الخميس 5 مارس 2026

مقالات

رمضان شهر الطمأنينة

  • 5-3-2026 | 13:56
طباعة

رمضان شهرُ الطمأنينة؛ والسؤال: 

ما المقصد من ذلك؟

إليكم الجواب: أي إنه الشهر الذي يجد فيه الإنسان راحةً نفسيةً وسكينةً قلبية، تزول فيه كثيرٌ من معاني الصراع والضيق والحرج والحسد والحقد، وتنحسر فيه ظلماتُ النفس، ويتجمل فيه باطنُ الإنسان بأنوار القرآن الكريم ومعاني البر والرحمة. فإذا استنار الباطن بأنوار رمضان، حلَّت الطمأنينة. 

وكان الإمام الكبير أبو القاسم الجنيد -سيد السالكين في زمانه- يقول: إذا ذُكر الصالحون نزلت الرحمة.

فقيل له: فإذا ذُكر الله؟

قال: إذا ذُكر الله نزلت الطمأنينة.

ألم تسمعوا قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۚ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

لكن لماذا عُدَّ رمضانُ طريقَ الطمأنينة؟

رمضان شهرُ الذكر، وشهرُ القرآن، وشهرُ الطاعة، وشهرُ القرب من الله. ليس فيه سببٌ واحدٌ للطمأنينة، بل عشراتُ الأسباب: ذكرُ الله، والصيام، والقيام، وقراءةُ القرآن، والصدقة، والزكاة، وصلةُ الرحم، والإحسانُ إلى الخلق. كأن رمضان يحشد للإنسان كلَّ الأبواب التي تُوصل القلبَ إلى الطمأنينة.

ومكانُ الطمأنينة -كما علَّمنا القرآن- هو القلب. قال سيدنا إبراهيم عليه السلام: ﴿بَلَىٰ وَلكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.

فالقلوب إما قلوبٌ منيرةٌ مبصرة، أو قلوب -والعياذ بالله- عمياء. قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
ورمضان جاء ليُنير القلوب، ويملؤها سكينةً وطمأنينةً وصفاءً.

الطمأنينة والنصر

ومن المعاني الدقيقة أن الطمأنينة ترتبط بالنصر؛ فكل نصرٍ يعقبه سكونٌ للقلب وراحةٌ للنفس. ورمضان - عبر التاريخ - شهرُ الانتصارات: بدر الكبرى، وحطين، وعين جالوت، والعاشر من رمضان / السادس من أكتوبر.

وقد قال الله تعالى في شأن نصر بدر: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾.

فالنصر والطمأنينة قرينان لا يفترقان.

ولهذا ارتبط شهرُ رمضان في الوجدان الجمعي للمسلمين - وخاصةً في مصر - بالطمأنينة؛ لأنه شهرُ نصرٍ وعزَّةٍ وكرامة.

طمأنينة حقيقية لا زائفة

يفرّق القرآن بين الطمأنينة الحقيقية والطمأنينة الزائفة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾.

فهذه طمأنينةٌ زائفة؛ لأنها قائمةٌ على الغفلة عن الله.

أما الطمأنينة الحقيقية، فهي التي تقوم على الذكر، واليقين، والقرب من الله، والثقة في وعده. وقد قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

رمضان وتزكية النفس

علَّمنا القرآن أن النفوس على أنواعٍ ثلاثة:
(١) نفسٌ أمّارةٌ بالسوء،
(٢) ونفسٌ لوّامة،
(٣) ونفسٌ مطمئنة.

ورمضان هو موسمُ تزكية النفوس، حيث ترتقي النفس من الأمّارة بالسوء إلى اللوّامة، ثم تبلغ - بإذن الله - مقامَ النفس المطمئنة. قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ۝ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۝ وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.

فالطمأنينة تثمر الرضا، والرضا هو أعلى مقامات السعادة.

وخلاصةُ القول إن رمضان شهرُ الطمأنينة؛ أي: طمأنينةُ القلب بذكر الله، وطمأنينةُ النفس بالطاعة، وطمأنينةُ الروح بالقرب من الله، وطمأنينةُ المجتمع بالعفو والصفح والمصالحة. فاجعلوا من رمضان هدنةً مع النفس، ومصالحةً مع القلوب، وتحررًا من أسباب الضيق والغضب والحزن.

والنصيحة: أكثروا من الصلاة والسلام على النبي ﷺ، وأكثروا من الذكر، وأكثروا من الإحسان، حتى تتحول كلُّ لحظةٍ من لحظات رمضان إلى طمأنينةٍ وصفاء نفس.

نسأل الله جلَّ جلاله أن يتجلّى على قلوبنا وقلوبكم بالسكينة والطمأنينة، وأن يجعل أعمارنا كلَّها صفاءً وقربًا ونورًا. آمين.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة