الأحد 30 اغسطس 2026

تحقيقات

مصر والصين.. 70 عامًا من العلاقات وشراكة استراتيجية تتجه إلى آفاق أوسع

  • 30-8-2026 | 14:46

مصر والصين

طباعة
  • محمود غانم

على مدار سبعة عقود، رسخت مصر والصين نموذجًا متفردًا للعلاقات القائمة على الاحترام المتبادل وتطابق الرؤى تجاه العديد من القضايا، لتتحول الشراكة بين القاهرة وبكين من علاقات دبلوماسية بدأت عام 1956 إلى شراكة استراتيجية شاملة تمتد إلى مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية والتنموية والثقافية.

وتحتل العلاقات المصرية الصينية مكانة متقدمة في أولويات السياسة الخارجية للبلدين، في ظل ما تتمتع به القاهرة من ثقل إقليمي وموقع استراتيجي، وما تمثله بكين من قوة اقتصادية وسياسية كبرى على الساحة الدولية.

وخلال السنوات الماضية، شهدت العلاقات نقلة نوعية انعكست في زيادة حجم التعاون والتنسيق بين البلدين، ودعم مشروعات التنمية والاستثمار، إلى جانب استمرار التشاور بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وتتزامن هذه المرحلة من تطور العلاقات مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، في ذكرى تحمل دلالة خاصة، باعتبار مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع الصين.

وتكتسب المناسبة زخمًا إضافيًا مع الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، حيث يلتقي الرئيس عبد الفتاح السيسي لبحث سبل دفع الشراكة الاستراتيجية الشاملة إلى آفاق أوسع، وتعزيز التعاون بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين.

ويؤكد خبراء أن العلاقات المصرية الصينية انتقلت إلى مستوى أكثر أهمية واستراتيجية، وأن تعزيزها يخدم المصالح المصرية في المجالات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، ويدعم قدرة القاهرة على تنويع علاقاتها الدولية.

علاقات استراتيجية

وفي هذا السياق، يقول الدكتور محمد عبد العظيم الشيمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة العاصمة، إن العلاقات المصرية الصينية علاقات استراتيجية ممتدة، ولها طابع تاريخي، إذ تشمل مختلف الأصعدة، سواء السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية أو الثقافية.

ويوضح الشيمي، في تصريح خاص لـ«دار الهلال»، أن مصر والصين تلعبان أدوارًا مشتركة في العديد من المحافل الدولية، وعلى مستوى المؤتمرات والمنظمات التابعة للأمم المتحدة، فضلًا عن أن حجم التنسيق بين البلدين يشهد مستويات مرتفعة.

ويضيف أن التقارب المصري الصيني خلال الفترة الأخيرة، في ظل تأزم العديد من الأوضاع والقضايا الدولية والإقليمية، بدأ يأخذ شكلًا من أشكال تبني الرؤى المشتركة بين الطرفين، سواء فيما يتعلق بالأزمة الروسية الأوكرانية أو أزمات الشرق الأوسط.

ففيما يتعلق بالأزمة الروسية الأوكرانية، يقول إن مصر والصين تحاولان، على مدار أكثر من أربعة أعوام، البحث عن سبل للتوصل إلى حلول لهذه الأزمة، كما شهدت المبادرتان المصرية والصينية أشكالًا مختلفة من التنسيق المشترك، خاصة مع وجود محاولات للوساطة من جانب البلدين في العديد من المواقف.

وفيما يتعلق بأزمات الشرق الأوسط، يشير إلى أن مصر والصين تحاولان تبني العديد من المواقف المشتركة، لا سيما تجاه الأزمة في غزة، وكذلك التصعيد الأمريكي الإيراني الأخير في المنطقة وتداعياته وانعكاساته على الاقتصاد الإقليمي والعالمي، وعلى مصر والصين بشكل خاص.

ويؤكد الشيمي أن مصر تحاول دائمًا أن تكون لديها علاقات ممتدة مع مختلف الأطراف والقوى الدولية، في إطار إدارتها لملفاتها الدولية، موضحًا في هذا السياق أن الصين أصبحت واحدة من القوى الدولية الكبرى على المستويين الاقتصادي والسياسي خلال الفترة الأخيرة، ومن ثم يحظى التقارب والتنسيق المصري الصيني باهتمام كبير.

ويوضح أن مصر ترى في الصين دولة يمكن أن تمثل طرفًا موازنًا في معظم الأزمات المرتبطة بالشرق الأوسط، انطلاقًا من الرؤية المصرية التي ترى أن التعويل فقط على الوساطة والدور الأمريكي في قضايا المنطقة لم يؤدِ إلى حلول حقيقية.

وتابع: «ومن ثم، فإن وجود قوى دولية أخرى، مثل الصين وروسيا، يمكن أن يسهم في تحقيق نوع من توازن القوى في منطقة الشرق الأوسط، بما يساعد على إخراج المنطقة من دائرة التصعيد الإسرائيلي الأخيرة».

ويشدد على أن من هنا تأتي أهمية التقارب المصري الصيني والتنسيق المشترك، خاصة في الملفات السياسية والعسكرية، لا سيما أن البلدين شهدا خلال الفترة الأخيرة حالة من التقارب والتنسيق العسكري في العديد من الملفات.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يضيف أن مصر والصين تعملان على تعزيز حجم كبير من الشراكات الاقتصادية وتوسيع مجالات التعاون بين البلدين، حيث تُعد مصر من أهم الشركاء الاستراتيجيين للصين اقتصاديًا في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما توليه بكين اهتمامًا كبيرًا، باعتبار أن الاقتصاد والقوة الاقتصادية يمثلان أحد أهم أذرع الصين في تعاملاتها مع الملفات الخارجية.

