الأربعاء 15 مايو 2024

أمثال شعبية (30-13)| عادت ريمة لعادتها القديمة

صورة تعبيرية

ثقافة4-4-2023 | 16:24

عبدالله مسعد

تعد الثقافة الشعبية من المداخل الهامة لدراسة الشعوب؛ لأنها تعبر عن الجوانب النفسية والشعورية في حياة المجتمعات، وتعد الأمثال الشعبية أحد أبرز هذه الثقافة، وذلك لأنها تمثل حجر الزاوية في معرفة الشعوب.

والمثل هو تلك الحكمة التي تبرز في كلام مسجوع أو مرسل فيدخل النفس حاملا في طواياه رمزاً إلى نقد أو علاج ناحية من مناحي هذه الحياة المتفرّقة الموزّعة، والحكمة قديمة في هذه الأرض وهي نتاج النفس ووليدة تجربتها وخبرتها في نعماها وبؤساها، وقلّما تخلو أمة أو قبيلة من إرسال الحكمة في أمثال سائرة بينها وقد تتعدّى هذه الأمثال أهلها وقائليها إلى غيرهم من الأمم والشعوب وذلك واضح فالنفوس البشرية مهما تباينت في الرقي والانحطاط فهي تشترك في أغلب منازع الحياة، وقد تعلو هذه الحكمة وترتدي أثوابا من الثقافة والمعرفة وبعد النظر والنفاذ في الأشياء على قدر رقي الأمة ونضوجها.


ونستعرض معا خلال أيام شهر رمضان المعظم مجموعة من تلك الأمثال الشعبية المصرية، والتي تناولت العديد من الموضوعات الحياتية واليومية.


وحديثنا اليوم عن مثل: عادت ريمة لعادتها القديمة.


يستخدمه الناس التعبير عن عدم تغير الحال مهما اختلف شكل الواقع فدائماً ترجع الأمور إلى سابق عهدها.


يرجع أصل هذا المثال إلى قصة قديمة وهى قصة "حليمة" زوجة حاتم الطائى، فالمثل الصحيح هو "رجعت حليمة" وليست ريما، ولكن المثل انتشر بهذا المسمى، وحليمة هى زوجة حاتم الطائى الرجل الذى اشتهر بالكرم والجود على كل المحيطين به، وكانت زوجته تتصف بالبخل بين جيرانها.


يحكى أنها كانت تقتصد فى استعمالها لكل شئ، حتى أنها كانت تضع السمن عند الطهي بأصغر ملعقة لديها، وذات يوم أراد زوجها أن يعلمها الكرم فروى لها قصة من الأثر أن الأقدمين قالوا كلما قامت المرأة بوضع ملعقة سمن زائدة بالإناء عند الطهي كلما زاد الله في عمرها يوماً، فأخذت حليمة تستخدم السمن بسخاء عند الطهى حتى تعودت على ذلك وأصبح طعامها طيباً.


وفى يوم أصابها مصيبة عندما توفى ابنها الوحيد والذي كانت تحبه كثيراً، حزنت عليه بشدة حتى وصل بها الأمر أنها تمنت الموت، لذا عادت تقلل السمن فى الطبخ حتى ينقص عمرها وتموت، فقال الناس "رجعت حليمة لعادتها القديمة" وانتشر المثل بسبب تلك القصة.


ولعل أبرز أمة حظيت بهذا الضرب من الحكمة هى الأمة اليونانية فقد كانت الغالبة على كل ثقافتها وقد خلدت في حكمائها على مر العصور.


والحكمة وحى الروح وسكونها وتجردها من قوارع الهوى ونزوات الشهوات، بل قل هي عدالة النفس وتقواها.


وقد برزت الحكمة مرسلة ساذجة جميلة في الأمة العربية قبل الإسلام وكانت وحي الصحارى وبنت الخيال الساذج الهائم تحت الكواكب في الليل وفي وهج الشمس بالنهار، وكانت تساور نفوس هؤلاء البدو الرحل وتعتلج في صدورهم فأرسلوها في شعر موزون صاف، وفي نتف من النثر البليغ المسجوع آونة والمرسل آونة أخرى.


ثم جاء الإسلام بالحكمة الكبرى تترى في آيات بينات يحملها جبريل إلى محمد الذي أخذ يلقنها الناس قوانين لدينهم ودنياهم فارتفعت بالأمة العربية وبلغت بها الأوج في العز والرفاهة والعدل.


وكثر شعراء الحكمة في الإسلام وكتابها وتداول الناس أمثالها السائرة وفاز شعراؤها وكتابها بالخلود وأصبحت في أسمي مراتب الأدب العربي ، وإن المتنبي وأبا العلاء وغيرهما قد سبقوا بشارًا ومروان بن أبي حفصة وأضرابهما وهم أشعر منهم وأحل لأن الفريق الأول حكماء والثاني شعراء فقط.


انحدرت الحكمة إلى شمال أفريقيا قاطبة من العرب وغيرهم من الأمم التي نزلت بها فتلقفوها وهضموها وأرسلوها أمثالا في هذا المزيج العجيب من الرطانة التي تتحدث بها هذه البلاد.


وفازت مصر بالنصيب الأوفي من هذه الأمثال التي أخذت تفصلها وتتنوّق فيها فأرسلتها نهاية في العذوبة.


وأصبحت الأمثال المصرية فاكهة الأمم الشرقية لصوابها حيناً، ولفكاهتها حيناً آخر، فهام بها الشرق العربي وتقبل هذا الأدب المصري المحلى باللذة والتشوق، والعجيب أن هذه الأمم الشرقية تشترك مع في كثير مصر من أمثالها ولعل مصر هى التي تشترك معها فيها باختلاف بين اللهجات الإقليمية.

Dr.Radwa
Egypt Air