الجمعة 24 مايو 2024

نجيب محفوظ وثورة يوليو

مقالات3-9-2023 | 13:17

رحب نجيب محفوظ بثورة يوليو، ووجد فيها ثورة للعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية، ودعوة للعروبة، وإحياءً للقومية العربية والديمقراطية. وظن نجيب محفوظ أن قيام ثورة يوليو أنهى كل الأسئلة، وأنه لم يعد لديه ما يقوله أو يكتبه. وأعلن ذلك فعلاً، ثم تبين له أن الثورة تبني بيد وتهدم بالأخرى، تلغي النظام الملكي، وتحقق الجلاء، وتقيم الإصلاح الزراعي وتبني السد العالي، وتناصر حركات التحرر الوطني. ولكن الثورة في المقابل – كانت تسلم مؤسسات الدولة لإناس بلا كفاءة ولا خُلُق، وقادتها منغمسون في الترف والثراء، وتنكل بأهل الرأي من مخالفيها، ولا تضع في اعتبارها قوتها الحقيقية، فكانت الهزيمة الرهيبة المتمثلة في نكسة يونيه. (آفاق عربية – يوليو 1976، نقلاً عن محمد جبريل، نجيب محفوظ – صداقة بين جيلين، مكتبة مصر، القاهرة، 2006، ص 66)

          وفي روايته «ميرامار» يعرض نجيب محفوظ لنماذج بشرية من واقع المجتمع المصري اكتوت بلهيب ثورة يوليو، وأخرى نعمت بضيائها. فصاحبة بنسيون «ميرامار» هى «ماريانا» اليونانية العجوز التي فقدت زوجها الإنجليزي في ثورة 1919، وفقدت ثروتها في ثورة 1952. و«طلبة مرزوق» وكيل وزارة الأوقاف السابق، والاقطاعي الكبير عضو أحد أحزاب السراي، الذي صادرت الثورة أرضه، ووضعت أملاكه تحت الحراسة. وفي المقابل هناك «سرحان البحيري»، ذلك الانتهازي الذي حقق مكاسب، واحتل مناصب هامة في الدولة والتنظيمات الشعبية، مدعيًا انتمائه للثورة.

          إن ولع نجيب محفوظ بموضوع «المكان» بكل أبعاده الحسية والميتافيزيقية، دفعه دفعًا لأن يعنون عددًا من رواياته بأسماء أماكن: «القاهرة الجديدة»، «خان الخليلي»، «زقاق المدق»، «بين القصرين»، «قصر الشوق»، «السكرية»، «الكرنك»، «قشتمر» وها هو يُطْلِق اسم «ميرامار» على روايته التي نتناولها بالعرض في هذا المقال، نسبةً إلى «بنسيون» بالإسكندرية. وفي هذه الرواية لا يعتمد نجيب محفوظ على البطل الواحد الذي يكون محورًا لكل وقائع وأحداث الرواية، إذ تخلو الرواية من وجود بطل رئيسي تتجمع عنده كل الشخصيات، وتتلاقى عنده كل الوقائع والأحداث. في «ميرامار» تكتسب كل شخصية من شخصيات الرواية الأهمية ذاتها التي تتحلى بها الشخصيات الأخرى، حيث تساهم كل شخصية بقدر ملحوظ في بلورة القضية المحورية التي تعالجها الرواية.

          لقد عرض نجيب محفوظ لأحداث الرواية خلال التجربة الخاصة لأشخاص أربعة هم: «عامر وجدي»، و«حسني علاّم»، و«منصور باهي»، و«سرحان البحيري». وإذا بدأنا بالراوي الأول «عامر وجدي»، فهو وفدي قديم وصحفي كبير على المعاش في الثمانين من عمره، وهو الراوي الوحيد الذي يبدأ الرواية وينهيها. يشعر «عامر وجدي» وهو الصحفي المخضرم أنه يعيش في عصر غير عصره، مدركًا أن كل شيء قد انتهى بالنسبة له، ولقد «انطوت صفحة تاريخ بلا كلمة وداع، ولا حفلة تكريم، ولا حتى مقال. أيها الأنذال، أيها اللوطيون ألا كرامة لإنسان عندكم إن لم يكن لاعب كرة؟!» (ميرامار، ص 22).

          ويخلي الراوي الأول «عامر وجدي» المكان لراوٍ آخر هو «حسني علاّم»، وهو شاب وسيم يصغر سرحان بقليل، ربعة أبيض اللون، ذو بنيان متين يليق بمصارع، وهو من أعيان طنطا، يملك مائة فدان، يخشى أن يصادرها الإصلاح الزراعي، ولهذا فهو في أزمة، إضافةً لأزماته الأخرى المتمثلة في أنه اُمِّيُّ، فضلاً عن أنه يفتقر إلى أية موهبة مهمة، سوى موهبة نصب شباكه للإيقاع بالنساء ومطاردتهن، والاعتداء عليهن أحيانًا، كما حاول أن يفعل ذلك مع «زهرة».

          ثم يأتي دور «منصور باهي» في الحكي، وهو مذيع بمحطة الإسكندرية، في الخامسة والعشرين، رقيق الوجه، وقسماته صغيرة وجميلة، فيه شيء من الطفولة ولا أقول الأنوثة، ولكن بدا من أول الأمر أنه يعيش في ذاته عسير الألفة. (ميرامار، ص 50). وهو ينتمي إلى حركة تقدمية معارضة، إنه ثوري مرتد، خان مبدأه، لا بالارتداد عليه فحسب، بل بالتخلي عن زملائه والوشاية بهم. وقد واصل خيانته على مستوى أخلاقي أشد حطّة، إذ يعاود حبًا قديمًا مع زوجة رفيقه المعتقل، ولكنه سرعان ما يكف، ويزداد تأزمًا، ويسقط في فراغ، ويتطلع عبثًا إلى أمل أو هدف، فلا يجد أمامه سوى ارتكاب جريمة، تمثلت في محاولة قتله لسرحان البحيري، حين عثر عليه ملقى في الطريق، فظن أنه مغشيٌّ عليه، وأخذ يركله بحذائه في مواضع مختلفة من جسمه، وعندما نشرت الصحف في اليوم التالي خبر وفاة سرحان، اعتقد أنه هو قاتله، في حين أن سرحان – في الحقيقة وطبقًا لتقرير الطب الشرعي – مات منتحرًا حين علم بأمر انكشاف محاولته سرقة لوري محملاً بالمنسوجات من الشركة التي يعمل بها.

          حان دور الراوي الرابع «سرحان البحيري» وكيل حسابات شركة الغزل وعضو لجنة العشرين بالاتحاد الاشتراكي، والعضو المنتخب عن الموظفين، ولقد كان سرحان محورًا للأحداث بحكم تطلعاته الطبقية، وإنتهازيته البرجوازية، وذكائه الفطري، وميل «زهرة» بالذات إليه، لأن الاثنين قدما من «البحيرة»، ويحملان الطابع الريفي نفسه بكل متناقضاته.

          ليس في وسعنا أن نعتبر أحد هؤلاء الرواة الأربعة بطلاً منفردًا للرواية، لأن «زهرة» كانت هى البطل الحقيقي، والتي تُعَد محور الرواية، إنها تلك الفتاة الريفية التي هربت من قريتها في البحيرة بعد وفاة أبيها، لأن جدها أراد أن يزوجها عجوزًا مسنًا لتخدمه، وجاءت تبحث عن عمل وملجأ في المدينة. واشتغلت خادمة في بنسيون «ميرامار»، وهى قوية بسيطة واثقة من نفسها، ولكنها جميلة يجذب جمالها الأنظار، وقد جعلها الكاتب المحك الذي يكشف حقيقة الشخصيات الأخرى، وقد اختلفت شخوص الرواية جميعًا باختلاف مواقفهم من «زهرة». إنها الشخصية الوحيدة التي تمثل المستقبل، وهى «مصر» التي صورها الفنانون في شكل فلاحة منذ أيام مختار وتمثال نهضة مصر. (د. فاطمة موسى، ميرامار، مجلة الكاتب، القاهرة، أبريل 1967).

          على أن «سرحان البحيري» هو وحده الذي فاز بقلب «زهرة»، ولكنه أراد لهذا الحب أن يقتصر على أن يكون مجرد متعة بغير مسئولية، ودون زواج. وعندما تأبى «زهرة»عليه ذلك، ينتقل بقلبه إلى فتاة أخرى تؤهلها مكانتها الاجتماعية من أن تكون زوجة مفيدة له! ولم تكن هذه الفتاة سوى المُدَرِّسة التي تُعَلِّم «زهرة» القراءة والكتابة.  وهكذا تفقد «زهرة» الثقة بمن حولها وتغادر البنسيون بعد محنة اختبار عاطفي فاشل، ولكن وقت «زهرة» لم يضع سدى في البنسيون كما يقول لها «عامر وجدي» في نهاية الرواية: «لقد عرفت من لا يصلحون لها، وبهذا عرفت بطريقة سحرية الصالح المنشود».   (محمود أمين العالم، تأملات في عالم نجيب محفوظ، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، 1970، ص 131).