19-9-2026 | 13:00
دعاء نافع
مع بداية فصل الخريف والذى نستعد له بعد أيام قليلة تتغير ملامح الطبيعة المحيطة بنا وتتساقط أوراق الأشجار وتنخفض درجات الحرارة، بينما تقصر ساعات النهار وتزداد فترات الظلام، هنا يشعر بعض الأشخاص بتغير واضح في حالتهم النفسية والمزاجية، فبينما يرى البعض في الخريف فصلا هادئًا وجميلا، قد يمثل بالنسبة لآخرين حالة غريبة غير معتادة من الحزن والخمول وفقدان الرغبة في ممارسة أنشطتهم اليومية، فيما يُعرف باسم «اكتئاب الخريف» أو الاضطراب العاطفي الموسمي.
الاكتئاب بشكل عام هو اضطراب نفسي عام يسبب شعوراً مستمراً بالحزن وفقدان الاهتمام، ولا يقتصر على مجرد الشعور بالحزن لفترة قصيرة، بل قد يستمر لفترات أطول ويؤثر في قدرة الشخص على ممارسة حياته اليومية، وقد يشعر المصاب بالاكتئاب بالحزن المستمر، وفقدان الاهتمام بالأشياء التي كان يستمتع بها، وقلة الطاقة، واضطرابات النوم، وصعوبة التركيز، إلى جانب الشعور بالعزلة أو التشاؤم.
وتتعدد الأسباب التي قد تؤدي إلى الإصابة بالاكتئاب، فقد ترتبط بضغوط الحياة والمشكلات الشخصية أو الأسرية، أو فقدان شخص عزيز، أو الشعور بالوحدة، كما يمكن أن تلعب العوامل الوراثية والتغيرات الكيميائية في الدماغ دورًا في الإصابة به.
أما اكتئاب الخريف - وهو الفصل الذين نستعد لاستقباله- فهو نوع فرعي من الاضطراب العاطفي الموسمي المرتبط بتغير الفصول وانخفاض ساعات التعرض لأشعة الشمس، وهو ما يجعل بعض الأشخاص أكثر عرضة للشعور بالحزن والخمول.
ويحدث اكتئاب الخريف بشكل أساسي نتيجة التغير فى ساعات النهار وطول ساعات الليل، وهو ما قد يؤثر في الساعة البيولوجية للجسم وفي بعض المواد الكيميائية والهرمونات المرتبطة بالحالة النفسية والنوم والطاقة، كما أن قلة التعرض لضوء الشمس قد تدفع بعض الأشخاص إلى البقاء في المنزل لفترات أطول وتقليل الأنشطة الاجتماعية، الأمر الذي قد يزيد من الشعور بالعزلة والحزن.
يظهر تأثير اكتئاب الخريف بصورة أكبر لدى بعض كبار السن، إذ قد يكونون أكثر عرضة للوحدة والعزلة الاجتماعية، نتيجة تضافر عوامل بيولوجية واجتماعية مرتبطة بقلة التعرض لأشعة الشمس وتغيرات الطقس.
تتأثر الفئة العمرية الأكبر بشكل أعمق نتيجة لضعف مرونة الجسم البيولوجية وتراجع النشاط الاجتماعي خاصة بعد التقاعد أو ابتعاد الأبناء وانشغال أفراد الأسرة بحياتهم اليومية، كما أن التقدم في العمر قد يصاحبه فقدان الأصدقاء أو شريك الحياة، وهو ما يجعل التغيرات الموسمية أكثر تأثيرًا في الحالة النفسية.
بالإضافة إلى ذلك، انخفاض هرمون «السيروتونين» لأن إفراز الدماغ يقل لهذا الناقل العصبي المسؤول عن ضبط الحالة النفسية بسبب نقص الإضاءة الطبيعية، ونجد أنه مع ارتفاع إفراز هرمون «الميلاتونين» بسبب الأجواء المظلمة يزداد إفراز هرمون النوم، مما يزيد الشعور بالخمول والتعب المستمر، وقد تؤدي بعض المشكلات الصحية وقلة الحركة وصعوبة الخروج من المنزل إلى زيادة الشعور بالخمول والعزلة خلال فصل الخريف.
لا يعني الشعور بالحزن مع تغير الفصول أن الإنسان مصاب بالاكتئاب بالضرورة، إلا أن استمرار هذه المشاعر وتأثيرها في الحياة اليومية يستدعي الاهتمام وعدم تجاهلها.
وحول سبل الوقاية من اكتئاب الخريف، يشير الخبراء المتخصصين إلى أنه يمكن الحفاظ على نمط حياة صحي، والتعرض لضوء النهار قدر الإمكان، وممارسة النشاط البدني بانتظام، والحرص على التواصل مع العائلة والأصدقاء وعدم الاستسلام للعزلة.
كما يساعد تنظيم النوم والاهتمام بالتغذية الصحية وممارسة الأنشطة والهوايات المختلفة على تحسين الحالة النفسية واستعادة الشعور بالطاقة، وبالنسبة لكبار السن بشكل خاص، فإن إشراكهم في الأنشطة الاجتماعية وزيادة التواصل معهم ومنحهم الشعور بالاهتمام والدعم قد يكون له تأثير كبير في تحسين حالتهم النفسية.
في النهاية، يبقى طلب المساعدة الأسرية خطوة مهمة في مواجهة الاكتئاب، فمع تغير الفصول لا تتغير الطبيعة وحدها، بل قد تتغير معها مشاعر البعض أيضًا، ولذلك يبقى الوعي بأعراض الاكتئاب والاهتمام بالصحة النفسية خطوة أساسية، خاصة في فصل قد يحمل الحزن والوحدة لكثيرين، لذا فإن الدعم والاهتمام وطلب المساعدة في الوقت المناسب يمكن أن يحولا دون تحول حزن الخريف المؤقت إلى مشكلة نفسية أكثر عمقًا وضرراً على حياة أي إنسان.