8-8-2026 | 11:08
أماني عزت
في كل موسم، يزداد القلق داخل البيوت من مجرد ذكر اسم «الجديري المائي»، وقد يظن كثيرون أنه مجرد طفح جلدي يمر مرور الكرام، لكن الحقيقة ومعها الأرقام العالمية تقول عكس ذلك.
فقبل انتشار اللقاحات كان الجديري المائي أكثر إنتشاراً عالمياً لكن الأن مع وجود لقاح للجديري المائي فقد عزز قدرة الطب على مواجهة الفيروس العنيد، وأصبح بالإمكان الوقاية منه.
لكن ما هي نسبة الوقاية منه، وما هى الفئات الأكثر تعرضاً للإصابة، وما هى مضاعفاته، وأبرز طرق العلاج، حول هذا يدور حوارنا مع الدكتور عمر عزام أستاذ الأمراض الجلدية الذي يقدم لنا وصفة علمية متكاملة للتعامل مع فيروس الجديري المائي.
في البداية، نلاحظ أن كثيرا من الأمهات تتعامل مع الجديري المائي كمرض عابر لا يستدعي القلق.. هل هذه النظرة صحيحة طبيا؟
للأسف، هذه النظرة خاطئة، فالجديري المائي ليس مجرد بثور تظهر وتختفي، فهو مرض فيروسي حاد شديد العدوى يسببه فيروس «VZV» الذي ينتمي إلى عائلة فيروسات الهربس، وتكمن خطورته في طريقة انتقاله؛ فهو لا ينتقل فقط بالتلامس المباشر مع الحويصلات الجلدية المليئة بالسائل، بل أيضا عبر الرذاذ التنفسي المنبعث من العطس أو السعال أو حتى مجرد التحدث عن قرب، وتمتد فترة الحضانة من 10 إلى 21 يوما، ويكون المريض معديا قبل ظهور الطفح الجلدي بـ24 إلى 48 ساعة، ويظل كذلك حتى تجف جميع البثور وتتحول إلى قشور، وهي فترة قد تستمر أسبوعا كاملا، وهذا يعني أن الشخص ينقل العدوى للآخرين وهو لا يعلم حتى أنه مريض، كما أن هناك مضاعفات قد تصيب المريض.
لكن هل يتعرض كل المصابين للمضاعفات؟
بالتأكيد لا، لكن الخطر قائم دائما، فالأطفال الأصحاء دون سن 12 عاما هم الأقل عرضة للمضاعفات، لكن المشكلة تكمن في أن 15 % من الحالات تصيب المراهقين والبالغين، وهذه الفئة تحديدا هي الأكثر عرضة للمضاعفات الشديدة بنسبة تصل إلى 25 ضعفا مقارنة بالأطفال، علاوة على ذلك، فإن النساء الحوامل، والأطفال حديثي الولادة، ومن يعانون من أمراض مناعية أو يتناولون بعض الأدوية، هم مجموعات عالية التعرض للمضاعفات وتستوجب التدخل الطبي الفوري.
هل من الممكن التفصيل أكثر عن هذه المضاعفات؟
المضاعفات ليست مجرد أعراض عابرة، بل هي حالات طارئة تهدد الحياة.
أولا: التهاب الدماغ الفيروسي، وهو يحدث عندما يعبر الفيروس الحاجز الدموي الدماغي، ويتسبب في نوبات صرع وهذيان وغيبوبة، وقد يترك أضرارا عصبية دائمة.
ثانيا: التهاب الرئة الفيروسي وهو السبب الأول للوفيات بين البالغين المصابين بالجديري، حيث يسبب ضيقا حادا في التنفس وسعالا دمويا وانخفاضا كبيراً في نسبة الأكسجين بالدم.
ثالثا: التهاب مجرى البول والإحليل، خاصة عند الذكور مما يسبب ألما شديدا وصعوبة في التبول.
رابعا: التعرض لجفاف الجلد الشديد والعدوى البكتيرية الثانوية، فعندما يحك المريض جلده بأظافر غير نظيفة تنفتح البثور وتسمح بدخول بكتيريا المكورات العنقودية مما يؤدي إلى التهابات جلدية قيحية أو حتى تسمم الدم، وهذه المضاعفات كلها تؤكد أن العلاج يبقى ضروريا ومهما لجميع المرضى.
