السبت 25 مايو 2024

رحلة عبر آثار مصر الخالدة (8)

مقالات23-3-2022 | 22:45

معبد أبو سمبل

 
يجمع معبد أبو سمبل بمحافظة أسوان، العديد من القيم التاريخية والهندسية والجمالية ما يجعله واحدا من أشهر المعابد الأثرية في مصر،  ولا تقتصر أهميته على تصميمه المعماري الفريد، وضخامة بنائه، ونحته في الجبل الصخري بعمق 48 متراً، وما يزين جدرانه من مناظر تسجل انتصارات الملك وفتوحاته، ومنها معركة "قادش" مع الحيثيين، إضافة إلى المناظر الدينية التي تصور الملك في علاقاته مع المعبودات المصرية القديمة، بل تتجاوز كل ذلك إلى ارتباطه  بظاهرة فريدة فلكياً وهندسياً وهي تعامد الشمس على وجه تمثال الفرعون رمسيس الثاني مرتين في السنة، توافق الأولى 22 أكتوبر والثانية 22 فبراير من كل عام.
كانت النوبة، منطقة مهمة للمصريين، ولحكام مصر القدماء، لأنها كانت مصدراً للذهب ومن اسمه (نب) اشتق اسمها "النوبة"، وكذلك العديد من السلع والمنتجات الثمينة الأخرى. من هنا كانت محاولة ربطها وتمصيرها في مصر القديمة، فكان أن قام حكام مصر ببناء معابد للآلهة هناك، ومن أشهرها المعابد المنحوتة في الصخر بالقرب من قرية أبو سمبل الحديثة، عند شلال النيل الثاني، على الحدود بين النوبة السفلى والنوبة العليا.


كان مجمع المعابد هذا يشمل معبدين، أحدهما المعبد الكبير، الذي كان مكرسًا لعبادة "رع حور اختي"  و"آمون رع" بتاح والملك نفسه، ومعبد أبو سمبل الصغير الذي يقع على بعد ١٠٠م من المعبد الأول الذي كرس للمعبودة حتحور والملكة نفرتاري الزوجة الرئيسية للملك.
كانت بداية بناء مجمع المعابد هذا حوالي العام 1264 ق.م. واستغرق البناء 20 عامًا حتى اكتمل في حوالي العام الرابع والعشرين حكم رمسيس العظيم (وهو ما يعادل 1265 قبل الميلاد)، وكان مخصصاً لعبادة الآلهة أمون، راع-حاراختي، بتاح، وكذلك لرمسيس.
ومع مرورو الزمن هجرت المعابد، وطواها النسيان وغطتها الرمال، وظل المعبد في طي الهجران والنسيان حتى عام 1813 عندما اكتشف المستشرق السويسري "يوهان لودفيج بوركهارت"، الذي أسلم فيما بعد وسم نفسه "إبراهيم بوركهارت"، كورنيش المعبد الرئيسي، ثم تحدث عنه لاحقاً مع الإيطالي المستكشف جيوفاني بلزوني، حيث نجح الأخير عام 1817 في إزالة الرمال عن واجهة المعبد ومن ثم الدخول فيه وأخذ كل شيء قيم يمكن أن يحمله معه.
كان المعبد يسمى قديما باسم "معبد رمسيس المحبوب من قبل آمون"، بينما يربط البعض اسمه الحديث "ابو سمبل"، باسم فتى صغير اصطحب المستكشفين إلى المعبد المغطى بالرمال والذي كان يراه من وقت لآخر في الرمال المتحركة.
ويعدُّ المعبد من أروع وأجمل المعابد التي بنيت في عهد رمسيس الثاني (١٢٧٩-١٢١٢ ق.م)، ومن الأجمل في مصر على وجه العموم. وقد نقرا بهضبة مرتفعة من الحجر الرملي على بعد ٤ كم جنوب موقعهما الحالي الذي نقلا إليه في حملة إنقاذ آثار النوبة بعد إنشاء السد العالي عام ١٩٦٠م.
وترجع أهمية معبد أبو سمبل الكبير إلى ارتباطه بظاهرة تعامد الشمس على وجه تمثال الفرعون رمسيس الثاني داخل قدس الأاقداس بالمعبد مرتين في السنة؛ توافق الأولى ذكرى يوم ميلاده الموافق ٢٢ أكتوبر والثانية يوم ٢٢ فبراير ذكرى يوم تتويجه. 
كما يميز المعبد تصميم معماري فريد؛ حيث نقرت واجهته في الصخر، وزينت بأربعة تماثيل ضخمة للملك رمسيس الثاني يصل طول الواحد منها إلى حوالي ٢٠متراً، ويلي الواجهة ممر يؤدي إلى داخل المعبد، الذي نقر في الصخر بعمق ٤٨متراً، وزينت جدرانه مناظر تسجل انتصارات الملك وفتوحاته، ومنها معركة قادش التي انتصر فيها على الحيثيين، بالإضافة إلى المناظر الدينية التي تصور الملك في علاقاته مع المعبودات المصرية.
أما معبد أبو سمبل الصغير فقد أهداه الملك رمسيس الثاني للملكة نفرتاري زوجته الرئيسية ومحبوبته، وتزين واجهته ستة تماثيل ضخمة متساوية الحجم تمثل الملك والملكة في إظهار واضح للمكانة العالية  التي تمتعت بها الملكة لدى زوجها، ويمتد المعبد إلى داخل الهضبة بعمق ٢٤م، وتزين جدرانه الداخلية مجموعة من المناظر الرائعة التي صورت الملكة تتعبد للآلهة المختلفة إما مع الملك أو منفردة .
تم نقل المعبدين من موقعهما الأصلي في عام 1968 بعد بناء السد العالي بأسوان، الذي هدد بإغراقهما، فقد بدأت حملة تبرعات دولية لإنقاذ معابد أبو سمبل من الغرق في عام 1959م، بينما بدأت عمليات الإنقاذ في عام 1964، وتكلفت هذه العملية 40 مليون دولار. واستمرت عمليات الانقاذ ما بين عامي 1964-1968 بفضل الجهود الدولية التي قادتها اليونسكو، ، فقد تم تقطيع الموقع كله إلى كتل كبيرة (تصل إلى 30 طناً وفي المتوسط 20 طناً)، وتم تفكيكها وأعيد تركيبها في موقع جديد على ارتفاع 65متراً و 200متراً أعلى من مستوى النهر، وتعتبر للكثير واحدة من أعظم الأعمال في الهندسة الأثرية. وتم قبول المعبد في قائمة مواقع التراث العالمي في عام 1979.

 

الاكثر قراءة