حالة من الترقب لما ستسفر عنه المفاوضات الأمريكية الإيرانية، بعد الحديث الأمريكي عنها وإعلان الرئيس دونالد ترامب عقدها وتواصلها حتى نهاية الأسبوع، ومع نفي الجانب الإيراني للأمر، استمر الحديث بشأن مقترحات للتهدئة، وخطة أمريكية في هذا الصدد.
ونقلت شبكة "سي إن إن"، عن مصادر مطلعة، أن طهران أبلغت واشنطن بعدم رغبتها في استئناف المفاوضات مع المبعوث الخاص ستيف ويتكوف أو جاريد كوشنر، مُفضلة التواصل مع نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، باعتباره أكثر ميلًا نحو إنهاء الصراع، مقارنة بكل من ويتكوف وكوشنر، وحتى وزير الخارجية ماركو روبيو.
وذكرت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة تسعى لعقد محادثات سلام مع إيران في إسلام آباد اعتباراً من يوم الخميس، إلا أن هناك مخاوف إيرانية، وبحسب تقرير لموقع أكسيوس الأمريكي، أفاد المسؤولون الإيرانيون للوسطاء أن قرار ترامب بنشر المزيد من القوات في الشرق الأوسط يوحي بأنه "غير جاد" بشأن السلام.
ونقلت صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية أن الولايات المتحدة قدمت خطة مكوّنة من 15 بنداً إلى إيران، تتضمن فرض قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني، إلى جانب مطالبة طهران بإعادة فتح مضيق هرمز، والتزام كل من واشنطن وطهران بوقف إطلاق النار لمدة شهر، بهدف إتاحة الفرصة أمام إجراء مفاوضات تمهيدية للتوصل إلى اتفاق سلام طويل الأمد.
ويقول الدكتور محمد مرعي، الخبير بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، إن بعض مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تُفسَّر في إطار كسب الوقت، كما حدث في جولات تفاوض سابقة، مؤكدا أن الجهود التي تبذلها مصر، إلى جانب تركيا، تندرج ضمن مساعٍ للوساطة بين الأطراف المختلفة.
وأضاف في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أنه شملت هذه التحركات تواصلًا مكثفًا مع عدة أطراف، سواء الجانب الأمريكي أو الإيراني، بالإضافة إلى تنسيق مستمر مع الدول العربية، خاصة دول الخليج، وتركزت هذه الجهود على خلق مساحة مشتركة تسمح بالعودة إلى طاولة المفاوضات واستئناف المسار السياسي والدبلوماسي.
وأضاف أن هناك مؤشرات، وفقًا للتصريحات الأمريكية، تفيد بوجود توافق مبدئي على الجلوس للتفاوض، إلا أن هذا التوافق لا يزال هشًا، حيث يستعد الجانب الأمريكي لطرح مجموعة من المطالب، في إطار خطة تضم نحو خمسة عشر بندًا، ومن المرجح أن ترفض إيران العديد منها، مشيرا إلى أنه تشمل هذه المطالب إنهاء البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل، إلى جانب إضعاف البرنامج الصاروخي وتقليص مدى الصواريخ الباليستية، وهي شروط إيران لن تقبل بها.
وأشار إلى أن الموقف الإيراني يركز على ضرورة وقف إطلاق النار أولًا، مع الحصول على ضمانات حقيقية تحول دون تكرار الصراع، وهذه الطروحات المتباينة تعكس اتساع الفجوة بين الطرفين، ما يجعل الوصول إلى اتفاق نهائي أمرًا غير مرجح في الوقت القريب، بل حتى خفض التصعيد لا يزال يواجه صعوبات، خاصة في ظل استمرار العمليات العسكرية.
ولفت إلى أن الضربات العسكرية لم تتوقف، سواء من الجانب الأمريكي وإسرائيل أو من الجانب الإيراني، الذي استهدف بدوره مواقع المصالح الأمريكية في دول الخليج وكذلك إسرائيل، وهو ما يدل على أن الأطراف المعنية لم تصل بعد إلى مرحلة النضج الكافي للجلوس والتوصل إلى تسوية نهائية.
وأشار إلى أن بعض التحليلات ترى أن تراجع ترامب عن مهلة الثماني والأربعين ساعة التي كان قد لوّح بها لضرب منشآت الطاقة والبنية التحتية في إيران، قد يكون مرتبطًا باعتبارات تتعلق بالحفاظ على استقرار أسواق الطاقة، أو انتظار وصول تعزيزات عسكرية أمريكية إلى المنطقة، مثل قوات المارينز، تمهيدًا لتوسيع نطاق العمليات العسكرية، بما قد يشمل أهدافًا مثل جزيرة خرج الإيرانية.
