26-9-2026 | 06:37
أحمد فاخر
مع دخولنا موسم المدارس نجد أن واحدة من كل أربع حالات تعثر دراسي بين الأطفال عالمياً لا تعود إلى نقص الذكاء أو ضعف المذاكرة، بل ترتبط مباشرة بمشكلات بصرية غير تشخيصية، فالطفل الذي لا يرى السبورة بوضوح أو يعاني من إجهاد بصري دائم، يتراجع تركيزه تدريجياً ليصل إلى حالة من الإحباط الدراسي والسلوكي، ويعتبره المدرسون أحيانا ضعيف التركيز أو يعاني من فرط الحركة وتشتت انتباه، وهذا على عكس الحقيقة غالبا، فماذا عن مشكلة ضعف الإبصار لدى الأطفال فى المدارس ؟
يقول الدكتور السيد الطوخي أستاذ جراحة العيون إن نسبة من مؤشرات التعلم السليم في المراحل الدراسية الأولى تعتمد على جودة الرؤية البصرية، فعندما يعاني الطفل من أحد الأخطاء الانكسارية مثل: قصر النظر أو طول النظر أو الاستجماتزم، تظهر أعراض غير مباشرة قد يفسرها الآباء والأطباء بشكل خاطئ.
ويضرب الطوخي مثالا بأم شكت من تراجع درجات ابنها في الصف الثالث الابتدائي مصحوباً بنوبات صداع يومية عقب العودة من المدرسة، لتظهر مفاجأة بعد الكشف الطبي عليه، فقد كان الطفل يعاني من قصر نظر يمنعه من متابعة ما يكتب على السبورة، مما دفعه للإعراض عن المشاركة والتشتت الذهني.
وتتنوع أعراض مشكلات الإبصار الشائعة – طبقا إلى رأيه – بين تضييق العينين والفرك والمطالعة المجهدة كمحاولة تكييف العدسة لرؤية الأجسام البعيدة مقابل الاقتراب الشديد من الشاشات أو الكتب موضحا أنها إشارة واضحة لضعف الرؤية القريبة أو البعيدة.
ويستعرض أستاذ جراحة العيون عددا من الأعراض الأخرى منها:
• الشكوى المستمرة من الصداع وإجهاد العين خاصة بعد الحصص التي تتطلب القراءة، ويكون الصداع غالباً في جبهة الرأس أو حول العينين نتيجة الإجهاد المستمر لعضلات التكيف البصري.
• إمالة الرأس أو تغطية إحدى العينين كمحاولة غير واعية من المخ لتفادي الرؤية المزدوجة أو تصحيح انحراف معين في محاور العيون.
• البطء غير المبرر في نقل الكتابة حيث يستغرق الطفل وقتاً أطول لنقل النص من السبورة نتيجة صعوبة إعادة التركيز البصري بين المسافات المختلفة.
ويعتقد الطوخي أن مشكلات الإبصار لا تتوزع بين الأطفال بالتساوي بل تزداد حدتها عند فئات بعينها لديها العوامل الوراثية والبيئية، وهم كالتالي:
- الأطفال ذوو التاريخ العائلي بوجود خريطة وراثية لأحد الوالدين أو كلاهما مع قصر النظر أو ضعف العصب البصري يرفع احتمالية الإصابة بنسبة تصل إلى 50 %.
- مدمنو الشاشات الإلكترونية، فقضاء ساعات طويلة أمام الهواتف والأجهزة اللوحية على مسافات قريبة يسبب ظاهرة قصر النظر المكتسب نتيجة التحفيز المستمر للاستجابة التكيفية واستطالة مقلة العين.
- الأطفال الذين يتواجدون في الغرف المغلقة فبسبب قلة التعرض للضوء الطبيعي الشمسي يؤثر سلباً على نمو مقلة العين وتناسق أبعادها، إذ يحفز ضوء الشمس إفراز الدوبامين الذي يمنع الاستطالة المفرطة للعين.
- الأطفال المولودون مبكراً (المبتسرون) تزيد لديهم احتمالات اعتلال الشبكية أو ضعف العضلات المحركة للعين نتيجة عدم اكتمال نمو الأوعية الدموية في الشبكية.
