في ظل استمرار حالة المماطلة الإسرائيلية بشأن اتفاق غزة، يأتي رفض جديد لتنفيذ خطة مجلس السلام في غزة، وهو الموقف الذي أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بما يعرقل تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، ويؤكد سياسيون أن رد الفعل الإسرائيلي الرافض للاتفاق كان متوقعًا وأن الكرة أصبحت في ملعب الجانب الأمريكي للضغط على الاحتلال، مع التأكيد على أهمية استمرار التهدئة ووقف عمليات القتل، والبدء في الترتيبات الخاصة بالشرطة والقوات المكلفة بالاستقرار الدولي في قطاع غزة.
وقبل أيام، التقى السفير إيهاب سليمان، سفير جمهورية مصر العربية في رام الله، بالدكتور محمد مصطفى، رئيس وزراء دولة فلسطين، وبحثا تطورات الأوضاع في قطاع غزة، حيث شدد السفير المصري على أهمية ضمان استدامة وقف إطلاق النار، وتنفيذ خارطة الطريق للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم ٢٨٠٣، بما يمكّن اللجنة الوطنية لإدارة غزة من مباشرة مهامها المؤقتة من داخل القطاع، وصولاً إلى تمكين السلطة الوطنية الفلسطينية من الاضطلاع بمسئولياتها كاملة في قطاع غزة والضفة الغربية عقب انتهاء المرحلة الانتقالية، بما يدعم جهود الإغاثة والتعافي المبكر وإعادة الإعمار، ويسهم في تحسين الأوضاع الإنسانية.
وأكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يوم الأحد، أن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته في القطاع الفلسطيني ولن ينفّذ أي انسحاب قبل ما وصفه بـ"نزع حقيقي لسلاح حماس"، رافضا بذلك خطة مجلس السلام بشأن غزة، التي تحدد المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر الماضي والذي أنهى عامين من الحرب بين إسرائيل وحماس، والتي تنص على انسحاب القوات الإسرائيلية تدريجياً من غزة بالتزامن مع نزع سلاح حماس - وهو ما أعلن نتنياهو رفضه بشكل واضح..
وقال نتنياهو، في اجتماع لمجلس وزرائه الأحد: "عندما أقول إن حماس يجب أن تنزع سلاحها، فإنني أعني بذلك الأسلحة الثقيلة، والخفيفة، وكل الأسلحة".، مؤكدا موقفه الرافض لقيام دولة فلسطينية.
وفي المقابل، طالبت حركة حماس الولايات المتحدة بالضغط على نتنياهو لقبول اتفاق غزة، مؤكدة أنها لا تزال "ملتزمة بمقترح مجلس السلام، في إطار المسؤولية الوطنية"، وفق ما نقلت الوكالة الفرنسية للأنباء عن عضو الحركة باسم نعيم.
خطورة كبيرة
أكد الدكتور محمد مرعي، خبير بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، إن عدم التزام الاحتلال الإسرائيلي باتفاق غزة، خاصة في ظل تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة برفض خطة مجلس السلام والربط بين الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح حماس، يحمل خطورة كبيرة ويقفز على كل الجهود والمساعي التي مورست خلال الشهور الأخيرة من مصر وباقي الوسطاء بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك كبعوث مجلس السلام نيكولاي ميلادينوف، ممن سعوا جميعا للوصول لاتفاق لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب يراعي شواغل جميع الأطراف.
وأوضح "مرعي"، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أن نتنياهو يوظف داخليا رفضه الخطة المقدمة، لصالح معركته السياسية قبيل الانتخابات التي ستجرى في أكتوبر المقبل ، في ضوء أن الهجوم عليه من المعارضة ركز على فكرة فشل نتنياهو في نزع سلاح حماس، مشيرا إلى أن ما يهم الآن هو كيف ستتصرف واشنطن وإدارة ترامب، في ظل إصرار نتنياهو على عرقلة تنفيذ خطة السلام في غزة، وفي ضوء أيضا أن حركة حماس تجاوبت بعد مفاوضات عديدة في القاهرة لمطالب ضرورة نزع سلاحها بالكامل.
