى هذه اللحظة.. فأتاح جو الحرية الإبداعية والبحثية لبعض المتمردين على هذا النمط الشعري، أن ينحرفوا عنه، وأن يشقوا لأنفسهم مجرى آخر غير ما سار فيه لنهايته أحمد شوقي، وقبله محمود سامي البارودي، ثم حافظ إبراهيم، وخليل مطران، وأحمد محرم، ومدرسة أبولو، وصولًا إلى عباس العقاد الذي لم يقل عداؤه للثورة عن عدائه لهذه الحركة الشعرية التجديدية الموازية ليوليو.

وجدت "القصيدة التفعيلية" إذن بيئة حاضنة لتمردها ولنموها ولنضجها بشتى مراحلها.. من علي أحمد باكثير إلى صلاح عبد الصبور، وحسن فتح الباب، وعبد المنعم عواد يوسف، وكمال نشأت، ومحمد مهران السيد، وأمل دنقل، ومحمد إبراهيم أبو سنة.. وغيرهم.. ولولا بيئة الحرية هذه، لانكسرت الموجة التجديدية أمام ركلات العقاد ولطماته القاسية وتحريضه ضد شبابها – حينذاك – وقد كان يجسد "سلطة ثقافية" جبارة ورمزًا وطنيًا لا يستطيع أحد تجاهله؛ حتى الزعيم عبد الناصر نفسه، الذي منحه جائزة الدولة التقديرية، بناءً على نصيحة العميد طه حسين، الذي لم يتجرأ على نيل هذه الجائزة قبل العقاد!!
ولم يقف أثر الثورة على الشعر عند صمود حركة التجديد تلك، وازدهارها، بل تسللت سمات بعينها وملامح محددة إلى قصائد هؤلاء الشعراء: أبناء يوليو.. ونتوقف عند بعض – لا كل – هذه الملامح؛ وكذلك لدى بعض الشعراء، لا كلهم..

مثالية الريف

مثلما مالت الثورة باهتماماتها إلى الريف والقرية، من خلال الإصلاح الزراعي، وتوفير ماء الشرب النقي، وإقامة المدارس والمستشفيات، أضحى الريف والفلاح نموذجًا مثاليًا للوطن نفسه، عبّروا عنه بصدق فني وصدق واقعي.

يقول حسن فتح الباب:

ولطالما كنت الجموح المستريب

يعتادني شوقي إلى الأكواخ

والسيقان عارية، وأخشى

أن أحن إلى الجذور

طيرًا يفر من القيود

كي يستظل بنخلة ومسلة وكنيسة

ومنارة خضراء في حضن الجنوب

وتظل تتبعه المدينة: عد إلي..

فلا يجيب 

الريف بجماله، وشموخه، وتنوعه، وتجسيده للوطن: نخلة، مسلة، كنيسة.. هو المعادل الموضوعي للأب الذي غادر هذه الجذور مبكرًا، وانتزع نفسه منها مرتميًا في حضن المدينة التي يهرب الشاعر منها الآن.

ويناجي – متأسفًا – محمد مهران السيد جذوره القديمة في سوهاج، في قصيدة تحمل اسمها:

 سوهاج يا وجعي القديم

من ذا الذي أغراك حتى تسلميني للشتات

حتى توحشت الرؤى

وتهشمت فيها قدور الذكريات

أي انكساراتي أسجلها، وأي هزائمي

أغري بها الصمت اللئيم

يا نجعي المصلوب في القلب الكليم؟!

ولأجل هذه الحياة الكالحة التي فُرضت على الريف، وهذا الصمود والصبر التاريخي في مواجهة الجدب والآلام، كان لا بد للثورة أن تنحاز لهذا الريف: الأصل، الجذر.. وإن كانت الثورة نفسها مغضوبًا عليها في هذا السياق نفسه والقصيدة نفسها:

فليهتف الجمع السعيد

بالروح

بالدم

نفدي الحثالة، والمراتع، والمراقص، والمرايا،

والجواري، والنهود

بالروح

بالدم

يُقضى علينا في المهود!! 

والريف البريء ضحية للمدينة القاتلة!! فهي تقتل الأصل، الشهامة، الطيبة، الهوية.. حسبما يقول أمل دنقل:

دثّرته بعباءته

وسحبت جفنيه على عينيه..

حتى لا يرى من فارقوه!

وخرجت من باب المدينة

للريف:

يا أبناء قريتنا أبوكم مات

قد قتلته أبناء المدينة

ذرفوا عليه دموع إخوة يوسف

وتفرّقوا

تركوه فوق شوارع الأسفلت والدم والضغينة 

... وحركة التطور في المجتمع دفعت إلى هجرةٍ متواصلة من الريف إلى المدينة؛ المختلفة سلوكًا وحياةً عن أهل الريف النازحين – ومنهم الشعراء – فيحدث التصادم! وينمو الشعور بالغربة.

ثم إن العودة مرة أخرى إلى جذور رجال الثورة وانتماءاتهم الجغرافية تشير إلى جذورهم الممتدة خارج القاهرة؛ ما بين الصعيد والوجه البحري. فعلى سبيل المثال: يوسف صديق (بني سويف)، عبد الحكيم عامر (المنيا)، جمال عبد الناصر (أسيوط)، خالد محيي الدين (القليوبية)... والنفس تعفو دائمًا إلى مهبطها الأول: نفس الساسة، ونفس الحكام، ونفس الشعراء!!

أخبار الساعة

الاكثر قراءة