وأكد مرعي أن الوضع الراهن لا يزال بعيدًا عن مرحلة التسوية، حيث لم تصل الأطراف الثلاثة الرئيسية، وهي الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، إلى قناعة بضرورة إنهاء الصراع، مؤكدا أنه مجرد الإعلان عن نية استئناف المفاوضات يُعد خطوة مهمة في ظل التصعيد المستمر، خاصة أن الحرب دخلت يومها السادس والعشرين تقريبًا، وهو ما يمنح قدرًا من الأمل في إمكانية تكثيف الجهود الدبلوماسية خلال الفترة المقبلة.
وشدد على أن استمرار الحرب يفرض أعباءً كبيرة على جميع الأطراف، إلا أن الدول العربية، خصوصًا في منطقة الخليج، تتحمل النصيب الأكبر من هذه التداعيات، إلى جانب التأثيرات العالمية الواسعة، سواء على سلاسل الإمداد أو على أسواق الطاقة.
وفيما يتعلق بإمكانية تقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإيران، أوضح أن ذلك يتطلب تقديم تنازلات من الطرفين، مشيرا إلى أن وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، كان قد صرّح في مقابلة إعلامية بأن إيران أبدت مرونة غير مسبوقة خلال مفاوضات سابقة في جنيف، وقدمت تنازلات لم تكن مطروحة من قبل، لكن الولايات المتحدة بادرت بالضربة العسكرية وإفشال المفاوضات.
ورأى مرعي أنه في حال استمرار الجهود المصرية والتركية، إلى جانب التحركات الإقليمية والدولية، فقد يكون من الممكن التوصل إلى اتفاق يحقق قدرًا من التوازن، بحيث يضمن المصالح الإيرانية وفي الوقت نفسه يلبي بعض تطلعات الإدارة الأمريكية.
وأوضح أن إيران تؤكد أنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، ويمكنها تقديم ضمانات في هذا الشأن، مثل خفض نسبة تخصيب اليورانيوم من 60% إلى ما بين 3% و5%، وربما القبول بإجراءات رقابية، مشددا على أن مطلب تصفير البرنامج النووي بالكامل لا يمكن اعتباره نقطة وسط، ومن غير المتوقع أن توافق عليه طهران.
وأكد أن البرنامج الصاروخي الإيراني يمثل خطًا أحمر بالنسبة لطهران، خاصة في ظل ما أظهرته الحرب من اعتمادها الكبير على هذا البرنامج، إلى جانب الطائرات المسيّرة، في ظل ضعف قدراتها الجوية والدفاعية التقليدية، مشيرا إلى أن كلا الطرفين يراهن على عامل الوقت، إذ تراهن إيران على أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى تفاقم الضغوط الاقتصادية العالمية، خاصة في أسواق الطاقة، بما قد يدفع الولايات المتحدة إلى تخفيف شروطها، في المقابل، تراهن واشنطن على استنزاف القدرات العسكرية الإيرانية.
وأشار إلى أن هذا الوضع يشبه الحرب الروسية الأوكرانية، التي كان يُتوقع أن تكون قصيرة، لكنها امتدت لسنوات، مؤكدًا أن الفارق هنا هو أن تداعيات الصراع الحالي أكثر تأثيرًا على الاقتصاد العالمي، خاصة أن أكثر من 20% من إمدادات الطاقة العالمية تمر عبر مضيق هرمز، موضحا أن إيران لم تغلق المضيق رسميًا، لكنها تتحكم فعليًا في حركة المرور من خلاله، وتحدد من يُسمح له بالعبور، ما يجعله أداة ضغط استراتيجية ضمن هذا الصراع.
وأكد أن هناك تصورات متعددة تُطرح من جانب مصر ودول أخرى بهدف الوصول إلى تسوية تحقق قدرًا من التوازن بين الأطراف، مشيرا إلى أن الأولوية حماية المصالح العربية ووقف الحرب، نظرًا للتكلفة الكبيرة التي تتحملها الدول العربية.
وأشار إلى أن الأيام القليلة المقبلة قد تشهد تحركات مهمة، مع الحديث عن إمكانية عقد لقاءات تفاوضية خلال 48 ساعة، قد يشارك فيها مسؤولون بارزون من الجانبين، مثل وزير الخارجية الأمريكي أو نائب الرئيس، إلى جانب ممثلين عن الجانب الإيراني، موضحا أن بعض الأسماء قد تثير تحفظات لدى إيران، وهو ما قد يؤثر على مسار المفاوضات.
ولفت إلى أن هذه اللقاءات، حتى إن عُقدت، لا تعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار، في ظل تمسك كل طرف بشروطه ومطالبه الأساسية، ما يجعل المشهد مفتوحًا على عدة احتمالات.