ولفت إلى أن النقطة الخلافية في عملية نزع سلاح حماس، كانت حول التوقيت والآلية، نتنياهو كان يرغب في نزع السلاح أولا بالكامل قبل الشروع في الانسحاب شرق الخط الأصفر وتنفيذ باقي التزامات إسرائيل في الاتفاق، لكن رفضت حماس هذا التصور، فوصلت مصر بالتوافق مع تركيا وقطر وميلادينوف على أن يتم نزع السلاح بشكل تدريجي وأن يتزامن ذلك أيضا مع انسحاب تدريجي لقوات الاحتلال من غزة.
وأضاف أنه تم الاتفاق على أن يتم أولا تجميع السلاح وتسليمه للجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة، ثم يتم تخزينه وأن يكون ذلك تحت إشراف قوة الاستقرار الدولية، ووافق الجانب الأمريكي على هذا التصور، حتى أن نتنياهو نفسه وافق في البداية، لكن يبدو أنه فوجئ بموافقة حركة حماس أيضا مما وضعه في مأزق ودفعه للعودة للمراوغة والتنصل مرة أخرى من الاتفاق.
ولفت إلى أن تنصل وانقلاب نتنياهو على ما تم الاتفاق عليه، يعيد مرة أخرى الحديث بشأن خطة تهجير سكان القطاع والتي لم يتخلى عنها اليمين المتطرف الحاكم في إسرائيل، لأن الأخطر أيضا أن استمرار التعنت الإسرائيلي في تنفيذ الانسحاب وفقا لما تم التوافق عليه يهدد بتحويل الاتفاق من مسار تدريجي لإنهاء الحرب إلى حالة مفتوحة من إدارة الأزمة، بما يعيد احتمالات التصعيد ويعطل دخول المرحلة الثانية.
وشدد على أن هذا تحديدا ما يجب التعامل معه بحذر شديد، لأن أي انهيار للاتفاق ستكون له تكلفة إنسانية وسياسية وأمنية كبيرة على المنطقة كلها، وليس الفلسطينيين وحدهم، مشيرا إلى أن تصريحات نتنياهو الأخيرة، تعني عمليا محاولة إعادة ترتيب الأولويات التي جرى التفاوض عليها، ووضع شرط إسرائيلي جديد أو أكثر تشددا أمام استكمال الانسحاب.
وأضاف أنه وفي المقابل، فإن مجلس السلام أكد أن الخطة ما زالت قائمة وأن المفاوضات مع إسرائيل مستمرة، كما أكد ملادينوف أن تنفيذ الخطة هو الطريق للمضي قدما، ليكون السؤال عن الخطوة القادمة من ميلادينوف وحتى من إدارة ترامب، هل سيتم ممارسة ضغوط على نتنياهو أم سيتم الانتظار حتى إجراء الانتخابات الإسرائيلية القادمة أم سيكون هناك مطالبة باستمرار الضغط على حماس لتقديم تنازلات لم تعد موجودة.
وأكد أن حركة حماس لم يعد لديها ما تقدمه حاليا، فهناك موافقة صريحة على تجميع وتسليم السلاح للجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة مع شرط أن يتزامن مع انسحاب تدريجي لقوات الاحتلال، وفرضية أن تكون هناك موافقة مع تسليم ونزع السلاح دون انسحاب فرضية ضعيفة.
دور مصر
وشدد على أن مصر تحديدا لديها مصلحة مباشرة في ألا يتحول قطاع غزة إلى منطقة صراع دائم على حدودها، ولذلك فإن الحفاظ على الاتفاق وتنفيذ بنوده يمثلان جزءا أساسيا من الأمن القومي المصري، إلى جانب كونهما مدخلا ضروريا لمنع التهجير والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية.
وتابع أن الجهود والتحركات المصرية لم ولن تتوقف حتى التنفيذ الكامل لخطة الرئيس ترامب، وأهمها انسحاب إسرائيل من القطاع وتسليم السلطة للجنة فلسطينية ونزع السلاح ثم البدء في مشاريع إعادة الإعمار.