من ناحيته، ينبه الدكتور عصام عبدالغفار استشاري جراحة العيون إلى أن التشخيص المبكر والدقيق هو الأساس في منع المضاعفات الدائمة مثل: كسل العين أو الانحراف البصري الشديد، مؤكدا أن التشخيص لا يتوقف عند حدود جدول قياس العلامات التقليدي، بل يمر بسلسلة من الفحوص المتخصصة التي تضمن تقييم المنظومة البصرية بأكملها.
ويوضح عبد الغفار أن سلسلة الفحوص تتمثل في بعض الخطوات منها التالي:
• قياس حدة الإبصار:
تستخدم أساليب مخصصة تتناسب مع عمر الطفل، فللرضع والأطفال دون سن الكلام تستخدم كروت «تيلير»، بينما تستبدل لوحة «سنيلين» التقليدية للأطفال الأكبر سناً بلوحة LEA أو رموز E المتجهة، والتي تعتمد على أشكال هندسية أو صور حيوانات يسهل على الطفل التعرف عليها والإشارة إليها دون الحاجة لمعرفة الحروف الأبجدية.
• فحص الانكسار مع شلل العضلة المهدبة:
يعتبر هذا الفحص الخطوة الذهبية والأكثر أهمية في تشخيص الأطفال، نظراً لأن قدرة عين الطفل على التكيف البصري قوية جداً، وتستطيع إخفاء عيوب انكسارية كبيرة ويتم إعطاء الطفل قطرات مخصصة تشل حركة العضلة المهدبة مؤقتاً وتوسع حدقة العين، ويتيح ذلك لطبيب العيون قياس القوة البصرية الحقيقية للعين بدقة متناهية دون تدخل من عضلات العين النشطة.
يوصي الدكتور معتز حامد استشاري جراحات العيون بعدم تأخير التشخيص الطبي للمشكلات البصرية، لذلك يشير لجدول فحص دوري ضروري للطفل:
• حديثو الولادة: يتم فحص زاوية انكسار الضوء واختبار الرؤية العاكسة.
• من عمر 6 إلى 12 شهراً: يتم الفحص التقييمي الأول للتأكد من محاذاة العينين وتطور الرؤية.
• من عمر 3 إلى 5 سنوات: نقوم بفحص شامل قبل دخول الروضة للتأكد من سلامة النظر وخلو العين من الكسل.
• سن المدرسة من 6 سنوات فما فوق: يتم فحص سنوي دوري قبل بداية كل عام دراسي، أو فور ظهور أي من علامات الإجهاد البصري.
ويشدد استشاري جراحات العيون على أن القوة الحقيقية تكمن في خطط الوقاية المبكرة التي تمنع تدهور حدة الإبصار وتضمن نمواً بصرياً سليماً عبر الالتزام بالتالي إن أمكن:
• عند القراءة أو استخدام الشاشات مدة طويلة، يجب إراحة العين كل 20 دقيقة بالنظر إلى جسم يبعد 6 أمتار لمدة 20 ثانية.
• قضاء ساعتين يومياً في الضوء الطبيعي يفرز مادة الدوبامين في الشبكية، مما يبطئ استطالة مقلة العين ويحد من قصر النظر.
• تجنب القراءة في الضوء الخافت، وتنظيم المسافة بين العين والكتاب بحيث لا تقل عن 35 سم.
• الحد من الشاشات الإلكترونية لتقليل الاستخدام غير الهادف علميا للشاشات ليكون أقل من ساعة يومياً للأطفال ما بين 2 إلى 5 سنوات، مع اتباع معايير مشددة للأطفال الأكبر سناً.
ويشرح معتز حامد أن الطرق العلاجية تتعدد بحسب طبيعة المشكلة البصرية وسن الطفل لافتا إلى بعض حلول العلاج ومنها:
• النظارات الطبية:
تعتبر الحل الأول والشائع والأسهل والأكثر أماناً لتصحيح عيوب الانكسار، وتعمل على استعادة حدة الرؤية فوراً من خلال عدسات النظارة ومنع كسل العين.
• التدريب والتأهيل البصري:
وهي تمارين رياضية لعضلات العين تعمل على علاج مشكلات الضعف البصري وضعف التركيز المزدوج وقصور التقارب.
• تغطية العين السليمة:
وضع غطاء طبي على العين القوية لساعات محددة يومياً، وهي تحفز المخ لاستخدام العين الكسولة وتقويتها في مراحل النمو المبكرة.