الإثنين 6 ابريل 2026

مقالات

الموازنة وإعادة توجيه الأولويات


  • 5-4-2026 | 19:46

عمرو سهل

طباعة

تابعت لقاء وزير المالية بعدد من المفكرين لتبادل الرؤى حول تطورات الأمور مع تداعيات الحرب الدائرة في المنطقة وكان من اللافت تلك النبرة الهادئة التي تحاول أن تقنع أكثر مما تعلن وأن تطمئن أكثر مما تفصح فلم يكن الأمر مجرد عرض لأرقام أو نسب بل محاولة لرسم صورة ذهنية لدولة تتحرك داخل واقع اقتصادي شديد التعقيد لكنها تصر على الإمساك بخيوطه وفي قلب المشهد يبرز "الحوار" بوصفه مدخلا رئيسيا كأن المقاربة لم تعد قائمة على القرار الأحادي بل على إشراك أهل الخبرة والرأي العام في صياغة المسار غير أن هذا الانفتاح يحمل دلالة أعمق وهي إدراك بأن لحظة اليقين قد تراجعت وأن إدارة الأزمات باتت تتطلب تعدد الرؤى لا الاكتفاء بمسار واحد ومن هنا يبدو الحديث عن "سيناريوهات بديلة" انعكاسا لمرونة مطلوبة بقدر ما هو اعتراف ضمني بقلق قائم والموازنة هنا لا تبدو كوثيقة مغلقة بل كمسار قابل لإعادة التشكيل تبنى على افتراضات لكنها تظل مفتوحة على التعديل والتصويب وبين مفردات "التحفيز" و"الترشيد" يتجلى التوتر الكلاسيكي في إدارة الاقتصاد فكيف يمكن توسيع الإنفاق لدعم النمو وتخفيف الأعباء دون الإخلال بالتوازنات المالية.

وفي الخلفية يظل المواطن حاضرا كغاية نهائية لكل هذه الترتيبات كتحسين الخدمات وزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية وكلها إشارات إلى محاولة إعادة توجيه الأولويات غير أن اللافت هو إسناد هذه الوعود إلى أرقام محددة كأن الخطاب يسعى إلى ترسيخ مصداقيته عبر لغة حسابية لا تحتمل التأويل بسهولة وفي المقابل يتغير موقع مجتمع الأعمال داخل المعادلة ولم يعد مجرد طرف خاضع للسياسات بل شريك يعول عليه في دفع النشاط الاقتصادي ويتجلى ذلك بوضوح في السعي لتوسيع القاعدة الضريبية طوعا وفي طرح حوافز تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والممولين وهنا تحديدا يبدو أن الرهان لا يقتصر على زيادة الإيرادات بل يمتد إلى بناء ثقة مفقودة منذ سنوات وعلى مستوى أعمق تظهر محاولة لإعادة ترتيب البنية التمويلية كتقليل الاعتماد على القروض التجارية والتوسع في التمويل التنموي وتنويع الأسواق والأدوات وإنها مقاربة تسعى إلى تخفيف عبء الدين أو على الأقل كبح تصاعده غير أن تحقيق ذلك يظل مرهونا بقدرة حقيقية على تحقيق فائض أولي وهو تحد يتقاطع مباشرة مع الضغوط الاجتماعية التي تفرض بدورها أولويات إنفاق ملحة.

أما التحول في الخطاب الضريبي فيحمل بعدا ثقافيا لافتا فالانتقال من منطق الجباية إلى خدمة العملاء لا يبدو مجرد تغيير لغوي بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الإدارة الضريبية والممول غير أن هذا التحول يظل اختبارا عمليا لقدرة الجهاز الإداري على ترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس يتجاوز النصوص إلى الممارسة اليومية وفي المحصلة تتشكل ملامح رؤية تسعى إلى التوازن بين متطلبات الاستقرار وضغوط الواقع بين الطموح في النمو والحاجة إلى الانضباط المالي لكن هذه الرؤية مهما بدت متماسكة تبقى رهينة قدرتها على العبور من مستوى التصور إلى مستوى التطبيق حيث تختبرها التفاصيل وتقاس بمدى انعكاسها الفعلي على حياة الناس.