وأكد أن التعنت الإسرائيلي لا ينبغي النظر إليه فقط باعتباره خلافا بين نتنياهو وحماس، وإنما باعتباره اختبارا حقيقيا لقدرة الإدارة الأمريكية والوسطاء على فرض تنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها، وإذا أصبح من الممكن لأي طرف أن يعيد فتح البنود التي تم الاتفاق عليها بعد توقيعها، فإن ذلك سيضعف مصداقية أي ترتيبات مستقبلية، وسيجعل الوصول إلى اتفاقات جديدة أكثر صعوبة.
وأكد أنه في المرحلة المقبلة يجب التركيز على تثبيت مبدأ أساسي: لا يمكن الانتقال إلى ترتيبات جديدة أو إعادة التفاوض على كل بند في الاتفاق كلما ظهرت ضغوط سياسية داخل إسرائيل، والمطلوب هو تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، مع معالجة الملفات الخلافية من خلال الوسطاء، وليس استخدام هذه الملفات ذريعة لتعطيل الانسحاب أو إبقاء القوات الإسرائيلية داخل القطاع.
الإدارة الأمريكية يمكنها الضغط على الاحتلال
ويقول الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية الفلسطيني، إن رد فعل الاحتلال الإسرائيلي على خطة مجلس السلام في غزة ورفضها كان متوقعًا؛ لأن هناك انتخابات إسرائيلية في الأيام القادمة، وبالتالي الإسرائيليون قد لا يذهبون إلى أي اتفاق قبل هذا الموعد، موضحا أن التهرب الإسرائيلي من هذا الأمر سيرتبط بالانتخابات.
وأضاف في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أن الإدارة الأمريكية الجهة الوحيدة القادرة على الضغط على الاحتلال الإسرائيلي، وخاصة أن بنيامين نتنياهو صرح علانية أنه لن يطبق الاتفاق وخارطة الطريق التي تم التوافق عليها مع مجلس الأمن ومع الفصائل الفلسطينية وبوجود الوسيط المصري والأمريكي.
وأكد أن الكرة الآن في ملعب الأمريكيين؛ إما أن يضغطوا على الإسرائيليين، أو ستستمر حالة المماطلة من قبل الأمريكيين والإسرائيليين حتى الوصول إلى انتهاء الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر المقبل، وتشكيل حكومة قد تكون، إذا نجح نتنياهو أو منافسه إيزنكوت، في نهاية هذا العام.
وتابع أن الأمور قد تسير بهدوء بعيدًا عن نتنياهو، من خلال البدء بإنشاء قاعدة صغيرة لوصول قوات الاستقرار الدولي في غزة، وكذلك ترتيب موضوع الشرطة التي ستتولى مهامها الأمنية في قطاع غزة، وبالتالي يمكن استغلال هذه الفترة لإعادة الترتيب الداخلي في القطاع.
وشدد على أن «أهم شيء أن يتم وقف عملية القتل في القطاع، وهناك أصبح تفاهم على وقف القتل بشكل أو بآخر في هذا الصدد، وهدوء نسبي في غزة خلال الأيام الماضية، وإن لم يكن بشكل كبير»، موضحا أن هذا ما يهم في هذه المرحلة، وعلى أمل أن تتغير الأمور في المرحلة القادمة.
وأكد أن الاحتلال الإسرائيلي يماطل حتى الآن في تنفيذ بنود الاتفاق، وحتى في المرحلة الأولى من الاتفاق، لم يلتزم بشيء وظل في عملية مماطلة بشكل كبير جدًا، مضيفا لكن إذا كانت الخيارات محدودة فالمناورة داخل الخيارات مطلوب، فليس هناك سبيل سوى التحرك على صعيد المجتمع الدولي لاستمرار عملية التهدئة والبدء في ترتيبات الشرطة ودخول قوات للاستقرار الدولي للقطاع.
وشدد على أن عملية المماطلة من الإسرائيليين واردة؛ لأن المرحلة الأولى من الاتفاق، لم يلتزم الاحتلال بها بشكل كبير وظلت الأمور تسير باتجاه ضعيف وبطيء، وعمليات التهدئة التي بدأت من 11 أكتوبر الماضي حتى الآن استُشهد فيها أكثر من 1250 شهيدًا.