وفي هذا الإطار، يؤكد أستاذ العلوم السياسية أنه يجب وضع الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني إلى مصر في إطارها الصحيح، والتعامل معها بموضوعية، إذ لا ينبغي التعويل عليها بصورة مبالغ فيها.

ويشدد على أن الزيارة تأتي في توقيت مهم، وتحمل العديد من الملفات التي يجري بحثها ودراستها ووضعها في الاعتبار.

ويشير إلى أن الصين تحاول، في ظل ما تراه من وجود تراجع للدور الأمريكي في الشرق الأوسط، أن تستكشف فرص التمدد في عدد من الملفات داخل المنطقة، ومن ثم فإن تعويلها على الدور المصري يأتي باعتبار أن مصر دولة ذات ريادة وثقل في منطقة الشرق الأوسط، مضيفًا: «قد يكون ذلك أحد الأهداف التي تسعى الصين إلى تحقيقها في هذا التوقيت».

واختتم مؤكدًا أن هذه الزيارة لن تنعكس إيجابيًا على مصر فقط، إذ إنها في المقام الأول جزء من رؤية الصين للتعامل مع منطقة الشرق الأوسط وتحقيق أهدافها ومصالحها فيها.

علاقات متنامية

ومن جهته، يقول الدكتور إكرام بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية، إن العلاقات المصرية الصينية تاريخية، وتعود إلى عام 1956، أي أنها تمتد لنحو سبعة عقود، مشيرًا إلى وجود العديد من القواسم المشتركة بين مصر والصين، إذ يمتلك البلدان حضارتين عريقتين تمتد جذورهما إلى آلاف السنين.

ويضيف بدر الدين، في تصريح خاص لـ«دار الهلال»، أن العلاقات المصرية الصينية شهدت تناميًا خلال السنوات الأخيرة، في ضوء الحراك الدبلوماسي والزيارات المتبادلة بين قيادتي البلدين، موضحًا أن الرئيس عبد الفتاح السيسي قام بعدد من الزيارات إلى الصين، سواء في إطار المبادرات والفعاليات الدولية، أو للمشاركة في مناسبات مثل اجتماعات مجموعة «بريكس» وغيرها.

ويوضح أن الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني إلى مصر يمكن النظر إليها في إطار ما يُعرف بـ«دبلوماسية القمة»، أي دبلوماسية القادة والزعماء، وهي دبلوماسية نشطة في السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة.

ويشير أستاذ العلوم السياسية إلى أن مثل هذه الزيارات واللقاءات تتناول عادةً نوعين رئيسيين من القضايا؛ أولهما القضايا الثنائية، التي تتعلق بتدعيم الروابط الاقتصادية والاستثمار والتجارة والسياحة والمشروعات المشتركة، إلى جانب توطين الصناعة الصينية في مصر، وهي نقطة شديدة الأهمية، بما يسهم في تعزيز العلاقات الصناعية بين البلدين وتوطين هذه الأنشطة والمشروعات داخل مصر.

ويتابع أن النوع الثاني يتمثل في القضايا ذات الاهتمام المشترك، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، والتي يجري خلالها بحث مختلف الملفات وتقارب وجهات النظر المصرية والصينية بشأنها.

ويؤكد بدر الدين أن الهدف من الزيارة يتمثل في مزيد من التدعيم والتوطيد للعلاقات المصرية الصينية، بما يعزز تحولها إلى علاقات استراتيجية تتسم بالدوام والاستمرارية، وبما يحقق المنفعة المتبادلة للدولتين والشعبين.

وحول أهمية تعزيز مصر لعلاقاتها مع الصين، يقول أستاذ العلوم السياسية إن الصين أصبحت خلال السنوات الأخيرة قطبًا دوليًا مؤثرًا، ليس فقط على المستوى السياسي والاقتصادي، وإنما أيضًا على المستوى العسكري.

ويلفت إلى أن تعزيز العلاقات المصرية مع الصين يضفي قدرًا من الاستقلالية على السياسة الخارجية المصرية، بحيث لا تكون مرتبطة بدولة واحدة أو بعدد محدود من الدول، وإنما تنفتح على قوى دولية مؤثرة أخرى في النظام الدولي.

ويشير إلى أن مصر تتبع في هذا الإطار سياسة الانفتاح على الشرق أو التوجه نحو الشرق، والمقصود بالشرق هنا قارة آسيا، التي تضم الصين، إلى جانب دول النمور الآسيوية وغيرها من الدول ذات الاقتصادات المؤثرة.

ويوضح أن هذا التوجه يمنح السياسة الخارجية المصرية مزيدًا من المرونة والاستقلالية نتيجة تعدد محاور تحركها؛ إذ توجد محاور للتوجه نحو الجنوب، أي القارة الأفريقية، ونحو المنطقة العربية والدول الإسلامية، إلى جانب التوجه نحو الغرب والشمال، وكذلك محور التوجه نحو الشرق، أي قارة آسيا.

ويؤكد بدر الدين أن تعدد محاور السياسة الخارجية المصرية من شأنه أن يضفي مزيدًا من المرونة والاستقلالية على القرار المصري، فضلًا عن دوره في دفع عملية النمو التجاري والاقتصادي وتعزيز الاستثمارات في مصر.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة