الأحد 16 يونيو 2024

رفاعة الطهطاوي.. نحو فكرٍ جديد

مقالات11-8-2023 | 14:03

● كان الطهطاوي ضد الرقود والسكون وإيقاف العقل، وكان يرى في ثقافة الآخر إيجابيات لابد من الاستفادة منها، وسلبيات يتوجب علينا تجنبها
● يبدى الطهطاوى نظرة موضوعية نحو المرأة ودورها مع اعترافه بوهنها كما نص القرآن، فيؤكد أن المرأة قد استعاضت عن بنيتها الضعيفة بقوة عقلها ووحدة إحساسها وإدراكها

بين صرخة الميلاد وميقات الرحيل عاش عالمنا الجليل رفاعة الطهطاوي حياةً مترعةً بالفكر المستنير والعطاء الجميل، محاولًا إزاحة الستار عن إخفاقات الواقع، وكاشفًا عن مواضع الألم وأمصال العلاج.

كان -رحمة الله عليه- ضد الرقود والسكون وإيقاف العقل، وكان يرى في ثقافة الآخر إيجابيات لابد من الاستفادة منها، وسلبيات يتوجب علينا تجنبها.

لم يكن انحيازه سوى للوطن مصر التي ذكرها كثيرًا في أحاديثه وكتاباته (مصر وطن شريف إن لم تقل أشرف الأمكنة.. فهى أرض الشرف والمجد)، وقد أكد انحيازه للفكر الرشيد وإعمال العقل، إنه -في كل ذلك- لم يرد سوى الارتقاء بالأمة العربية والإسلامية عبر رؤىً توافقية تعلي من قيمة الفرد ومكانته.

لقد سعى إلى الاستفادة من الثقافة الغربية وإلقاء الضوء عليها خلال بعثته إلى باريس، فقد كان يوقن أن العلاقة بين الحضارات الإنسانية تمثل أخذًا وعطاءً، على الرغم من إيمانه بأن حضارة الغرب مدينة لحضارتنا الشرقية، ولقد تميَّز بنظرته العميقة التي تربط بين التنظير والتطبيق.

ويعود الفضل للرجل في إنشاء أول مدرسة للترجمة بمصرنا الحبيبة عام 1835، بحيث لم يجعلها تقتصر على الترجمة فحسب، بل ضمت الهندسة والتاريخ والجغرافيا والشريعة الإسلامية ضمن علومها.

هذه المدرسة التي نتحدث عنها أصبحت فيما بعد كلية الألسن (إحدى كليات جامعة القاهرة).

ولا يجب أن ننسى دوره الرائد في حماية الآثار المصرية، وكذلك دوره البارز في نشر الثقافة من خلال توليه الإشراف على جريدة "الوقائع المصرية" بإفساح المجال أمام أصحاب الأقلام الراسخة والواعدة كي يعبروا عن أفكارهم بحرية شديدة ومسؤولية جمَّة.

لقد آمن بالمساواة بين بني الإنسان، لكنه قصد بالمساواة إخضاع الجميع للشرائع والقوانين، لأنه يرى أن التفاوت بين البشر سُنَّة إلهية، وفي كتابه "التمدن والحضارة والعمران" يقول الطهطاوي موضحًا وجهة نظره: إذا أمعنا النظر في هذا التساوي وجدناه أمرًا نسبيًا لا حقيقيًا، لأن الحِكمة الإلهية ميزت بعضهم عن بعض، حيث منحت بعضَهم أوصافًا جليلة لم تمنحها للبعض الآخر، فبهذا قد تباينوا في الصفات المعنوية، بل وفي الصفات الطبيعية كقوة البدن وضَعْفِه، ومع أن الله تعالى فضل بعضهم على بعضٍ في الرزق فقد جعلهم في الأحكام متساوين، لا فرق بين الشريف والمشروف والرئيس والمرؤوس، كما أمرت به ودلت عليه الكتب المنزلة... فليس للمساواة معنى آخر إلا اشتراكهم في الأحكام.

ويبدي عالمنا الجليل نظرة موضوعية نحو المرأة ودورها مع اعترافه بوهنها كما نص القرآن (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ)، فيؤكد "إن المرأة قد استعاضت عن بنيتها الضعيفة بقوة عقلها ووحدة إحساسها وإدراكها".

وهو بذلك يوجه لها الدعوة لكي ترتقي وتتعلم وتشارك، ذلك أنها إنسان خلقها الله لآداء مهامها في الحياة وفق شريعته السمحة.

يقول الطهطاوي: فإن تعليمهن عبارة عن تنوير لعقولهن بمصباح المعارف المُرشد؛ فلا شك أن حصول النساء على مَلَكة القراءة والكتابة، وعلى التخلق بالأخلاق الحميدة والاطلاع على المعارف المفيدة من أجمل صفات الكمال.

لقد ركز رفاعة الطهطاوي على المرأة كأحد الأسباب المهمة في الأخذ بيد المجتمع نحو الأفضل، وهو ينظر إليها كركيزة راسخة من ركائز الوطن الحُر.

ومن المعروف أن وطننا قد مرت به فترات عصيبة قللت من شأن المرأة وسعت إلى تهميشها، لكن الطهطاوي وغيره من مفكري التنوير انتصروا لها ولمساعيها، رغم ما كانت تطرحه قوى التشدد والرجعية من طروحات تُصِر على إقصائها والنَيْل منها.

وفي ذلك يضع عالمنا الجليل الأسس التي يجب أن تنطلق من خلالها المرأة كي تسهم بنجاح في تطور الوطن ومعيشته بعيدًا عن دعاوى الجهل والجاهلية.

يقول رفاعة الطهطاوي: إن أحد أسباب تخلف العالم الإسلامي يرجع إلى تهميش المرأة التي لم تتح لها الفرصة أبدًا للمشاركة في الحياة العامة، بالرغم من أن مقتضيات الشريعة الإسلامية تخوِّل لها ذلك، فالإسلام لم يكن قط عقبة أمام المرأة، بل العائق الحقيقي الذي ظل يحد من تفتحها وتطورها هو تلك العوائد المحلية المشوبة بجمعية جاهلية.

وُلِدَ عالمنا الجليل منتصف الخريف عام 1801 بمدينة "طهطا" التابعة لإقليم "سوهاج" الذي أقيمت على أرضه -في عصر الفراعنة- أروع المعابد (سيتي الأول، الأوزوريون، رمسيس الثاني)، كما شُيد فيه دير الشهداء، ومارِجرجس.

ويرحل الطهطاوي عن دنيانا نهايات الربيع عام 1873، ليترك لنا صفحاتٍ مستنيرة؛ في التاريخ والحضارة، والعلوم الإنسانية، والسيرة النبوية، والأدب.

ولعل أهم ما يمكن رصده في هذا الصدد كتبه الخالدة المتمثلة في: تخليص الإبريز في تلخيص باريز، المرشد الأمين، تاريخ مصر والعرب قبل الإسلام، القول السديد في الاجتهاد والتقليد، في الدين واللغة والأدب، التمدن والحضارة والعمران، سيرة الرسول وتأسيس الدولة الإسلامية.

لقد ظل اسم رفاعة الطهطاوي -بإنجازاته- يتردد على ألسنة العلماء والمفكرين منذ القرن التاسع عشر وحتى الآن، فقد تحدث العلامة محمود شاكر عن مدرسة الألسن التي أسسها الطهطاوي بقوله: وضَع رِفاعة الطهطاوي أساسًا لمدرسةٍ ملفَّقة لا كليَّة -كما يقول الرافعي- مبتورة الصلة كلَّ البتر عن مركز الثقافة المتكامِلة التي كان الأزهر مهدَها قرونًا مُتطاوِلة، وكان هو وحدَه مركز ثقافة دار الإسلام في مصر.

لقد استحق الطهطاوي لقب "رائد التنوير في العصر الحديث" لما قدمه من عطاء في فروع العلم والمعرفة، وهو الذي اتخذ من الاعتدال منبرًا، ومن الوسطية منهجًا، ومن الاستنارة رأيًا حصيفًا ورؤية عميقة.