وهل تختلف طريقة علاج البالغين عن الأطفال؟
تختلف بعض الشيء، ولدينا هنا محوران متكاملان: المحور الأول هو العناية الموضعية والجلدية، وأهم عنصر فيه هو دهان الجلد بمستحضرات تحتوي على أكسيد الزنك وأكسيد الحديديك التى يصفها الطبيب، لأنها تعمل كمهدئ طبيعي وتجفف الحويصلات بسرعة، وتقلل من شدة الحكة بشكل ملحوظ، وتمنع تكون الندبات الجلدية، وننصح بوضع هذه المستحضرات عدة مرات يوميا على البثور، مع الحفاظ على نظافة الجسم بحمامات فاترة تحتوي على مطهر خفيف.
أما المحور الثاني فهو العلاج الموجه للفيروس، وهو استخدام الأدوية المضادة للفيروسات، وتعمل هذه الأدوية التى يتم تناولها بعد استشارة الطبيب على تثبيط الإنزيم الخاص بالفيروس فتمنع تضاعفه داخل الخلايا المصابة، والشرط الأهم هو البدء بتناولها خلال أول 24 إلى 48 ساعة من ظهور الطفح لأن الفعالية تنخفض بشكل حاد بعد هذه الفترة خاصة لدى البالغين والمراهقين.
وهل يمنع لقاح الجديري المائي الإصابة بالفيروس؟
جرعة واحدة من اللقاح تعطي مناعة وقائية تصل إلى 95 % ضد المرض الخفيف، وتصل إلى 100 % تقريبا ضد الأشكال الشديدة والمضاعفات الخطيرة التي تحدثنا عنها، أما إعطاء جرعتين منفصلتين: الأولى عند عمر 12 شهرا والثانية عند عمر 4 إلى 6 سنوات. وهذا يرفع نسبة الحماية إلى 99 % ويضمن استمرار المناعة لعقود طويلة، وفي حالات نادرة يحدث أن يصاب نحو 3 % من المطعمين بالمرض لكن الأعراض تكون خفيفة للغاية، إذ تظهر بثور معدودة لا تتجاوز العشرين دون حرارة مرتفعة وتختفي خلال أيام دون أي مضاعفات، وهذا يعني أن اللقاح يحول المرض من كابوس إلى مجرد نزلة جلدية عابرة.
بجانب التطعيم، ما إجراءات الوقاية اليومية التي توصي بها للحد من انتشار العدوى في المنزل؟
هناك ثلاثة إجراءات ذهبية:
• قص الأظافر بشكل مستمر وقصير جدا للمريض. وهذه النصيحة قد تبدو سطحية، لكنها في غاية الأهمية؛ لأن تقصير الأظافر يمنع الحك العنيف للجلد، وبالتالي يحمي من تمزق الحويصلات، ويحد من تسرب السائل المعدي إلى الجلد السليم أو إلى الأسطح المحيطة، ويقي من الندبات الدائمة التي تشوه المظهر.
• التحذير من استخدام أدوية لخفض الحرارة أو تسكين الآلام عند مرضى الجديري المائي، خاصة الأطفال والمراهقين، لان إعطاء هذه الأدوية أثناء الإصابة بالجديري المائي أو أي عدوى فيروسية يرفع بشكل كبير خطر الإصابة بالتورم الحاد في خلايا المخ وترسب دهني في الكبد، وقد يؤدي إلى الوفاة خلال أيام، والبدائل الآمنة يتم تناولها تحت إشراف الطبيب المعالج.
• العزل المنزلي لمدة لا تقل عن 5 إلى 7 أيام من بداية الطفح، مع تهوية الغرفة جيدا وتعقيم الأسطح المشتركة ومنع المخالطة اللصيقة مع الحوامل أو كبار السن.
هناك فئات مثل الحوامل والأطفال الرضع، ما هو التعامل الأمثل إذا تعرضوا للعدوى؟
هذه الفئات هي الأصعب، فإذا تعرضت امرأة حامل للجديري المائي في الأشهر الأولى من الحمل، قد يسبب الفيروس تشوهات خلقية للجنين، وإذا أصيبت قبل الولادة بأيام، فقد يصاب المولود بالتهاب رئوي حاد يهدد حياته، أما الأطفال الرضع، فيجب البدء بتطعيمهم فور بلوغهم عمر 12 شهر.
كلمة أخيرة توجهها للأمهات والآباء؟
كلمتي بسيطة وواضحة: لا تنتظروا حتى يصاب أطفالكم، فالوقاية خير من قنطار علاج، اذهبوا إلى أقرب مركز صحي واسألوا عن جدول التطعيمات واحصلوا على جرعات الجديري المائي في موعدها. وإذا حدثت العدوى فلا تترددوا في استشارة الطبيب فورا والتزموا بالعلاجات والمستحضرات الموضعية ومضادات الفيروسات التى يصفها الطبيب.